شارك الخبر

في 6 يناير/كانون الثاني 2020، تأسس مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، كمنظمة إقليمية تضم دولاً من آسيا وإفريقيا، مثل؛ السعودية ومصر واليمن والصومال وإريتريا وجيبوتي والأردن والسودان، مطلة ولها حدود على البحر الأحمر وخليج عدن. وقد غلب البعد الأمني على أهداف هذه المنظمة، حيث تسعى إلى تعزيز أمن الملاحة، وحماية التجارة الدولية، وتعزيز الأمن إقليمياً ودولياً، والتنسيق والتشاور حول الممر المائي (البحر الأحمر، خليج عدن، قناة السويس).

وعلى الرغم من غلبة البعد الأمني، فإن ذلك لم يعني أن التعاون السياسي والاقتصادي بين أعضاء المجلس كان غائباً عن الأهداف. ومن الواضح، بداية بحكم الامتداد الإقليمي، والارتباط الحيوي بين أمن البحر الأحمر والأمن الخليجي من ناحية، وأمن البحر الأحمر والأمن القومي العربي بصفة عامة، أن فاعلية هذه المنظمة الوليدة ترتبط بالدور الحيوي للك من السعودية ومصر فيها باعتبارهما الدولتين الأقوى اقتصادياً وعسكرياً من بين أعضائها.

وتاريخياً، شكّل ميثاق جدة العام 1956 ،بين السعودية ومصر واليمن، أول دعوة لإقامة نظام أمني مشترك في البحر الأحمر. وفي العام 1977، دعت السعودية والسودان واليمن (اليمن الشمالي) إلى آلية تعاون عسكري عربي لجعل منطقة البحر الأحمر منطقة سلام؛ وإذ تطل جيبوتي على مضيق باب المندب الاستراتيجي، فقد كانت محورية في الجهود المبذولة دولياً وإقليمياً لحماية الملاحة ومكافحة الإرهاب والقرصنة، وكانت محطة لقواعد عسكرية دولية لتحقيق هذا الغرض.

وبهذا المعنى، استمرت السعودية في السعي لإقامة هذه المنظمة حتى كان الاجتماع الأول لوزراء خارجية الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر، 12 ديسمبر/كانون الأول 2018، في الرياض والذي خلص إلى إنشاء هذه المنظمة بهدف التنسيق والتعاون بين الأعضاء سياسياً واقتصادياً وأمنياً وبيئياص. وإلى هذه الجهود السعودية، كان تقدير الأعضاء اعتبار الرياض مقراً للمنظمة الوليدة، فضلاً عن الإمكانيات المادية والدبلوماسية السعودية، وما تتمتع به من قبول عربي وإفريقي، كما أن الساحل السعودي المطل على البحر الأحمر هو الأكثر طولاً ومن ثم الأكثر عرضة للمخاطر الأمنية.

وفي الواقع، جاء ميلاد المنظمة وسط التنافس على ترسيخ موطئ قدم في البحر الأحمر بين الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية على النفوذ في دول هذه المنطقة، فنجد التنافس الصيني والروسي والأمريكي والأوروبي، كما نجد التنافس التركي والإيراني. وفي هذه المنطقة، يوجد من جانب نمو اقتصادي وارتفاع في عدد السكان وتحسن في البنية التحتية؛ ومن الجانب الآخر، هناك هشاشة سياسية ومجالات للعديد من المخاطر الأمنية، بما فيها القرصنة والإرهاب (اليمن والصومال) والقضايا البيئية (كسفينة النفط العائمة صافر) كما أن المشاكل الاقتصادية المستمرة في بعض الدول المشاطئة تدفع إلى عمليات الهجرة غير الشرعية.

وعليه، جاءت هذه المنظمة الوليدة لتعزز التوازن الإقليمي بين المتنافسين، وتعلي الحضور العربي في هذا التوازن، وتعكس في الوقت ذاته الارتباط بين أمن المنظومة الخليجية ومصر، من ناحية، وأمن البحر الأحمر وخليج عدن، من ناحية أخرى؛ فهناك تعاون وتكامل بين مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية ومجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر، كما أن تأسيس هذا المجلس يفتح فرصاً كبيرة للتعاون الاستراتيجي مع القوى الدولية الكبرى لضمان المصالح المتبادلة بين أعضائه وهذه القوى.

وإذا كان المرور بقناة السويس يمثل واحداً من أهم مصادر الاقتصاد المصري، وتحرص مصر على تأمينه، ويرتبط هذا التأمين بتحقيق المرور الآمن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، ويمثل قاسماً مشتركاً بين أمن التجارة الدولية والأمن القومي المصري؛ فإن السعودية تنظر إليه باعتباره “ضرورة اقتصادية واستراتيجية”، فرؤيتها الاقتصادية 2030 تستهدف تطوير شبكات الطرق على طول ساحل البحر الأحمر، وتطوير 50 جزيرة صغيرة ضمن المبادرات السياحية وجذب الاستثمارات الأجنبية، كما تقع مدينة “نيوم” خلال الشريط الساحلي السعودي على البحر الأحمر، وهناك مشروع مشترك بين القاهرة والرياض لإقامة جسر فوق البحر الأحمر (مشروع الجسر العربي) لتسهيل المرور المباشر وتحقيق تكامل الأسواق بين البلدين، كما من مصلحة الرياض المباشرة الحفاظ على أمن البحر الأحمر وحمايته بما يمكنها من الوصول الآمن جنوباً إلى خليج عدن والمحيط الهندي عبر مضيق باب المندب، وشمالاً إلى البحر المتوسط عن طريق قناة السويس، واستراتيجياً تسعى بتركيزها على البحر الأحمر إلى تفادي التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز.

وإذا كانت الدعوة لإقامة هذه المنظمة ليست جديدة، فإنما عجل على قيامها جملة التهديدات الأمنية التي تطال هذا الممر المائي الحيوي الذي يمر من خلاله 13% من حجم التجارة العالمية، ونحو 3.3 ملايين برميل نفط يومياً، والرابط الأساسي لحركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، حيث يمر من خلاله أكثر من 20 ألف سفينة سنوياً، ويقع على رأس هذه التهديدات، التهديدات الإيرانية، بإمكانية استهداف  -بشكل مباشر أو عن طريق الميليشيات التابعة لها – حركة الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.

وبالفعل، أعلنت طهران أكثر من مرة تهديدها بإغلاق ممرات العبور الضيقة المرتبطة بالبحر الأحمر، ويرتبط بهذه التهديدات تعقيدات الأزمة اليمنية، ورفض قوات الحوثي – المرتبطة بطهران – مقترحات السلام التي تبذل من أجل التوصل إلى حل ينهي هذه الأزمة. ومن بين التهديدات الحوثية تلك المرتبطة بحركة الملاحة في البحر الأحمر واستخدام ذلك كأحد أهم أوراق الضغط في التفاوض، وقد سبق أن تورطت هذه القوات بالفعل في عمليات تؤثر على الملاحة في الممرات والمضايق المائية المرتبطة بالبحر الأحمر، حيث حاولت استهداف ناقلات في باب المندب بزوارق مفخخة مسيرة عن بعد، وزرع ألغام عائمة لعرقلة الملاحة، واستخدم القوارب المتفجرة والقذائف المضادة للسفن، مثال ذلك ما تعرضت له سفينة إماراتية، أكتوبر/تشرين الأول 2016، وناقلة نفط سعودية، أبريل/نيسان 2018.

وفي هذا الإطار، تنظر إيران إلى البحر الأحمر باعتباره يشكل أحد أهم أدوات تنفيذ أجندتها التوسعية وتعمل بشكل حثيث على تعزيز نفوذها في هذه المنطقة، خاصة القريب منها من القرن الإفريقي ومضيق باب المندب. يقابل ذلك، سعي تركيا لتعزيز نفوذها أيضا؛ كسعيها لتأجير جزيرة سواكن في السودان، وإقامتها قاعدة عسكرية في الصومال التي تعد أكبر معسكر تدريب لها خارج البلاد. ومع هذا التنافس الإقليمي، تتنافس القوى الكبرى؛ الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وفرنسا في ظل رؤى وتصورات متباينة بل ومتعارضة أحياناً.

وعلى الرغم من هذا التنافس، فإن هناك العديد من فرص النجاح أمام هذه المنظمة الوليدة حيث تحظى بتأييد العديد من القوى الدولية، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة، بما يفتح فرصاً عديدة للتعاون الاستراتيجي مع هذه القوى خاصة فيما يتعلق بأمن الملاحة وأمن الطاقة. إلى جانب ذلك، فإن هذه المنطقة تعد جزءاً رئيسياً من مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، أو “طريق الحرير” الجديد، ما يفتح فرصاً للتكامل بينها وبين الصين.

ويعد التحدي البيئي الذي تمثله السفينة “صافر”، ثالث أكبر ميناء بحري عائم في العالم، وتحمل ما يقرب من مليون برميل نفط من أكبر التحديات التي تواجه هذه المنظمة الوليدة. وكانت مصر قد أعربت عن تضامنها مع اليمن والسعودية، ووضعها خبراتها وإمكانياتها الفنية للمساهمة في إيجاد حل جذري للأزمة، وكذلك طلب الدعم الفني من الأمم المتحدة للحفاظ على بيئة البحر الأحمر المعرضة للتلوث، والطلب من الدول الأعضاء في مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن تفعيل خططها الوطنية للاستجابة للحد من التأثيرات السلبية المحتملة حالة حدوث تسرب أو انفجار للسفينة، ودعم جهود الهيئة الإقليمية للمحافظة على البحر الأحمر وخليج عدن، لمراجعة مشروع الخطة الإقليمية المحددة للحد من التأثيرات السلبية.

وتأتي المخاوف من حدوث تحلل لهيكل السفينة، وتسرب النفط نظراً لعدم إجراء صيانة دورية لها، كما تزداد المخاوف من انفجارها نظراً لتوقف إنتاج الغاز الخامل الذي يحول دون تراكم وتفاعل الغازات المنبعثة من النفط الخام، ولا يقتصر التهديد البيئي على اليمن فقط، بل يمتد إلى الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر.

وترسو السفينة “صافر” قبالة ميناء رأس عيسى النفطي في الحديدة في البحر الأحمر، من العام 2015، وترفض قوات الحوثي دخول فريق أممي لصيانتها وتفريغها، ورغم أن مجلس الأمن الدولي أعرب، 15 يوليو/تموز 2020، عن قلق العالم من خطر وقوع كارثة بيئية في البحر الأحمر بسبب هذه الناقلة إلا أنه لم يحدد موعداً لعملية تفتيش السفينة من قبل فريق أممي تمهيداً لإفراغ حمولتها.

ودعت السعودية، سبتمبر/أيلول 2020، في رسالة عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي إلى إنقاذ المنطقة من كارثة محتملة بعد أن لاحظت بقعا نفطية غرب الناقلة، وتكرر هذا التحذير في اجتماع وزراء البيئة العرب في نفس هذا الشهر، وتبلغ ضراوة التأثير البيئي في أن المنطقة سوف تحتاج إلى أكثر من 30 عاماً حتى تتعافى من أثر هذه الكارثة، وستفقد قرابة 115 من جزر البحر الأحمر تنوعها البيلوجي. وفي أبريل/نسيان 2021، شدد مجلس الأمن الدولي على التهديد الخطير الذي تمثله ناقلة النفط “صافر” التي تهدد حالتها المتردية والمتداعية بكارثة بيئية واقتصادية وبحرية وإنسانية للبيئة والتنمية، وشدد على مسؤولية الحوثيين عن هذا الوضع ودعا إلى تسهيلهم العاجل غير المشروط دخول فريق الأمم المتحدة لإجراء تقييم أساسي وإصلاح للسفينة. فيما يتخذ الحوثيون من هذه الحالة وسيلة لابتزاز المجتمع الدولي في سبيل تحقيق مكاسب سياسية ومادية دون اكتراث بالعواقب الناجمة عن تسرب أو غرق أو انفجار الناقلة، الذي يضع اليمن والمنطقة أمام كارثة وشيكة.

وحتى الآن، يرفض الحوثيون كل الحلول التي قدمتها الأمم المتحدة، فيما لم تستطع الحكومة الشرعية حسم الأزمة؛ لأنها تبعد مسافة كبيرة عن مكان رسو السفينة “صافر”. وفضلاً عن عملية الابتزاز السياسي، فإن الحوثيين يطمعون في الاستيلاء على قيمة نفط السفينة، فيما لم يتخذ مجلس الأمن حتى اللحظة قرارات حاسمة لهذه القضية.

المصدر: مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية.

مصدر الصور: حريات التركية – العرب.

موضوع ذا صلة: “مجلس دول البحر الأحمر وخليج عدن”: تعزيز للأمن المائي الإستراتيجي


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •