شارك الخبر

ناجي ملاعب*

بالعلم والبحث والاكتشاف والإبتكار، تقدمت دول وارتفع شأنها، في حين تراجعت دول أخرى وقل شأنها نتيجة لعدم الاهتمام بالعلم والبحث واكتفت بأن تكون مقلدة ومستهلكة، ما جعلها تابعة وفاقدة لإرادتها.

تعتبر إسرائيل من الدول التي فاق تقدمها العلمي حجمها وعمرها، وكان الفضل لعنصر التحدي، حيث أرادت أن تتفوق على المحيط العربي الذي زُرعت فيه حتى تحمي نفسها وتثبت أركانها في الكيان المغتَصب، فاتخذت من سفينة العلم والبحث العلمي وسيلة لإثبات ذاتها وفرض هيمنتها، وأوصلتها هذه السفينة إلى مصاف الدول المتقدمة والمتطورة في شتى المجالات، ولا زالت تسير بخطى ثابتة في ذات الطريق.

في الوطن العربي، مقارنة بالواقع العالمي، لا وجود لاستراتيجية واضحة للبحث العلمي، ولا ميزانية مستقلة ومشجعة، فضلاً عن افتقار أغلب المؤسسات العلمية والجامعات العربية إلى أجهزة متخصصة بتسويق الأبحاث ونتائجها وفق خطة اقتصادية إلى الجهات المستفيدة مما يدل على ضعف التنسيق بين مراكز البحوث والقطاع الخاص. كذلك يسجل الخبراء غياب المؤسسات الاستشارية المختصة بتوظيف نتائج البحث العلمي وتمويله من أجل تحويل تلك النتائج إلى مشروعات اقتصادية مربحة. إضافة إلى ضعف القطاعات الاقتصادية المنتجة واعتمادها على شراء المعرفة.

صانع القرار الإسرائيلي هو ابن البيئة العلمية، ونتاجها، لذلك كثيراً ما يلجأ إلى مراكز الأبحاث العلمية وأصحاب العلم والاختصاص، من اجل اخذ الرأي والمشورة في القرارات المختلفة التي تهم الدولة، وتعتبر مراكز الدراسات المختصة بالفكر والبحث العلمي واستطلاع الرأي مؤثرة في سياسات صانع القرار الإسرائيلي.(1)

ما هو الدور الذي تقوم به مراكز أبحاث العلوم الإنسانية في إسرائيل؟ وما هي أهم مراكز الأبحاث في الكيان الصهيوني؟ وهل لمراكز الأبحاث في إسرائيل دور مؤثّر في صناعة القرار؟

ما حفّزني لطرق هذا الموضوع لم يكن الفارق في الإهتمام الرسمي والخاص ما بين دولة الكيان الغاصب والدول العربية، فقط، بل، لقد لمست لمس اليد كباحث أو خبير في قضايا أمنية واستراتيجية أن المعلومات الموثوقة التي أستقي منها مواقفي هي صادرة عن مراكز بحوث أجنبية ونادرا ما تكون عربية، ووجدت نفسي أنني أصبحت “المتلقي” للدراسات الغربية ما يقودنا الى “تسويق” مفاهيم وأفكار غريبة عن مجتمعنا وأمتنا. وقد رمت من هذا البحث دق ناقوس الخطر قبل “الإستتباع اللا إرادي” للأفكار المفروضة علينا، لعل من يسمع!

سنتناول، بداية، في القسم الأول من هذا البحث، أهم هذه المراكز البحثية العلمية في إسرائيل، واهتماماتها الرئيسة، ودورها في صناعة القرار الأمني والإستراتيجي والإقتصادي. فيما يتطرق القسم الثاني إلى سبر أغوار الإهتمام الرسمي العربي بالبحث العلمي، ونفصِّل المساهمة اللبنانية في هذا المجال، ونلقي بعض الضوء على أسباب ضعف البحث العلمي العربي وموقعه العالمي. ونعرض، في الختام، لرؤية منظمة الأونيسكو في تقريرها العلمي الأخير، 2015، للحلول الممكنة لواقع البحث العلمي العربي.

تبلورت في العالم الغربي مع نهاية الحرب العالمية الثانية نظرية تفيد بأنّ العلم والبحث العلمي هما الضامنان لنمو ورفاه المجتمع الحر، وبأنهما لن ينجحا دون تخصيص موارد كبيرة لهما من الميزانية العامة.(2) من أهم الوثائق حول هذا التوجه ما كتبه فانيفار بوش Vannevar Bush)، رئيس مكتب تطوير البحث العلمي في الحكومة الأمريكية عام 1945، بعنوان “العلم: جبهة غير منتهية” (Science the Endless Frontier, 1945). نصت الوثيقة على أهمية العلوم الاجتماعية والفلسفة، وبأنها لا تقلّ أهمية عن العلوم الطبيعية، وقد نتج عن توصيات الوثيقة تأسيس الصندوق القومي العلمي بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1950، بهدف دعم البحث العلمي. تضمنت الوثيقة مصطلح رأس المال العلمي، الذي يمكن تحصيله من خلال مراكمة المعرفة والبحث العلمي، وتحقيق عدة متطلبات، من أهمها(3):

–  زيادة الاهتمام بالبحث العلمي في الجامعات ومراكز الأبحاث غير الرسمية.

 – تخصيص ميزانيات فيدرالية كبيرة لتمويل نشاطات البحث العلمي.

–  ضمان تدفق الدعم المالي للباحثين في مراكز الأبحاث، لفترة لا تقل عن 5 سنوات.

–  الاعتبار الوحيد لتخصيص الميزانيات للبحث العلمي هو التميز والجودة العالية للبحث.

–  ضمان مطلق للحرية الأكاديمية للباحث، وعدم التدخل في أهداف البحوث ووسائلها.

–  تخصيص موارد فيدرالية لوضع خطط هدفها تدريب وتأهيل الباحثين عبر المنح، ودعم الباحثين الطلاب في مؤسسات التعليم العالي.

مفهوم البحث العلمي

بداية لا بد من توضيح مفهوم البحث العلمي حيث يعرف على أنه مجموعة من النشاطات والتقنيات والأدوات التي تبحث في الظواهر المحيطة والتي تهدف إلى زيادة المعرفة وتسخيرها في عمليات التنمية لمختلف جوانب الحياة.(4) ويسمى البحث علمياً إذا اعتمد على تجميع معلومات كافية ناتجة من تجارب علمية يمكن قياسها والتحقق من دقتها عن طريق الملاحظة أو التجربة وتصنيف نتائجها ومن ثم يصار إلى وضع فرضيات معينة لتفسير تلك الظواهر وتصميم تجارب أخرى لاختبار تلك الفرضيات وتحويلها إلى نظريات.

القسم الأول: مراكز الأبحاث في إسرائيل واهتماماتها ودورها في صنع القرار

تتوزع اهتمامات مراكز الأبحاث الإسرائيلية على عدة مجالات. ورغم صعوبة تصنيفها، إلا أنه وبالرجوع إلى النبذة التعريفية المنشورة على المواقع الرسمية لتلك المراكز، ونتاجها البحثي، يمكننا استنتاج الجانب الأبرز لاهتمام كلّ مركز، وبالتالي يمكن توزيعها على تسعة مجالات متداخلة، وهي: الأمن، الأمن والسلام، التخطيط الإستراتيجي والسياسات العامة، القضايا الاجتماعية، الفكر، الاقتصاد، التعليم، التاريخ، تعزيز التعايش. ومن المهم التنويه إلى أن التعريف بهذه المراكز، ونشاطاتها واهتماماتها، يستند إلى النبذة التعريفية المنشورة على مواقعها الرسمية.(5) وعلى أهمية كل المراكز واهتماماتها، سنعنى بالشق الأمني والإستراتيجي من تلك المراكز البحثية، وهي:

أولاً: المراكز البحثية الأمنية

أ‌. معهد أبحاث الأمن القومي

تأسس المعهد عام 1977 ليكون مركزًا للأبحاث الإستراتيجية تابعًا لجامعة تل أبيب. تركزت أعماله في قضايا الأمن والدفاع عن إسرائيل. في عام 1983 تغير اسمه ليصبح مركز يافا للأبحاث الإستراتيجية، وبعد أن تطوَّر المركز أصبح اسمه في عام 2006 معهد أبحاث الأمن القومي، وتحوَّل إلى مؤسسة أكاديمية تابعة لجامعة تل أبيب، لكنه يتمتع باستقلال مادي عنها.

قام المعهد بتوسيع مجالات اهتمامه لتشمل: الرأي العامّ، والعلاقات المتبادلة بين المجتمع والجيش، والعلاقة بين المستويات العسكريّة والمدنيّة. يَصدر عن المعهد أوراق تقدير موقف، ومجلة “نظرة عليا”، بالإضافة إلى التقرير الإستراتيجي. (معهد أبحاث الأمن القومي، 2016).

ب‌. مركز دراسات الأمن القومي

تأسس المركز في جامعة حيفا عام 2000 لتعزيز البحث والمناقشة العامة فيما يتعلق بالأمن القومي الإسرائيلي، ويهتم بتطوير البحوث متعددة التخصصات وواسعة النطاق، والتي تشمل مجموعة كاملة من مكونات الأمن القومي، السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية، والمساهمة في تشكيل التصورات لدى صناع القرار والمسؤولين في النظام السياسي والعسكري، وذلك بهدف فهم النظام الداخلي والسياق الإقليمي والدولي.

ويسعى المركز إلى إضفاء الطابع المؤسسي على بناء علاقات مع مؤسسات الأمن القومي في العالم، كما يساهم عبر أبحاثه في تشكيل الخطاب العام المتعلق بأمن إسرائيل القومي، وفي تدريب المسؤولين وكبار الضباط في هذا المجال، بالإضافة إلى تدريب الأجيال القادمة من الباحثين.

ج. المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب

تأسس المعهد عام 1996، ويهدف إلى تيسير التعاون الدولي ضد “الإرهاب”، وهو عبارة عن مؤسسة بحثية مستقلة هدفها توفير خبراء في “مكافحة الإرهاب”، والأمن الداخلي وتقييم المخاطر، والتحليل الاستخباراتي والأمن القومي والسياسة الدفاعية.

ويُعتبر المعهد بمثابة منتدى مشترك لصانعي السياسات والباحثين الدوليين؛ لتبادل المعلومات والخبرات من خلال توزيع الأوراق البحثية والمنشورات الأكاديمية، حيث يتم تنظيم عدد من الندوات وورش العمل والمؤتمرات الدولية، من أجل تسهيل تبادل وجهات النظر والمعلومات والمقترحات.

يدير المعهد أكبر قاعدة بيانات على شبكة الإنترنت، تشمل الهجمات “الإرهابية” والمنظمات والناشطين “الإرهابيين”، بالإضافة إلى التقارير الإحصائية المتعلقة بهذا المجال. يتبع المعهد لمركز هرتسيليا متعدد المجالات، ويديره البروفيسور آريل ريتشمان (International Institute for Counter-Terrorism, 2016).

  1. مراكز أبحاث الأمن والسلام

أ‌. المركز الأكاديمي الإسرائيلي في القاهرة

تأسس المركز عام 1982 من قبل الأكاديمية الإسرائيلية الوطنية للعلوم، وذلك بمبادرة من مؤسسات التعليم العالي والجمعية الشرقية الإسرائيلية، وبعد التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل ومصر عام 1979. ويُموَّل المركز من لجنة بناء السلام، ويديره في مجالات اللغة والأدب وثقافة مصر الحديثة البروفيسور غابرييل روزنباوم، بينما يقوم راشيل غالون بتنسيق العلاقات في مجال العلوم الطبيعية.

المهمة الرئيسة للمركز الأكاديمي في القاهرة هي تعزيز العلاقات بين الجامعات والباحثين في مصر وإسرائيل، ومساعدة الباحثين من كلا البلدين في الوصول إلى المكتبات والمحفوظات، وتشجيع المشاريع البحثية المشتركة. أُغلق المركز في سبتمبر 2011 عقب مهاجمة السفارة الإسرائيلية من قبل مجموعة كبيرة من المتظاهرين، ويُتوقع أنّ يعاد فتح أبوابه بعد عودة السفير الإسرائيلي، وفتح السفارة في عام 2016.

ب‌. مركز بيغن – السادات للدراسات الإستراتيجية

أَسَّس المركز عام 1993 الدكتور توماس هشت، أحد قادة الجالية اليهودية في كندا، والذي أنشأ مركز أبحاث مستقل وغير حزبي، مرتبط بقسم العلوم السياسية في جامعة بار إيلان الإسرائيلية. سُمّي المركز على اسم مناحيم بيغن وأنور السادات بسبب جهودهما في إحلال السلام وتسوية الصراع العربي – الإسرائيلي.

يبحث المركز في قضايا الأمن والسلام، خاصة في المجالات المتصلة بالأمن القومي الإسرائيلي والسياسة الخارجية، ومختلف القضايا الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، ويأخذ بمنشوراته وتوصياته كبار صانعي القرار في المجال العسكري والمدني، والمؤسسات ذات الصلة في وزارة الدفاع ووزارة الشؤون الخارجية، وأعضاء السلك الدبلوماسي، والصحافة والأوساط الأكاديمية، وقادة الجاليات اليهودية في أنحاء العالم، والجمهور المتعلم.

ج. معهد مراقبة وسائل الإعلام الفلسطينية

تأسس المعهد عام 1996، ويرأسه إيتمار ماركوس، الذي شَغَل منصب مدير “مركز مراقبة تأثير السلام”، باعتباره عضوًا في لجنة منع التحريض الثلاثية، الإسرائيلية الفلسطينية الأمريكية، التي أُنشئت في أعقاب اتفاق واي ريفر. والغرض من هذا المعهد هو دراسة أيديولوجية السلطة الفلسطينية، والفجوة بين تصرفاتها وبياناتها على مستوى الإعلام العالمي، بشأن موقفها تجاه إسرائيل والصراع الإسرائيلي الفلسطيني وعملية السلام. لهذا السبب، يركز المعهد بصورة أقلّ على المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة، الذي تسيطر عليه حركة حماس، كونها لا تعترف بإسرائيل وعملية السلام.

وتُستخدم النتائج التي يتوصل إليها المعهد مصدرًا في تقارير “مؤشر السلام وثقافة التحريض في السلطة الفلسطينية”، التي أعدت بانتظام من قبل وزارة الشؤون الإستراتيجية منذ 2010.

د. المركز الإسرائيلي – الفلسطيني للأبحاث والمعلومات

تأسس المركز في القدس عام 1988 عقب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية عام 1987، وذلك بهدف بناء جسور التواصل والتعاون بين المجتمع المدني الإسرائيلي والفلسطيني، ويُعتبر المركز خزان التفكير الوحيد المشترك (إسرائيلي – فلسطيني) في العالم. ويهتم المركز بتطوير حلول عملية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني على أساس “دولتين لشعبين”، فهو يعترف بحق “الشعب اليهودي” والشعب الفلسطيني في تقرير المصير. مؤسس المركز ومديره هو غرشون باسكين، الذي يفخر بمشاركة المركز كقناة خلفية في مفاوضات مع حركة حماس، من أجل إطلاق سراح الجندي جلعاد شاليت، الذي كان أسيرًا لدى الحركة.

ينقسم المركز إلى قسمين: قسم البحوث والمعلومات، الذي يهدف إلى تطوير ومناصرة الحلول السياسية العملية لصناع القرار والمسؤولين، وذلك بشأن القضايا الخلافية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، مثل القدس والحدود والمستوطنات والأمن، وقسم “بناء السلام المستدام”، الذي يهدف إلى تطوير وتعزيز الدعم الشعبي من أجل السلام والتعاون بين الإسرائيليين والفلسطينيين، من خلال رأي عام مؤيد لحل سلمي عادل ومستدام (The Israel/ Palestine Center for Research and Information, 2016).

هـ. معهد هاري ترومان 

تأسس المعهد عام 1965 في الجامعة العبرية في القدس، بدعم شخصي من الرئيس الأمريكي هاري ترومان، وبهدف دفع عملية السلام، ويُعتبر المعهد الأول من نوعه في الشرق الأوسط. يُركّز المعهد على دول الشرق الأوسط، فضلاً عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، كما يهتم باحثوه بدراسة آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، عبر اتّباع منهجية تعدد التخصصات (التاريخي والثقافي والنفسي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي).

يهتم المعهد بتسليط الضوء على قيمة التسامح والحوار في تعزيز التعايش السلمي بين الشعوب والأمم، ويُخصص منحًا دراسية للباحثين المحليين والدوليين، لمراحل الماجستير والدكتوراة وما بعد الدكتوراة. ويَتْبع للمعهد مركز أبا إيبان للدبلوماسية الإسرائيلية، الذي تأسس عام 1992، والذي يشارك في نشاطاته سفراء ووزراء خارجية، بالإضافة إلى صانعي السياسات من مختلف أنحاء العالم (The Harry S.Truman Research Institute, 2012).

و. مركز تامي شتاينمتس لأبحاث السلام

تأسس المركز عام 1992، ويرأسه البروفيسور مردخاي تمركين، ويتبع لكلية العلوم الاجتماعية في جامعة تل أبيب. يتّبع المركز منهجية تعدد المجالات، من أجل تطوير الأبحاث والتفكير المنهجيّ في المواضيع المتعلّقة بعملية صنع السلام وفضّ النـزاعات، وخصوصًا الصراع العربي الإسرائيلي. ويشرف المركز على بنك معلومات حول أطر التعاون الإسرائيلي – الفلسطيني والإسرائيلي – العربي، ويعقد مؤتمرات وورشات عمل، بالإضافة إلى نشر أبحاث تتعلق بهذا الموضوع (مركز تامي شتاينميتس، 2016).

  1. مراكز أبحاث تهتم بوضع خطط إستراتيجية وسياسات عامة

وسنكتفي بذكرها من دون التوسع في مهامها، وهي: معهد السياسات والإستراتيجيات (مركز هرتسيليا وسوف نتوسع في دوره في صنع القرار الإستراتيجي)، معهد ميتفيم (المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية)، معهد يروشليم لدراسة السياسات، المركز اليروشيلمي، مركز أبحاث ومعلومات الكنيست، مركز دانيال أبراهام للحوار الإستراتيجي، معهد الإستراتيجيات الصهيونية، مركز شاشا للبحوث الإستراتيجية، معهد شموئيل نيمان، ومركز موشيه دايان.

  1. مراكز أبحاث تهتم بالدراسات التاريخية

معهد كوهين لدراسة تاريخ العلوم والأفكار وفلسفتها، معهد بن غوريون، مركز تراث الحاخام نسيم، مركز تراث تابينكين، مركز تراث يعاري، ومركز تراث إسحاق بن تسفي، مركز جبعات حبيبة، والمركز اليهودي العربي.

ثانياً: مجالات واستراتيجيات البحث العلمي في إسرائيل

تُعرّف وزارة العلوم والتكنولوجيا الإسرائيلية البحوث الإستراتيجية والتكنولوجية بأنها “البحوث التي يمكن إجراؤها أو القيام بها لتحقيق الاستثمار أو الاستغلال الأمثل للثروة الكامنة”. وتهدف إسرائيل من وراء هذه البحوث تحقيق هدفين رئيسيين: الأول، وضع مشروعات تكنولوجية موضع التنفيذ الفعلي وبحيث تتصف بالتقنية العالية، في جميع المجالات الصناعية بحيث تصبح إسرائيل طرفا أساسيا وفاعلا في سوق المنافسة العالمية. والثاني: تضييق الفجوة أو بناء جسر يربط بين البحوث الأساسية والبحوث التطبيقية.

وتُعتبر المراكز البحثية من الجهات المؤثرة في صناعة القرار في إسرائيل، فعدا عن دورها في وضع الخطط والسيناريوهات المستقبلية، واقتراح القوانين بهدف سنّها في الكنيست، فإنّ لها دور في تقييم أداء مؤسسات الدولة ككل، ومساعدة الحكومة ومختلف الهيئات العامة، في التعامل مع الفجوة القائمة في بنية النظام السياسي، والحاجة للتصدي للتحديات الإستراتيجية التي تواجهها الدولة، وذلك عبر التغلب على المعوقات التي تحول دون تحقيق الأهداف الإستراتيجية.(6)

ولا يقتصر دور مراكز الأبحاث على التوثيق وإجراء استطلاعات الرأي، بل يتعداه إلى التحليل واستشراف المستقبل، ومحاولة إيجاد الحلول العملية للمعضلات التي تواجه إسرائيل، وتقديمها لصناع القرار فيها. وتشمل مجالات البحوث الإستراتيجية العلمية والتكنولوجية: تكنولوجيا المعلومات والالكترونيات الدقيقة، تكنولوجيا صناعة الفضاء، وتكنولوجيا الصناعات العسكرية.

  1. في المجال العسكري

شهدت السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظاً في عدد مراكز البحوث السياسية والإستراتيجية العامة والخاصة في إسرائيل، لتفوق 30 مركزاً، جزء أساسي منها أفرد نشاطه البحثي لخدمة المؤسسة العسكرية من دراسات وتقديرات موقف إستراتيجية وعسكرية، لذلك كان معظم الباحثين الإستراتيجيين العاملين فيه من خريجي المؤسسة العسكرية، ومن ضباط الاحتياط.(7)

من أهم أهداف البحث العلمي والتطوير التكنولوجي في إسرائيل الحفاظ على الأمن القومي، لذلك أولت إسرائيل أهمية خاصة للصناعات العسكرية وعملت على تطويرها تكنولوجيا، حيث يوجد ما يقارب 150 شركة صناعية عسكرية إسرائيلية تملك الحكومة أهمها، ومن بينها شركة(IMI)  التي تصنع دبابة ميركافا، وشركة (IAI) التي كانت تشرف على صناعة الطائرات ثم تحولت إلى صناعة أنظمة الطائرات الالكترونية، وقد بلغت مبيعاتها 3.6 مليار دورلار أمريكي عام 2004، ويتم تسويق مبيعات السلاح المصنع في إسرائيل إلى 62 بلد.(8)

يعتبر عام 1967 هو بداية عسكرة الاقتصاد الإسرائيلي، حيث تحول المجتمع الإسرائيلي بفعل التصنيع الحربي من الاقتصاد الزراعي المبني علي صادرات الحمضيات إلي المجتمع علي درجة عالية من التصنيع، ولا شك أن التطور الذي حدث في الصناعات العسكرية كان هو القاطرة الرئيسية لباقي القطاعات، بحيث يمكن القول أن الجيش كان هو حاضنة الطفرة التكنولوجية وكما قال البروفسير جادى اريفا من جامعة تل أبيب “أنك إن أردت أن تفهم صناعات التقنية العالية في إسرائيل فعليك أن تبدأ من الجيش” ففي الجيش يدخل الشباب والشابات في سن الثامنة عشرة (موعد بدأ الخدمة الإلزامية بالجيش) ويتم إخضاعهم لتدريب مكثف علي علوم الكمبيوتر الأساسية ثم يعطونهم مسئوليات كبيرة في وظائفهم المختلفة في الجيش تفرض عليهم تحديات تجعلهم مضطرين للخلق والإبداع . ويكفي لتقدير دور الجيش في الانطلاقة العلمية معرفة ما تم إنشاؤه من مؤسسات، فهناك هيئة تطوير الوسائل القتالية المعروفة اختصاراً “رفائيل” ومركز البحوث العسكرية الذي أنشا لدراسة وتطوير التكنولوجيا الحربي.(9)

كما تم توجيه أكثر من 76% حسب الإحصائيات الرسمية المتاحة عام 1980 من إجمالي الإنفاق الحكومي المخصص للبحث العلمي إلي الأبحاث العسكرية وقد أدت كل هذه الجهود مع الدعم العلمي والمالي الخارجي الكبير وخاصة الأمريكي إلي أن أصبحت مبيعات السلاح المصنع في إسرائيل يتم تسويقها في 62 بلد وتطور القطاع العسكري الصناعي إلي الحد الذي أصبح هو القطاع القائد في الاقتصاد في الثمانينات وتقدمت إسرائيل حتى احتلت المرتبة الخامسة بعد عمالقة الدول المصدرة للسلاح في العالم ويتجاوز حجم المبيعات السنوية للصناعات العسكرية (حسب المعلن) 2 – 2.5 مليار دولار وهذا الرقم اقل بكثير من الرقم الحقيقي.

  1. في مجالات دعم العلم والتكنولوجيا

أ‌. اللجنة الوزارية للعلوم والتكنولوجيا: تأسست اللجنة الوزارية للعلوم والتكنولوجيا في ديسمبر عام 1974، وأصبحت في عام 1980 سلطة في مجال البحث والتطوير بهدف الارتقاء بمستوى العلم والتطور التكنولوجي في إسرائيل، وقامت اللجنة بتقديم سياسة خاصة لتقدم وتنمية البحوث العلمية المختلفة والعمل على التنسيق بين الأنشطة العلمية داخل الوزارات المختلفة،وكان لها دور في تعيين علماء متخصصين في الوزارات المختلفة وإقامة هيئة قومية للبحث والتطوير، وإنشاء صناديق مالية خاصة بالبحث العلمي، وفي عام 1982 تحولت اللجنة الوزارية للعلوم والتكنولوجيا إلى وزارة العلوم والتكنولوجيا.

ب‌. وزارة العلوم والتكنولوجيا والفضاء: تولى تأسيس هذه الوزارة العالم الفيزيائي”يوفال نيومان” الذي يعتبر القوة المحركة لعلوم الفضاء، وتهدف وزارة العلوم والتكنولوجيا للنهوض وتشجيع وتعزيز العلم إلى أعلى مستويات الإنجاز والإبداع في إسرائيل ووضع إسرائيل كقوة الكفاءة العلمية والتكنولوجية الرائدة، وتعتبر الوزارة البحوث العلمية والتكنولوجية أولوية وطنية، كما وتعمل هذه الوزارة على تطوير المال البشري وزيادة الحيوية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الإسرائيلي، والحفاظ على تكافؤ الفرص في جميع مجالات العلوم والتكنولوجيا. وكما تشكل همزة وصل بين البحوث الأساسية والبحوث التطبيقية والتنمية الصناعية، إضافة إلى ذلك تشجيع التعاون العلمي الدولي بين الدول والمنظمات الدولية.

  1. عامل الهجرة وأثره في دعم العلوم والتكنولوجيا

مثلت الدول الغربية والشرقية المتقدمة وفي طليعتها الولايات المتحدة معيناً لا ينضب استمدت منه الدولة العبرية كل أشكال الدعم العلمي والتكنولوجي، وفي ظل قانون الجنسية المزدوج أصبح كل عالم أو تقني يهودي موظفاً لخدمة المشروع الصهيوني يمده بأخر المنجزات التي دفعت الدول الأخرى ثمناً غالياً مقابل الحصول عليها، ثم إذا ما توافرت شروط هجرته الكاملة حمل خلاصة جهود زملائه العلماء وجهوده إلي الدولة الصهيونية هدية مجانية.

ونموذج يهود الاتحاد السوفياتي نموذج مثالي في هذا الصدد، وفي دراسة أكاديمية نشرت أن نسبة العلماء اليهود المهاجرين قد بلغت عام 1968 حوالي 33% من مجموع المهاجرين في هذه الفترة وأشارت دراسات أخرى أن نسبة 86% من العاملين في القطاع الطبي من المهاجرين الوافدين، وأن نسبة الكفاءات (الأوروبية) = 65% من أساتذة الجامعة العبرية وفي عام 1963 كان هناك 547 أستاذ في الجامعة العبرية منهم 34% فقط ولدوا في فلسطين، كذلك فإن موجة الهجرة من الاتحاد السوفياتي من نهاية الثمانينات حتى منتصف عام 2000  حوالي مليون مهاجر كانت هجرة نوعية تمثل قطاعات رفيعة التعليم متميزة الدراسة والكثير منها كان يعمل في قطاعات علمية وتكنولوجية شديدة التقدم والحساسية قبل انهيار منظومة الاتحاد تعبير المعجزة الجديدة أستخدم  لوصف تدفق العلماء والمهنيون اليهود من الاتحاد السوفيتي إلي إسرائيل  من قبل إحدى المجلات العلمية المتخصصة لما كان له من تأثير هائل على مسيرة البحث العلمي في إسرائيل.(10)

وقد أنشأت اسرائيل “الحاضنة التكنولوجية” وهي مؤسسة تهدف إلي تقديم الفرصة للمبتكرين من اجل تطوير وتحويل ابتكاراتهم إلى مشروعات جديدة وتسويق منتجاتها، وقد دخل هذا النظام وقد بدأ المشروع عام 1991 بعدد 350 مشروع مبتدئ حيث تمتلك الحاضنة 20% من رأس مال المشروع ويهدف المشروع إلي دعم القدرات الإبتكارية في مراحلها المبكرة ومساعدة المبتكرين في تطبيق أفكارهم.

إضافة إلى ما سبق، فان حكومة إسرائيل لا تسمح لأي باحث مهاجر إليها بالعمل في مجال البحث العلمي إلا إذا كان حاصلا على شهادة الدكتوراه، كما أنها أسست مدرسة علمية متخصصة تتم الدراسة فيها على أساس الانتقاء الدقيق من بين الطلبة ذوي الميول البحثية والتفوق العلمي، كما وعملت الحكومة على توفير مناخ صحي للبحث العلمي فلا يمكن تحقيق علم دون ديمقراطية ولا يمكن تحقيق الديمقراطية دون نهضة علمية، هذا الدور الحكومي المميز أسهم بشكل كبير في انتعاش البحث العلمي وازدهار وتقدم إسرائيل.

كما أن البحوث النووية والبيولوجية تابعة لرئيس الوزراء، بسبب وضعها الدقيق والخاص، ويكفي القول إن إسرائيل تخطّط في إطار الشرق أوسطية لإنشاء عشر جامعات (إسرائيلية) متخصصة في ميادين الإنتاج والتكنولوجيا، لتكون المسيطرة علمياً وتقنياً على المنطقة.

  1. دعم البحث العلمي في مجال التعليم العالي

لأن البحث العلمي أولوية قومية في إسرائيل، أحسنت الدولة في وضع خطط للسياسة التعليمية وخاصة التعليم العالي والبحث العلمي بما يمكنها من توفير لكل قطاع أو فرع حاجته من الموارد البشرية والمالية، وتجدر الإشارة هنا انه في عام 1973 كان لدى إسرائيل 2400 عالم وبعد عشر سنوات ارتفع العدد 4600 عالم، وفي عام 1990 كان لدى إسرائيل 25 ألف عالم، وفي أواخر التسعينات ارتفع عدد العلماء إلى 135 لكل 10 آلاف إسرائيلي.(11)

قامت الحكومة الإسرائيلية بتخصيص ميزانيات كبيرة للجامعات الإسرائيلية، من اجل تشجيع البحث العلمي، كما وتقدم منحاً مالية خاصة للأبحاث العلمية، لعلمها بالعوائد الضخمة التي ستجنيها من نتائج هذه الأبحاث، علماً أن مخصصات البحث العلمي في ازدياد، وقد تطورت هذه النسبة من 1.5% عام 1965 إلى 2.2% عام 1977 إلى 3% سنة 1984 إلي 3.7% عام 2000 لتصل إلي 4.8% عام 2002 وإذا علمنا أن الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل بلغ 110 مليار دولار فإن ما خص البحث العلمي منه بلغ حوالي 5.3 مليار دولار.

حذت إسرائيل حذو العالم الغربي بوضع البحث العلمي على رأس اهتماماتها. فحسب الجهاز المركزي للإحصاء في إسرائيل، فإنّ نسبة الإنفاق القومي على الأبحاث والتطوير والتنمية المعرفية والثقافية في عام 2015 وصلت إلى 4.3٪ من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يقارب من 50 مليار شيكل (ما يعادل حوالي 13 مليار دولار). كما وصل الإنفاق على الأبحاث للفرد الواحد عام 2015 إلى 1,537 دولار، والذي يُعتبر من بين أعلى المعدلات في منظمة التعاون والتنمية – OECD (12) الجهاز المركزي للإحصاء الإسرائيلي، 2016). وحسب الأكاديمية الإسرائيلية للعلوم، فإن 1% من الأوراق والمقالات البحثية المنشورة في العالم هي من إنتاج باحثين إسرائيليين، وأنّ إسرائيل تحتل المرتبة الرابعة على مستوى العالم في نسبة الأوراق البحثية المنشورة مقارنة بعدد السكان.(13)

ثالثاً: دور البحث العلمي في صناعة القرار الإسرائيلي

  1. أهمية المعلومات في صنع القرار

إن اتخاذ القرار السياسي هو ما تهدف له العملية السياسية، وتعرف عملية صنع القرار بأنها مزيج من القوة والنفوذ، ومن الرشد والعقلانية، في إطار قيم الجماعة، تتفاعل جميعا لصياغة القرار كحل توفيقي بين جميع الاعتبارات. فالقرار عملية سياسية تعبر عن توزيع القوة والموارد السلطوية، وتتضمن تمثيل المصالح، كما تهدف إلى تحقيق أفضل النتائج الممكنة من الموارد المتاحة.(14)

من المعلوم ان وجود الدولة واستقرار نظامها يرتبط ارتباطا وثيقا بالمعلومات، والمعلومات هي القاعدة الأساسية التي يعتمد عليها صانع القرار في اتخاذ الإجراءات والقرارات المناسبة، لذلك عملية جمع المعلومات من اعقد وأصعب العمليات التي يجب أن تتوفر لصانع القرار من جل أداء مهمته بنجاح، وتعود صعوبة ذلك، إلى ضخامة المعلومات وتنوعها، والى أن صانع القرار بحاجة إلى جميع أنواع المعلومات ومعرفة كل ما يدور حوله وهي كثيرة ومتنوعة.

برعت إسرائيل في جمع المعلومات التي يعتمد عليها صناع القرار، فاستقاء المعلومات يكون من مصادر رسمية وغير سمية، قانونية وغير قانونية، ومن اهم مصادر المعلومات التي يعتمد عليها: أجهزة الإعلام المختلفة، وأجهزة المخابرات والأمن حيث تمتلك إسرائيل جهاز مخابراتي متفوق يمتلك أفضل وسائل التكنولوجيا إضافة إلى اعتماده على العملاء والمتعاونين، إضافة إلى مراكز الأبحاث والدراسات، والمؤتمرات الدولية والإقليمية، وشبكات المعلومات ”الانترنت”، وسائل التقدم التكنولوجي كأقمار التجسس التابعة للحكومة الإسرائيلية، والمعلومات المزودة من قبل الحلفاء، كالولايات المتحدة الأمريكية.

  1. دور وأهمية مراكز الدراسات والأبحاث في أروقة صنع القرار

أصبحت مراكز الأبحاث ظاهرة واضحة ومهمة في حياة الدول والمجتمعات وغدا لها دور ومكانة جيدة في أروقة صنع القرار. وتنبع أهمية مراكز الدراسات والأبحاث، من اهتمامها بالدراسات السياسية والإستراتيجية حيث تسعى إلى تطويرها، كما أنها تحظى باهتمامات الدول والأنظمة والحركات السياسية والمفكرين، كونها مرت بتطورات وتغيرات كثيرة تبعا لتطور وتعقد العلاقات السياسية والإستراتيجية، وبسبب نشوب الحروب، أصبحت مصدرا للتوجيه والتوعية وبلورة الرأي العالم ووسيلة لتكريس شرعية صنع القرار في الدول المتطورة.

وفق دراسة نشرتها مؤسسة القدس للدراسات الإسرائيلية سنة 2004، فان هناك أكثر من 20 مركز دراسات في إسرائيل معترف بها على أنها خزانات تفكير حقيقية، وتلعب دورا مهما في المشهد السياسي الإسرائيلي، حيث تركز في أبحاثها على القضايا الإستراتيجية مثل الأمن القومي، وقضايا التسوية السياسية، والقضايا المتعلقة بالسكان العرب في الخط الأخضر إضافة إلى القضايا الاجتماعية والسكانية.

أ‌. دور مراكز الأبحاث الحكومية

يوجد في إسرائيل مراكز أبحاث لكل وزارة أو مؤسسة حكومية يديره متخصصون ومتميزون، هدفهم البحث والدراسة وتقديم التوصيات المختلفة والمتعلقة بكل وزارة حسب تخصصها، ويشار إلى أن دور هذه المراكز لم يتوقف على صناعة القرار السياسي بل تجاوزته إلى دراسات اهتمت في تفسير أو إعادة تفسير الأحداث التاريخية، وخاصة في الشؤون التي تخدم الأهداف البعيدة للدولة وتغليفها بالشرعية الدينية التوراتية والتلمودية لتبرير سياساتهم المختلفة، وتهيئة الظروف الملائمة لتحضير الرأي العام الإسرائيلي والغربي والدولي وحتى العربي، لأي سياسة او إجراء قد تقوم به إسرائيل، كما ان هذه المراكز تساهم في بلورة المفاهيم المختلفة حسب ما ترغبه الإستراتيجية الإسرائيلية، كمفاهيم العنف والإرهاب والاستيطان والأمن الإسرائيلي وغيرها.

ب‌. المؤسسة العسكرية والقرار السياسي

لا أجد مقدمة لهذا الموضوع الشائك أفضل من إهداء ورد في كتاب أصدرته وزارة الدفاع الإسرائيلية سنة 1979 بعنوان: “الحلم وتحقيقه… قيادة وعمل في الصهيونية”، لمؤلفه الجنرال رفائيل إيتان، رئيس هيئة أركان الجيش آنذاك، ورد فيه: “إلى قائد جيش الدفاع الإسرائيلي… الدولة… هي أنت، أنت تحدد مستواها، وطابعها في الحاضر ولأجيال قادمة.”(15)

فالأمن قضية مركزية عند دولة إسرائيل، وهو من أهم العوامل التي تؤثر على صناعة القرار السياسي في الأمور الإستراتيجية، وكل القرارات المصيرية التي تصدر، تأخذ بعين اعتبارها الأمن القومي الإسرائيلي. لذلك اهتمت المؤسسة العسكرية منذ نشأتها بإنشاء هيئات داخل الجيش تساعدها في قراءة الواقع وصنع القرارات، فممثلو المؤسسة العسكرية عندما يحضروا اجتماعات صنع القرار، يكون في حوزتهم معطيات وتحليلات ومعلومات ومقترحات وبدائل ناجمة عن عمل هيئات مختصة ومتمكنة، مما يجعل لرأيهم تأثير على القرار المتوقع صدوره من المؤسسة السياسية.

ومما يدل على تأثير المؤسسة العسكرية على صنع القرار ما قاله شلومو جازيت، المدير الأسبق للاستخبارات العسكرية، والمنسق الأسبق للأنشطة في الضفة والقطاع، وعضو مؤسسة دراسات الأمن القومي “إن المؤسسة العسكرية لديها أدوات للتخطيط السياسي، والتقييم السياسي، والتفكير المتماسك، وتقديم العروض بشكل منهجي، في حين انه ليس هناك إلية بديلة، أو عامل يمكن أن يشكل خيارا أخر مبنيا على الدرجة نفسها من التحليل والتقييم الممنهجين”. لذلك في كل مرة يطرح فيها قضية امن قومي، يتساءل المرء فوراً، ما الذي تقترحه قيادة الأركان، وماذا تقول الاستخبارات العسكرية؟

ج. “أمان” أقوى وأهم مؤسسة في قراءة الواقع وتقديم المقترحات

تعزز مجموعة من العوامل مكانة المؤسسة العسكرية، ممثلة برئيس هيئة الأركان العامة للجيش في عملية صنع قرار الحرب، أو في اتخاذ قرار القيام بعملية عسكرية كبيرة قد تقود إلى حرب. وأهم هذه العوامل على الإطلاق هو احتكار المؤسسة العسكرية في إسرائيل، منذ إنشائها وحتى اليوم، قراءة الواقع وتفسيره وتقديم مقترحات القرارات ومشاريعها إلى الحكومة أو إلى الكابينت السياسي الأمني. ورئيس جهاز الاستخبارات العسكرية هو المسؤول عن توجيه إنذار للحكومة الإسرائيلية أو للكابينت عن إمكانية نشوب حرب ضد إسرائيل. وقسم الأبحاث في جهاز الاستخبارات العسكرية (أمان)، التابع للجيش الإسرائيلي، هو أهم مؤسسة في الجيش، وفي إسرائيل قاطبة بلا منازع، في قراءة الواقع وتفسيره.(16)

ومن الصعب للغاية أن تنافس أي مؤسسة أخرى هذا الجهاز وقسم الأبحاث التابع له؛ فهو يتفوق عليها جميعًا تفوقًا واضحًا للغاية؛ من حيث الميزانية، وعدد الباحثين فيه ونوعيتهم، والمعلومات الاستخبارية التي في حيازته، وشمولية المواضيع التي يعالجها، والمناطق الكثيرة التي يتابعها. وكان يعمل في مركز الأبحاث التابع لأمان 600 شخص في عام 2003، منهم 200 باحث متفرغ، بينهم 120 باحثًا متخصصًا في مجالات البحث العسكري والاستخبارات العسكرية، و80 باحثًا منهم متفرغون للبحث في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية، أمّا الباقون فيعملون في جمع المعلومات وتوثيقها وفي مجالات أخرى مرتبطة بالبحث.(17)

د. أسباب تأثير المؤسسة العسكرية على القرار السياسي

امتلاك المؤسسة العسكرية سيطرة تامة على المعلومات الاستخباراتية التي يحتاجها الجسم السياسي، كما أن الجيش الإسرائيلي هو المؤسسة الوحيدة القادرة على توفير المعلومات والتحليلات، وتقديم المشورة لرئيس الوزراء والحكومة.

دائرة التخطيط والسياسة التابعة للمؤسسة العسكرية، وهذا يجعلها تحتكر التخطيط الاستراتيجي، فهي لا تكتفي بالتخطيط العسكري فحسب بل انها تسهم في التخطيط السياسي، وخدماتها مقدمة لرئيس الوزراء ووزير الدفاع والحكومة، وهذا يؤدي إلى التأثير المباشر على عملية صنع القرار.

قسم الأبحاث في جهاز المخابرات – أمان ليس أهم مؤسسة في الجيش الإسرائيلي فحسب، بل في إسرائيل كلها، فهو المؤسسة التي لا تزال تحتكر قراءة الواقع وتفسيره في إسرائيل، كما انه يحتكر المعلومات المتعلقة بالأمن القومي حيث كان يعمل في “قسم الأبحاث” التابع لجهاز المخابرات العسكرية 600 شخص في العام 2003، منهم 200 باحث متفرغ، بينهم 120 باحثاً متخصصاً في مجالات البحث العسكري والمخابرات العسكرية، و80 باحثاً منهم تفرغوا للبحث في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية، أما الباقون فيعملون في جمع المعلومات وتوثيقها وفي مجالات أخرى ترتبط بالبحث.

علاقة المؤسسة العسكرية بالإعلام، تسمح لها بان تؤثر على القرار السياسي، فالمؤسسة العسكرية تحتكر بشكل كبير عملية تزويد الإعلام بالمعلومات، وبالتالي فهي تمتلك النفوذ على المؤسسات الإعلامية.(18)

ومثال على تأثير المؤسسة العسكرية على القرار السياسي، هو ما جرى في أواخر الثمانينات، حيث كان الجيش الإسرائيلي هو الذي قرر انه من مصلحة إسرائيل إن تدخل في عملية سلمية، وقد أشرك رابين المؤسسة العسكرية ليس فقط بصفتها منفذا للعملية السلمية، ولكن بصفتها صانعة سياسات وشريك مفاوض.

هـ. مؤتمر هرتسيليا والقرار السياسي

مركز هرتسيليا هو مؤسسة أكاديمية خاصة غير ربحية، وهي مؤسسة للنخبة فقط، لا تتلقى تمويلا من الميزانية القومية، لأن في ذلك ضمان لحريتها الأكاديمية والإدارية. تهدف هذه المؤسسة إلى إعداد قيادات إسرائيلية مستقبلية، وذلك من خلال توفير أعلى درجات الدعم للقادة في المجالات المختلفة، كمجال الإعمال، والتكنولوجيا والسياسة، وعلوم الفضاء. ويحتوي هذا المركز على سبع كليات ينتسب إليها ثلاثة آلاف طالب، ومن الكليات الموجودة بها كلية لودر للحكم والدبلوماسية والإستراتيجية، التي تعد المتخرجين لتولي المناصب العليا في القطاعين العام والخاص، كما ويضم المركز المؤسسة الدولية لمواجهة الإرهاب، وهي مركز دراسات مستقل، توفر باحثين متخصصين في الإرهاب ومحاربته، والأمن القومي المحلي، وتقدير المخاطر وغيرها من المجالات المختلفة.

ويضم المركز مؤسسة السياسة والإستراتيجية التي تنظم مؤتمر هرتسيليا السنوي المتخصص في موازنة قوة وامن إسرائيل القوميين، وهي جزء من كلية لودر، تم تأسيسها عام 2000، حيث تهدف إلى دعم صياغة السياسة القومية في قضايا مهمة في الدولة مثل الأمن القومي، والسياسة الخارجية، والمؤسسة العسكرية، والإستراتيجية، والبنية التحتيه، والعديد من القضايا التي تهم دولة إسرائيل.

كما أن مؤتمر هرتسيليا يعرف بـ “ميزان المناعة والأمن القومي”، ويشرف عليه المركز المتعدد المجالات، حيث يستقطب اهتمام داخلي وخارجي، إقليمي ودولي لما يطرح من موضوعات إستراتيجية مهمة، ويشارك فيه رئيس الوزراء وكبار الوزراء وق”ادة المؤسسة الأمنية والعسكرية وآخرين من الخارج، ويطلق عليه “العقل الجماعي الاستراتيجي المدبر لدولة إسرائيل.(19)

ومن أهم القضايا التي ناقشها خلال السنوات الماضية: مراجعة الحسابات وأداء الحكم. صعود الإسلام السياسي في المنطقة. إنتاج الغاز واستقلال إسرائيل في مجال الطاقة. احتواء طموحات إيران النووية. تحديد أولويات التنمية البشرية. الدور الاستراتيجي للولايات المتحدة وأوروبا وحلف شمال الأطلسي. إسرائيل والسوق العالمية. وخيراً، أين يتجه المجتمع الإسرائيلي.

وقد أصبح مؤتمر هرتسيليا حدثا مهما في السياسة الإسرائيلية، حيث تتبنى الحكومات الإسرائيلية كثيراً من القرارات الصادرة عن المؤتمر، فهو يرسم تصورات حول ما ينبغي لإسرائيل أن تقوم به لمواجهة التحديات المختلفة التي يمكن أن تواجهها.

*عميد متقاعد، وعضو اللجنة العلمية لمجلة الدراسات الأمنية، وباحث في مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري – “إينغما“.

المراجع:

(1) أشرف صوافطة، المركز الديمقراطي العربي، 13 يناير/كانون الثاني 2016، على الرابط:

 https://democraticac.de/?p=25826

(2) جوري زليخا. (2007). تقرير لجنة فحص منظومة التعليم العالي في إسرائيل. تأليف دوح هافعده لبحينات معرخت هاسكلاه هاجبواه بيسرائيل (تقرير لجنة فحص منظومة التعليم العالي في إسرائيل) (الصفحات 101-102). القدس: تقرير حكومي.

(3) Science the Endless Frontier. (1945, July 1). Science the Endless Frontier.

\https://www.nsf.gov/od/lpa/nsf50/vbush1945.htm

(4) محمد أديب السلاوي، موقع “أخبارنا، 25/8/2018، على الرابط :

https://www.akhbarona.com/mobile/mobile/writers/250651.html

(5) أشرف بدر،  مركز رؤية للتنمية السياسية،11/3/2016، على الرابط:

http://www.vision-pd.org/AR/Articles/Article8

(6) أشرف بدر، “مراكز الأبحاث الإسرائيلية ودورها في صناعة القرار”، 113/2016، موقع رؤية الإلكتروني، على الرابط:

http://www.vision-pd.org/AR/Articles/Article8

(7) على الرابط التالي:

https://bit.ly/2KXuyjl

(8) بلال اللقيس، الأمن القومي الإسرائيلي بعد العام 2006، موقع جملون، على الرابط:

https://jamalon.com/ar/3093991.html

(9) م. عبد المعطي زكي، إستراتيجية البحث العلمى فى إسرائيل 2 ـ 3 موقع الوفد الالكتروني، بتاريخ 19/11/2011. على الرابط:

https://bit.ly/30muD6B

(10) المرجع السابق.

(11) المرجع السابق نفسه.

(12) الجهاز المركزي للإحصاء الإسرائيلي. 31/8/2016، على الرابط:

http://www.cbs.gov.il/www/hodaot2016n/12_16_270b.doc

(13) جوري زليخا. مرجع سبق ذكره. نقلاً عن “القدس: تقرير حكومي”، صفحة: 107.

(14) شرف صوافطة، مرجع سبق ذكره.

(15) محمود محارب، سياسة إسرائيل النووية وعملية صنع قرارات الأمن القومي فيها – نقلاً عن “عوفر شيلح” الصحفي المتخصص في الشؤون العسكرية، ووثيق الصلة بصناع القرار من المستويين السياسي والعسكري في إسرائيل (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص: 83 – 86.

(16) محمود محارب، ص: 83 – 86.

(17) المرجع السابق

(18) المرجع السابق نفسه.

(19) عدنان ابوعامر،مؤتمر هرتسيليا يرسم خارطة القلق الاسرائيلية، المعرفة: مقالات راي (تحليلات)، الجزيرة نت:

https://bit.ly/2Hfeloz

المصدر:  Future Concepts

مصدر الصور: فلسطين اون لاين – المركز الفسطيني للإعلام – العربي الجديد – middle-east-online.



شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •