شارك الخبر

إعداد: يارا انبيعة

عام 2018 رفض أن ينتهي قبل أن يشعل معه ثورة جديدة في بلد عربي، فكانت السودان هي الوجهة هذه المرة. فعلى مدار الأسابيع الأخيرة من شهر ديسمبر/كانون الأول 2018، تواصلت التظاهرات في عدة مدن سودانية احتجاجاً على التضخم، وارتفاع أو فقدان الإحتياجات الأساسية للحياة.

وهذه الإحتجاجات تختلف عن سابقاتها لأنها نقطة انطلاقها جاءت من مناطق الأقاليم بدلاً من العاصمة الخرطوم، ناهيك عن السرعة الخاطفة لإنتشارها في أرجاء البلاد، مما أثار الشك لدى الحكومة المركزية عن خلفياتها.

مؤامرة خارجية؟!

هاجم الرئيس السوداني، عمر البشير، أحزاب المعارضة التي أعلنت مشاركتها في الإحتجاجات منتقداً، خلال كلمة له أمام تجمع من العاملين والمعاشيين في إطار احتفالات البلاد بالذكرى 63 للإستقلال، دعوات بعضها لـ “القفز من سفينة نظام البشير قبل غرقها”، معتبراً أنها ليست المرة الأولى التي يقفزون فيها من سفينته، وأنه كلما اشتدت الأزمة يقفزوا من المركب وعندما تهدأ أو تبرد يعودون من جديد، لكن هذه المرة من يقفز لن يعود مره أخرى.

وأكد الرئيس البشير أن بلاده تتعرض لمؤامرة خارجية مستمرة منذ العام 1955، وحصار اقتصادي وحرب مستمرة منذ أكثر من 20 عاماً، على غرار ما حصل من قبل في العراق وسوريا واليمن وليبيا ومصر وتونس، كما أعلن أنه تلقى نصائح، من دون الكشف عن هوية مقدم النصيحة، بالتطبيع مع إسرائيل حتى تنصلح أمور البلاد، فرد بالقول “إن الأرزاق بيد الله”.

البحث عن حلول

كشفت وسائل إعلام سودانية عن أن الحزب الحاكم يعتزم إجراء تعديل وزاري خلال الفترة المقبلة، تشمل حقائب اقتصادية، وقالت صحيفة “كوش نيوز” إن حزب المؤتمر الحاكم يعتزم إجراء تعديل وزاري محدود يشمل 4 وزارات منها وزارة المالية.

وقال قيادي بالحزب إن الحزب نفسه ستصيبه تلك التعديلات في بعض القطاعات ورئاستها بعد عملية تقييم للأداء خلال فترة التظاهرات، كما وأفصح القيادي عن تعيين وزير جديد للمالية بديلاً عن معتز موسى الذي سيتفرغ بصفة كاملة لرئاسة مجلس الوزراء.

هذا وقد أعلن البنك المركزي عن سياسات مالية جديدة للعام 2019 تهدف إلى تحقيق الإستقرار النقدي والمالي وكبح جماح التضخم واستقرار المستوى العام للأسعار، واستقرار سعر الصرف وتعزيز الثقة بالجهاز المصرفي.

في المقابل، وقع 22 حزباً غالبيتها مشاركة في الحكومة، على مذكرة رفعتها، للرئيس البشير تطالبه بحل الحكومة والبرلمان، فيما أعلنت حركة “الإصلاح الآن”، في 1 يناير/ كانون الثاني 2019، انسحابها من الحكومة حيث قال النائب البرلماني والقيادي بحزب “الإصلاح الآن”، الدكتور فتح الرحمن فضيل، إنهم منخرطون في اجتماعات مكثفة لتقييم الموقف واتخاذ قرار وشيك بشأن المشاركة الرمزية.

اللحاق بالشارع

على مدار أيام، لم يتبنَّ أي حزب سياسي معارض تلك الإحتجاجات، ولم يخرج أي تصريح خارجي يقف معها إذ كان هدفها الأول هو “إصلاح الوضع المعيشي” في بلد يعاني من أزمة اقتصادية عميقة.

فيما بعد، تحاول بعض الجهات توظيف التظاهرات لصالحها، حيث تسعى، فرادى وجماعات، للحاق بحركة الشارع المتسارعة، لكن جميع الجهود التي بذلت لم تصادف نجاحاً ما سيطيل عمر المأزق الذي يواجهه النظام، ويضعف الصدى الإيجابي للتحركات التي تقوم بها قوى المعارضة، مما سيجعل الخطوات التلقائية للشارع تسير بطريقة سريعة.

درس من “الربيع العربي”

يرى العديد من المحللين بأن الإحتجاجات الأخيرة نقلت النظام السوداني من مربع فقدان المناعة وعدم القدرة على المقاومة الصلبة إلى ما يشبه “الإستسلام” للمرض الذي أفضى إلى تعدد مناطق الإصابة به؛ لذلك، تبدو أركانه الرئيسية “مهتزة” حيال التعامل مع الأزمة، إذ يبتعد الشارع السوداني عن انتهاز الفرصة المواتية لطي صفحة عمرها نحو ثلاثين عاماً لأن توقيتها تزامن مع عدم امتلاكه للقائد والمرشد والكتيبة التي تضبط حركته تجاه وجهة صحيحة.

إلا أن التطورات الراهنة تميل إلى ناحية العشوائية الأمر الذي يصب في صالح الجيش، الذي يمثل اليد العليا التي تملك أدوات التغيير في المنطقة حيث أكدت تجربة ثورتي 25 يناير/كانون الثاني العام 2011 و30 يونيو/حزيران العام 2013 في مصر أن المؤسسة العسكرية الجهة الوحيدة القادرة على القبض على مؤسسات الدولة، والتشعب في ربوعها، فقد تحركت مع الثورتين، وانحازت للشارع بلافتة دعم الإرادة الشعبية، وتجاوزت سلسلة طويلة من الإستهدافات الأمنية، وحافظت على كيان الدولة، حيث نجحت في سد الفراغات السياسية التي خلفتها عمليات تقليم أظافر قوى المعارضة، ما جعلها الرابح الأول في مصر، الأمر الذي افتقرت إليه تجارب سوريا واليمن وليبيا، وتلاشته تونس عندما ابتدعت عن صيغة للتوافق بين العسكريين والطبقة المدنية بأطيافها الواسعة، وفي القلب منها حركة النهضة الإسلامية.

من هنا، يشير العديد من الكتاب بأن النظام قد تنبه إلى أهمية تقوية المؤسسة العسكرية من دون غيرها، فحتى الرديف “الإسلامي المدني” الذي يستند عليه الحكم جرى تقليص دوره في أركان الدولة لصالح الرديف “الإسلامي العسكري”، وهو درس مهم لثورات “الربيع العربي”، إذ تدور معالم الدرس حول تقوية الجيش على حساب السياسة والثقافة والإعلام وغيرها، بل وتفريغها من مقوماتها الأساسية، وربما يكون النظام قد قطع شوطاً كبيراً في هذا الفضاء، لكنه ضاعف من خطواته عندما تيقن أن البقاء أصبح مرهوناً بإضعاف الخصوم والمناوئين.

حليف الجميع

يعتبر الرئيس البشير نقطة التقاء بين الكثير من المكونات العربية، تحديداً، إذ يمكن القول بأنه “حليف الجميع”. فمن جهة، هو يقف مع السعودية والإمارات في حرب اليمن ويرسل الجنود لمساندتهم. ومن جهة أخرى، هو قريب للمحور القطري – التركي وهناك الكثير من الإتفاقيات بينهم لا سيما وأبرزها إعطاء تركيا الحق في استثمار جزيرة سواكن على البحر الأحمر.

أما علاقته المميزة مع الرياض، فقد سمحت له فتح نقاط حوار مع الولايات المتحدة بعد سنوات طويلة من القطيعة، في وقت يحافظ فيه على استيراد السلاح من روسيا لتعزيز قوة الجيش. اليوم، ربما تكون الضغوطات الخارجية معدومة في هذه التظاهرات، لكن السلطات الرسمية تعتبر أن الحصار المفروض عليها من قبل واشنطن، منذ سنوات، هو السبب الأساس في تردي الأوضاع الإقتصادية، في وقت لا توجد فيه حلول مباشرة للأزمة وهو ما قد يضع السودان على فوهة بركان قابل للإنفجار في أية لحظة.

إضافة إلى ذلك، جاءت الزيارات المشتركة المصرية – السودانية في إطار تعزيز العلاقات بين البلدين، والتطمين لجهة موضوع الأمن المشترك بكافة مستوياته، لا سيما الخوف المصري من مسألة “سد النهضة” ومحاولة السودان تقريب وجهات النظر بين القاهرة وأديس ابابا من أجل إيجاد مخرج يرضي الجميع.

 صمت الحلفاء

أعلنت أربع دول عربية فقط دعمها الصريح للخرطوم في هذه الظروف، وهي قطر ومصر والكويت والبحرين، إذ تلقت دعماً من الوقود والقمح بما يكفي للبلاد لعدة أشهر. في المقابل، يبدو لافتاً عدم وجود موقف سعودي – إماراتي واضح وسط تكهنات بوجود علاقة “باردة” بين الجانبين سببها محافظة السودان على علاقاته مع قطر ويقوي شراكته مع تركيا.

بالرغم من ذلك، تفضل الرياض استمرار وبقاء النظام بسبب دعمه للحرب في اليمن، إذ تشير العديد من المعلومات بأن الجنود السودانيين يشكلون الجزء الأكبر من قوات المشاة ضمن التحالف العربي. أما عن تأخر المملكة في الإعلان عن موقفها، فهو ما يمكن اعتباره “رسالة” إلى الرئيس البشير مفادها أنه يجب أن يكون أكثر حذراً في علاقاته الخارجية وأن يدفعه لإتخاذ المزيد من المواقف بما يتماشى مع السياسة الخارجية للرياض.

مستقبل غامض

مما سبق، يمكن القول بأن السودان يعيش حالة من الغموض بشأن مصير التظاهرات في الشارع، والنظام الحاكم في الخرطوم؛ إذ لا أحد يستطيع القطع بنجاح حركة الإحتجاجات في “الإصلاح والتغيير”، ولا توجد جهة تؤكد أن الرئيس البشير ستجاوز الأزمة بالأدوات الدبلوماسية أو الخشونة الأمنية، فالحكومة لن تتمكن من تقديم حلول عاجلة تطفئ بها ظمأ الجوعى، وتمنح قطاعاً منهم أملاً لتجديد الثقة بالرئيس، خصوصاً وأن العديد من المراقبين يرون بأن الأزمة الحقيقية تكمن في التآكل الظاهر داخل جسم النظام الحاكم نفسه.

أما بالنسبة للمعارضة، فإن الضعف ضارب في هيكلها حيث جاءتها الفرصة تلو الأخرى، منذ سنوات، ولم تستطع استثمارها؛ ناهيك عن “البطء” الطاغي على رؤيتها والذي سيمنعها من التواجد في مقدمة الأحداث كموجه لها بعد القبض على الدفة وتحريكها في المسار الذي تريده.

من هنا، إن “تطويع” الشارع من قبل الأحزاب والقوى السياسية كافة تواجهه تحديات تعوق الوصول إلى تفاهمات بين الفريقين، لأن المسافة لا تزال متباعدة، وحتى الجهات النافذة في الحكم التي تريد تجاوز الأزمة، لم تعد معصومة من الخلافات البينية. فمكونات تلك الأزمة تشير إلى أنها أشد تعقيداً من المعادلات العربية السابقة، فلا نفوذاً كبيراً للأطراف المدنية المسيسة، وهناك فقر في عوامل الدفع الخارجي، كما أن حضور الإسلاميين في دولاب الحكم جعل الشارع السوداني بلا ظهير جاهز، أو فريق يمكن بلورة أفكاره مع التطورات المقبلة.

في الختام، هناك حاجة إلى أخذ العبر مما حصل في المنطقة ومحاولة إيجاد حلول مشتركة بين الحكم والمعارضة من أجل حل الأزمة المعيشية التي سبق وكانت، مع غيرها من الأمور، سبباً في إشعال بلدان عربية بأكملها.

مصدر الأخبار: سيتا + وكالات.

مصدر الصور: سبوتنيك.


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •