شارك الخبر

حوار: سمر رضوان

بعد العديد من الجولات الديبلوماسية والتقنية، كان نصيب الجلسة الثلاثية الأخيرة، بين كل من مصر والسودان وإثيوبيا، الفشل خصوصاً وأن الوقت أمام القاهرة قد أصبح صعباً بسبب شبه اكتمال أعمال السد مما قد يضع القيادة المصرية في وجه واقع “مُرُّ” إن لم يكن “الأمرُّ”.

عن هذا الموضوع، سأل مركز “سيتا” الدكتور محمد حسين أبو الحسن، مساعد رئيس تحرير جريدة الأهرام المصرية، للوقوف أكثر على ما حدث في الجولة الأخيرة وأسباب فشلها وتداعياتها.

جولات فاشلة

“الفشل”.. هو عنوان جولة المفاوضات الأخيرة حول سد الهضة الإثيوبي فى الخرطوم أخيراً، والتي تركزت حول قواعد تعبئة وتشغيل السد، لم يكن ذلك غريباً أو مفاجئاً، سيناريو تكرر خلال 17 جولة سابقة، الجديد أن الاجتماع ضم وزراء الخارجية والري والمخابرات في كل من مصر والسودان وإثيوبيا، لأول مرة، واستمر لـ 13 ساعة متواصلة، خرج فى نهايته إبراهيم غندور، وزير الخارجية السوداني، ليعلن فشل المفاوضات، مبيناً أن التوافق كان قريباً وأن الأمر يحتاج بعض الوقت.

من جانبه قال سامح شكري، وزير الخارجية المصري، إن هناك مهلة حتى 5 مايو/ أيار المقبل (2018) لكسر الجمود والوصول إلى حل للمشكلات العالقة، بناء على تعليمات قادة الدول الثلاث. وبالقطع يمثل ذلك نجاحاً باهراً متواصلاً، لاستراتيجية إثيوبيا التفاوضية القائمة على التعنت الشديد وإغراق الطرف الآخر فى التفاصيل الصغيرة، بهدف استهلاك الوقت، لأنه يصب في مصلحة أديس أبابا، فالعمل لا يتوقف في السد، وأوشك على الاكتمال، تماماً مثلماً تفعل إسرائيل في مفاوضاتها مع الفلسطينيين والعرب، كما استفادت إثيوبيا من دروس التجربة التركية فى مشروع سدود جنوب الأناضول الذى أضر بكل من سوريا والعراق.

دعم دولي – إقليمي

اللافت أن إثيوبيا تحظى بتشجيع الرأسمالية العالمية التى تسعى لتحويل مياه الأنهار إلى سلعة تباع وتشترى، ناهيك عن مساندة قوى كبرى من أمريكا إلى الصين، والأهم الدعم العربي -الخليجي، فأموال الخليج أسهمت بقوة فى تمويل بناء السد، من قطر وغيرها، دون اكتراث من “الأشقاء” بالمصلحة المصرية أو الانتظار لحين حسم الملف. وتظهر السودان “الحياد” بين الطرفين، وتبطن “الانحياز” للإثيوبيين، لتسجيل عدة نقاط فى المرمى المصري، على خلفية الاحتقانات السياسية المكتومة بين القاهرة والخرطوم، مثل ملف حلايب، وانتماء النظام السوداني لجماعة “الإخوان المسلمين” المعادية للنظام المصري الحالي، ومن وراء ذلك تأتي علاقات الخرطوم مع قطر وتركيا، وغيرها من التشابكات والتوترات التى طفت على سطح علاقات الدولتين أخيراً، وهدأت قليلاً بزيارة الرئيس السوداني، عمر البشير إلى القاهرة، في مارس/ آذار 2018.

بالمناسبة، يتسم نظام البشير بـ “البراغماتية الشديدة” وبقدرته على التنقل بين المعسكرات المتناقضة، بكل أريحية، حسب مصلحته الآنية، ومن ثم لا اندهاش من موقفه حول سد النهضة، لا سيما أن “لعابه” يسيل أمام الوعود الإثيوبية بتزويد السودان بالكهرباء الرخيصة بعد بناء السد.

وقت ضيق.. وخسائر فادحة

ينظر المصريون إلى ما يحدث بوصفه استمراراً للمماطلة والمراوغة الإثيوبية – السودانية، حيث إن مصر قدمت تنازلات كبيرة وكثيرة، إعلاء للتعاون وتجنباً للصدام، قبلت ببناء السد ووقعت على اتفاق المبادئ الموقع بالخرطوم، العام 2015، بين قادة الدول الثلاث، ومن وقتها لم تتحقق خطوة إيجابية واحدة، على أرض الواقع، بينما تم بناء 70% من جسم السد، وبمرور الوقت تضيق الخيارات المتاحة أمام القاهرة وتصبح أكثر خطورة، فمياه النيل هي ركيزة الوجود والأمن القومي المصري “الوحيدة”، ارتبطت حياة شعب الكنانة بنهر النيل، وعلى ضفافه قامت أعرق حضارة إنسانية فى التاريخ.

إن حصة مصر التاريخية من النيل تبلغ 55 مليار متر مكعب، من متوسط إيراد سنوي للنهر يقدر بنحو 1600 مليار متر مكعب، وهي حصة لا تكفي شعباً يتجاوز 104 ملايين نسمة، ويقع تحت خط الفقر المائي، وهو أكبر بلد مستورد للقمح فى العالم، ومع هذا تريد أديس ابابا ملء خزان السد بسعة إجمالية 74 مليار متر فى ثلاث سنوات فقط، بما يعنى ضرب الأمن القومي فى الصميم.

لقد ذكرت دراسة للدكتور محمود أبوزيد، وزير الري ورئيس المجلس العالمى للمياه الأسبق، أنه إذا نقصت مياه الزراعة خمسة مليارات متر، فإن الخسائر تتجاوز 75 مليار جنيه مصري، ولو نقصت 10 مليارات متر تبلغ الخسائر 152 مليار جنيه، بالإضافة إلى توقف توربينات السد العالي وتصحر الأراضي الزراعية واضمحلال الثروة السمكية، والأخطر الاضطرابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية نتيجة فقدان 15 مليون مصري لمقومات معيشتهم، فى بلد خارج للتو من رحم ثورتين ويحاول أن يضمد جراحه المفتوحة. ظرف استثمرته إثيوبيا بإنتهازية شديدة.

ولتوضيح الصورة فإن إثيوبيا تمتلك 14 نهراً تجرى ضمن أرضها، غير النيل، تحوز وفرة وأمطاراً منهمرة، يطلق عليها “نافورة إفريقيا”، ولا شك أن من حق الإثيوبيين تنمية بلادهم بالطريقة التى يرونها، لكن بشرط عدم الإضرار بالآخرين. إن أهداف إثيوبيا تتعدى التنمية إلى التحكم فى النيل والإضرار بمصر، فسد النهضة فكرة أمريكية منذ الخمسينيات عقب فشل العدوان الثلاثي وشروع القاهرة فى بناء السد العالي وتأميم قناة السويس. للعلم، هناك شركتان تقومان ببناء السد، واحدة إيطالية والثانية إسرائيلية تشرف على محطة توليد الكهرباء وتوزيعها، فأطماع إسرائيل في مياه النيل معلنة و”تقليم أظافر” مصر ودفعها إلى الانكماش هدف إسرائيلي يجري بأيد إثيوبية – عربية. السؤال هنا: هل ينجح المخطط الإثيوبي؟

الخيارات مفتوحة

قبل مفاوضات الخرطوم الأخيرة، لاحت مؤشرات إيجابية خاصة بعد تعيين رئيس وزراء إثيوبي جديد بعد موجة اضطرابات شعبية داخلية، أحد أسبابها السخط الشعبي من عدم وجود نتائج لمشروع سد النهضة، كذلك زيارة الرئيس البشير للقاهرة. بيد أن الموقفين الإثيوبي والسوداني لم يشهدا أي تغيير، فوزير الخارجية المصري حدد مهلة إلى 5 مايو/ أيار مهلة لكسر الجمود السياسي والفني، وما لم تحدث معجزة فإن الفشل سيكون حليف المهلة الجديدة أيضاً.

إن الرأي العام المصري يشعر بقلق وانزعاج شديدين، وإن لم يظهر ذلك، لا سيما أن الرئيس عبد الفتاح السيسي كا قد صرح أكثر من مرة بأن “المياه قضية حياة أو موت” وأنه لا تفريط فى قطرة مياه واحدة من حصتنا التاريخية منذ الأزل.. يرى البعض أنه من الطبيعي أن الخلافات الكبرى تستغرق وقتاً، لكن آخرين يرون ان السد الإثيوبي أوشك على الانتهاء ومصر مقبلة على مجاعات وجفاف وقحط لا ينتهي، يذكر بالشدة المستنصرية أو سنوات يوسف العجاف بكل تداعياتها السلبية الخطيرة.

تملك مصر أكبر وأقوى جيش فى أفريقيا وهي قادرة تماماً على محو السد الإثيوبي من الوجود، لكن تبعات ذلك ستكون كارثية فى ظل الظروف الدولية والإقليمية الراهنة، ومن ثم فالخيار العسكري بعيد للغاية وإن كان غير مستبعد. وقد تقدمت مصر بطلب إلى إثيوبيا والسودان، لقبول تدخل طرف محايد بالمفاوضات، سواء البنك الدولي أو أي منظمة دولية يثقون بها، وهو ما رفضته الدولتان، وما زال البحث جارياً عن طرف ثالث للوساطة، وأمريكا مرشحة فى هذا السياق. في المقابل، تدعم واشنطن ومعها تل أبيب أديس أبابا، وتدرك القاهرة ذلك، وتراهن على ما تحوزه من أوراق القوة والضغط للمصالح الأمريكية بالمنطقة، بحيث يظل ذلك خياراً محدوداً.

إن الخيار الأفضل، من وجهة نظر الخبراء المصريين، هو رفع الأمر للتحكيم الدولي خاصة أن مصر لديها من الوثائق ما يؤكد ويؤيد موقفها الثابت وحقها الأصيل، والدليل على تضررها من سد النهضة ومخالفته القانون الدولي للأنهار، وإلا وقف المفاوضات لتعنت إثيوبيا والسودان، والبحث عن طرق أخرى أجدى للتعامل مع هذه الأزمة المصيرية. وأمام حالة الانكشاف وخطورة الموقف وعسر الرهانات هذه، سوف يتقبل الشارع المصري وربما الدولي أي خطوة، مهما تكن خطورتها ونتائجها، تقدم عليها القيادة السياسية، لحفظ حق المصريين فى المياه والحياة.

مصدر الصور: سبوتنيك.


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •