صدر كتاب الأسرار الخفية في الحروب العربية الصهيونية، للكاتب اللواء الدكتور مروان محمود الحريري، يتناول فيه أنه إذا كانت لكل حرب أسبابها السياسية وجذورها التاريخية، فإن جذور الصراع العربي الصهيوني المستمر منذ عام 1948 وحتى الوقت الحاضر، أكثر توغلاً في التاريخ من أية حرب عرفتها العصور الحديثة.

إذ لم يشهد التاريخ الحديث والمعاصر صراعاً مماثلاً كالصراع العربي الصهيوني من حيث انبلاج الحق فيه، ووضوح الظلم، وباعتبار الأمر كذلك، فإن تاريخ هذا الصراع هو صراع إرادات، بدأ تصادماً بين إرادة الشعب العربي الفلسطيني، وإرادة الغزو الصهيوني، ثم تطور ليصبح عربياً صهيونياً.

ويضيف الكاتب في معرض كتابه أنه قد اتسم هذا الصراع بالتعقيد والاستمرارية، بسبب العوامل المركبة التي كونته وكان مبعث التعقيد فيه هو تكاتف القوى الأوروبية والأمريكية بمختلف أنواعها وسياساتها الاستيطانية بدءاً من تأييد المشروع الصهيوني وإظهاره إلى حيز الوجود، ودعمه بالمال والسلاح والعناصر البشرية، والوسائل الحضارية حتى المشاركة في هزيمة العرب.

ولأن الصراع بدأ واستمر في شكل صراع إرادات ذي امتدادات زمانية ومكانية كان جانبه العسكري مليئاً بالحروب والمعارك والثورات، والغريب أن الدراسات العربية ركّزت على الوقائع وسرد الأحداث، دون تخصيص الاستراتيجيات العسكرية العربية بالتحليل والتقويم، بينما ركّزت الدراسات الأجنبية وخصوصاً الفرنسية والإنكليزية على بعض جوانب هذه الاستراتيجيات، لكنها كانت متجزأة تميزت بالهدف غير العلمي فيما يخص العرب، لكنها توسعت في دراسة الاستراتيجيات العسكرية الصهيونية، وأثنت عليها وعظّمتها، وأدخلتها ضمن الدراسة الموضوعية لا الروح العلمية، حيث أشارت هذه الدراسات إلى أن الإرادة الصهيونية هي إرادة واعية بأغراضها الاستراتيجية وبالوسائل التي تمهد لها السبيل إلى ذلك، وإنها تملك رؤية استراتيجية توصلها إلى ما تريد. بينما أظهرت الإرادة العربية بأنها إرادة غير واعية وأن أغراض هذه الإرادة مضطربة وغير واضحة، ولا تعرف كيف تستخدم طاقاتها وإمكاناتها للوصول إلى تلك الأغراض، فهي إذاً إرادة فاقدة لكل مقومات الاستراتيجية الشمولية.

وانطلاقاً من هذه القضية التي وردت في الدراسات الأجنبية التي تكيل بمكاييل عديدة، نستطيع القول بأن تعميمها على كل مرحلة من مراحل الصراع أمر لايستقيم مع الواقع، وذلك لأن الصراع شهد في مرحلة من مراحله، وفي بعض أشكاله ووقائعه نزوعاً عربياً نحو تكوين رؤية استراتيجية شمولية وتخطيط استراتيجي يتصف بالشمولية والعلمية، وإدراك العوامل والتغيرات والعناصر الإيجابية والسلبية، والنقائض وحصائلها وتأثيراتها وآثارها، وإدراجها جميعاً في صلب خطة محكمة كحرب تشرين التحريرية مثلاً.

ثمة ملاحظة لابد من التنويه إليها، وهي أن الاستراتيجيات العسكرية الصهيونية تصدر من فكرة واحدة ومؤسسة واحدة، في حين تنبعث الاستراتيجيات العربية من عدة مصادر ومؤسسات كثيرة، بحسب عدد الأقطار العربية، وكان يمكن لهذه المصادر والمؤسسات أن تصّب في تيار فكري استراتيجي عام عريض، لولا أن الدوافع التي كانت الاستراتيجيات العربية تستند إليها لم تكن دائماً على توافق في الفكر والمفهوم والأهداف الاستراتيجية، حتى أنها كانت في وقت من الأوقات متباينة إلى حد التناقض، وخصوصاً النيّات.

والمعروف أن الخطة العسكرية الاستراتيجية هي في أبسط أشكالها تشمل الإجراءات النظرية التي تسبق الأعمال العسكرية مثل وصف مسرح الأعمال القتالية وتبيان الموقف العسكري والسياسي للدولة، وتحديد المهام والواجبات، ودراسة العدو بشكل علمي وموضوعي، ورسم الاحتمالات الممكنة، والتطورات المتوقعة والتنبؤ بما سيجري، ووضع الحالات المحتملة تبعاً لكل تطور متوقع، وطرق المعالجة والمواجهة وتحديد القوى والوسائط اللازمة لذلك كله.

في ضوء ذلك لو أردنا أن نبحث عن خطط استراتيجية عسكرية بالمعنى العلمي الصحيح، فإننا لن نفلح في العثور على ما نريده، فكل ما وجدناه هو عبارة عن أوامر عمليات تكتيكية تخص في معظمها مستويات قيادية ميدانية.

وبناءً على ذلك فإن أية استراتيجية عسكرية لا يمكن فهم منشأها وتحديد مقوماتها ورسم معالم تطورها إذا لم تقارن بالاستراتيجيات المقابلة لها، لذا كان ضرورياً أن تقرن الدراسة الاستراتيجية العربية بالاستراتيجية الصهيونية، على أنهما العنــصـــران المتناقضــان اللــذان شـــكلا مظاهــــر الصـــراع العســكري بمختلف وقــائعـــه.

أما أسباب هذا الصراع بين الطرفين فهو مزيج معقد ومتداخل من الخلافات السياسية والعقائدية والدينية، مما يجعل أي مسعى لجر الطرفين للتفاوض أو إيجاد حل لهذا الصراع عملية بالغة الصعوبة.

ولو تقصينا الحقيقة لوجدنا أن أسباب سلسلة الهزائم التي مُني بها العرب تكمن في داخل نظام الأمن القومي العربي نفسه، الذي انطوى على قصور شديد في الرؤيا، وعدم وجود بصيرة لما يجري في الساحة الدولية من متغيرات، وعدم الاستفادة من تجارب الماضي.

والحقيقة أن هدفي من الخوض في غمار هذا الموضوع هو إلقاء الضوء على ما حدث في الماضي وما يحدث الآن سواء على المستوى السياسي أو على المستوى العسكري من تطورات كان يجب أن يؤخذ بها بعين الاعتبار.

وتنبع أهمية الموضوع من كونه رداً على التحديات والتهديدات المشتركة التي تواجه العرب والمسلمين على حد سواء، والأهم من ذلك كله ظروف المتغيرات الدولية والتطورات التي شهدتها المنطقة بعد غزو العراق واحتلاله، وبعد العدوان على لبنان في تموز 2006، والعدوان على غزة، مضافاً إلى ذلك أهمية وجود تضامن عربي فعال، ووجود إطار عملي للأمن القومي العربي يمكن الركون إليه عند نشوب الأزمات.

وانطلاقاً من ذلك اخترت هذا الموضوع الذي يهدف إلى دراسة وتحليل كافة الحروب التي نشبت بين العرب والكيان الصهيوني، والمشاكل التي وقعت، وإيجاد أفضل السبل للخروج من هذا الصراع بما يخدم المرحلة المقبلة.

وقد اعتمدت في هذا الكتاب طريقة البحث العلمي الأكاديمي في الكتابة متخذاً أسلوب التوثيق للمعلومات في معظم صفحات الكتاب.

تضمن هذا الكتاب ثمانية فصول:

تناولت في الفصل الأول: التعريف بفلسطين من حيث الوضع الجغرافي والموقع الحضاري وفلسطين عبر التاريخ، وحرب 1948 والاستراتيجيات العربية – الصهيونية من حيث أسباب الحرب وأهدافها وتدابير الأطراف المتصارعة، واستعرضت بشكل جزئي سير الأعمال القتالية، ثم تم الإسهاب بشكل مفصل في تحليل الحرب على المستوى السياسي والعسكري، وما ينطبق على الفصل الأول ينطبق على كافة الفصول التي هي متشابهة بعناوينها الرئيسية، مع اختلاف واضح في التحليل، لأن لكل حرب خصوصياتها. واختتمت الكتاب باستنتاجات وبالأبعاد المستقبلية للصراع العربي – الصهيوني والخيارات والمعضلات في هذا الصراع الذي يكاد لا ينتهي.

الكتاب صادر عن مركز الدراسات العسكري_ دمشق 2018