يان فان زيبروك*

يعتبر إعادة إدماج فرنسا في حلف الناتو، من قبل الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، تبدلّاً جذرياً في خط فرنسا التي كانت تسير عليه زمن شارل ديغول، فدورها لم يتوقف عند توجهات الحلف، التي تمثل افكار الأمريكيين وحلفائهم الغربيين، بل تعدّاه إلى “تنفيذها” وعلى حسابها.

فبعد أن غادر الرئيس فرانسوا هولاند السلطة، بالتحديد، شهد الجيش الفرنسي انخفاضاً كبيراً في ميزانيته وهو ما يصب في مصلحة الولايات المتحدة بشكل غير مباشر. إضافة إلى ذلك، كان نيكولا ساركوزي(1) أكثر “الرؤساء الأمريكيين”(2)، وكذلك الرئيس إيمانويل ماكرون الذي تشبع بالثقافة الأمريكية. هذا كله يعطينا فكرة من أين يأتي الرؤساء الفرنسيين.

ماكرون.. “شرطي” دونالد ترامب

سوف نقوم بتحليل هذا الدور الذي طلبه الأميركيون، إذ تم إملاؤه على فرنسا في مناطق عدة من العالم مثل أفريقيا، وروسيا، والشرق الأوسط. هذا الرئيس الجديد المنتخب “بالصدفة” دعا الرئيس ترامب، في يوم 14 يوليو/ تموز، لحضور حفل “اليوم الوطني”. منذ ذلك التاريخ، أصبح ماكرون “خاضعاً” بالكامل لترامب.

أفريقيا

في أبريل/نيسان 2017 وفي جيبوتي تحديداً، توجه الجنرال جيمس ماتيس، أو “جزار” الفلوجة ووزير الدفاع الامريكي، بكلمة إلى الجيش الفرنسي قال فيها “لقد أثبت الفرنسيون دائماً أنهم جاهزون عندما تحتدم المواجهة”، وهو ما أدهش الجنود الفرنسيون الذين اعتبروا تصريحاته “فارغة ودون جدوى”. أما الرئيس ترامب، فقد أعطى أوامره لهم بحماية “مربعات” تواجدهم في أفريقيا، وهذا بالطبع ليس من أجل فرنسا بل لكونهم يشكلون “حاملة طائرات أمريكية” لإعادة استعمار أفريقيا من جديد.

في 14 يوليو/ تموز، استقال رئيس قائد الجيوش، بيتر دي فيليرز، حيث جاءت الاستقالة كنوع من الاحتجاج على خطط ماكرون الاستراتيجية، واسلافه، لجهة تحديث الجيش الذي اندمج بالكامل في حلف الناتو، إذ أصبح بديلاً للجيش الأمريكي في كل من أفريقيا والشرق الأوسط. في المقابل، عين ماكرون خليفة له اعتبر “أكثر ملاءمة” للأصدقاء الأميركيين كونه شارك في كل حروب الناتو، وهو الجنرال فرانسوا لوكينتير الذي شارك في حرب البلقان الأولى، حرب أفغانستان. هذا الجنرال يعتبر أحد القائدة العاملين تحت قيادة حلف شمال الأطلسي، وهو يقود اليوم العمليات العسكرية في مالي التي بدأت في أغسطس/ آب 2014 بناء على طلب السلطات المالية.

بعد 4 سنوات، تمكن الجيش الفرنسي من “احتواء” التهديد الإرهابي لكنه أصبح مكروهاً من قبل قسم كبير من الشعب المالي الذي رحب بتواجده في منطقة الجنوب بداية، ثم ما لبث أن رأى فيه “حامياً” للإرهابيين. في الفترة ما بين 7 و 8 أبريل/ نيسان، ذهب رئيس الوزراء، إدوارد فيليب، الى مالي وتصرف كأنه “محافظاً” لباماكو، عاصمة مالي، حيث هدد سلطتها وقال بأنه لن  يسمح بأية مظاهرات معادية لبلاده، علاوةعلى أنه لم يقابل المسؤولين السياسيين، بل اكتفى بلقاء المسؤولين العسكريين.

أما في بوركينا فاسو، فقد أصبح الوجود الفرنسي أكثر تحدياً لأنها تعتبر جزءاً من “دول الساحل الخمس”، وبدأ السكان هناك يرون بأنهم مقبلون على “استعمار” فرنسي جديد.

لم تعد فرنسا تملك “مفاتيح الطموح” في أفريقيا، كما ذكرنا أعلاه فقد قام هولاند بتقليص ميزانية الجيش، وخفض البرامج التدريبية، ونقل قسماً من الجيش، وأغلقت نصف الثكنات في فرنسا. هنا، وجد ماكرون نفسه أمام انخفاض كبير في القوى العاملة، حيث قام بتعويض النقص عبر استئجار الخدمات من الولايات المتحدة لا سيما في الجزء اللوجستي، والنقل والإمداد، وهو ما يعكس سلباً صورة الجيش الفرنسي الذي لا يزال يمتلك القوة النووية.

أوروبا

وفي أوكرانيا، بدأ واضحاً انحياز وزير الشؤون الخارجية لو دريان للولايات المتحدة منذ بداية الأزمة، على الرغم من وجود أدلة على أن الرئيس الأوكراني بيترو بورونشينكو يعتبر “رجلاً خطيراً” استخدم “الإرهابيين النازيين” في العمليات العسكرية المستمرة على منطقة الدونباس.

من هنا، بدأت فرنسا بـ “الهجوم” على روسيا، وكان مصير اتفاقات “منيسك” الدوس بالإقدام، حيث لم يكن لها أي ردة فعل على قانون استعادة الدونباس ولا القوانين الأوكرانية الجديدة التي تمنع استعمال اللغة الروسية وتعليمها في البلاد.

فيما يخص موسكو، أبرمت بين فرنسا وروسيا، في العام 2010، عقد بناء وتسليم سفينتين “ميسترال” في سان-نازير مع الشركة الفرنسية STX-France. وفي العام 2013، بحجة الأزمة الأوكرانية، قررت فرنسا عدم احترام تنفيذ عقد بيع هاتين السفينتين اللتين تم إعادة بيعهما إلى مصر بموافقة روسية. لم تكتفِ فرنسا بضرب مصداقيتها التجارية، لأنها لم تحترم اتفاقاتها، بل أسوأ من ذلك حيث أضرت بالشركة من خلال الاستغناء عن خدمات الكثير من العاملين، إضافة إلى أنها قامت بدفع البند الجزائي لروسيا وبيع السفينتين بطريقة “مُهينة”. هذا التصرف جاء نتيجة ضغط كبير من قبل الولايات المتحدة، ودول أوروبية معادية لروسيا، إذ سايرت باريس توجهات الحلف على حساب مصالحها الخاصة.

الشرق الأوسط

بعد تدمير ليبيا ومعها أفريقيا بأكملها، أرادات فرنسا، تحت قيادة الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، ورئيسي الوزراء السابقين، جان مارك آيرولت ومانويل فالس(3)، شن الحرب على سوريا، في العام 2013، بمفردها. وفي هذا الشأن، برز موقف لافت لوزير الخارجية “الشرير”، لوران فابيوس، الذي تحدث بلغة بعيدة عن الدبلوماسية إذ قال بأنه تمنى لو أن الرئيس بشار الأسد لم يولد أبداً، إضافة إلى قوله بأن جبهة النصرة (الإرهابية) “تقوم بعمل جيد”، وهو ما شكل “اعتذاراً” صريحاً للإرهاب.

نعلم جميعاً أن فرنسا كانت أحد المساهمين الأساسيين في إرسال الأسلحة لإرهابي تنظيم “القاعدة”، علاوة على إرسال الارهابيين ذاتهم إلى سوريا، وهو ما كشفه الرئيس السابق فرانسوا هولاند في كتابه “دروس السلطة”. أيضاً وتحت حكم الرئيس ماكرون، تم بناء خمس قواعد عسكرية فرنسية في سوريا من المفترض أن عملها يكمن في حماية “الكرد”، لكن الحقيقة هي ليست سوى تنفيذاً لمخططات الصهيوني برنارد هنري ليفي، الذي يرى في الشعب الكردي أنه داعم كبير لـ “إسرائيل العظيمة”.

من هنا، إن الضربات الإجرامية ضد سوريا هي أيضا أحدث مثال على خضوع فرنسا لأوامر الناتو، على الرغم من الهجمات التي استهدفت المدنيين الفرنسيين من جراء هذا العدوان ضد سوريا، وبعض شراكائها الخليجيين الذين يدعمون الإرهابيين عسكرياً ومالياً. فماكرون، الذي يمثل فرنسا، قد تسبب في وفاة مواطنيه.

أما في لبنان، دعونا نعود للحظة إلى فترة احتجاز رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، في السعودية ما تم التوافق بينه وبين باريس والرياض لجهة إجراء محادثات مشتركة ولكن أين؛ ليس في أي مكان بل على جزيرة قبرص. هنا، يمكننا أن نسأل أنفسنا لماذا جرت المحادثات في قبرص التي تعتبر، تاريخياً، مركزاً لتجمُّع المخابرات العالمية؟

وفي الشأن اللبناني أيضاً، لا يمكن اعتبار الوجود الفرنسي في مؤتمر “سيدر” بريئاً، لا سيما وأن الدور الفرنسي يقضي بقطع الطريق على حزب الله وحليفته حركة أمل، وهو ما يعتبر تدخلاً اجنبياً في الشؤون الداخلية للبلد، وتنفيذاً لبرامج محددة تصب في مصلحة حلفاء آخرين.

(1) الذي شن الحرب على نظام معمر القذافي في ليبيا، بأمر من وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون وأخطر رجل عرفته فرنسا برنارد هنري ليفي، هذا الفيلسوف الزائف والمؤيد للكيان الصهيوني.

(2) يحمل ابنه الجنسية الأمريكية ودرس في جامعاتها.

(3) لم يكن مانويل فالس أكثر من مجرد “صهيوني متحمس”، الذي أعلن خلال مظاهرة لـ “المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا CRIF” (التي تعادل AIPAC في الولايات المتحدة) بالقول “اليهود هم في الطليعة من فرنسا”.

*باحث في مركز “سيتا”

المراجع:

https://ti.me/2JWZxuM

https://bit.ly/2lOOj2U

https://bit.ly/2qLq4Cv

https://bit.ly/2qIostR

https://bit.ly/2H9sd5Q

https://bit.ly/2Hb6u9H

https://bit.ly/2HKLY0N

https://theatln.tc/2EZWRIR

https://dailym.ai/2HbpNDS

https://bit.ly/2qKpq8p

https://bit.ly/2vrLPgf

https://bit.ly/2J9CgnU

https://bit.ly/2HdB3vz

https://bit.ly/2Hfq7Bm

https://bit.ly/2HbqxJa

https://bit.ly/2HeFO87

https://bit.ly/2HLIefl

https://bit.ly/2HyOk51

https://wapo.st/2JXZoac

مصدر الصور: روسيا اليوم –  مصر العربية.