السفير د. عبدالله الأشعل*

عندما بدأ المشروع الصهيوني بالإنتقال من مرحلة الكمون الثقافي إلى مرحلة الإعلان والتجربة، في نهاية القرن التاسع عشر، كان العالم العربي واقعاً تحت إحتلالين، إحتلال تبعية عثمانية وإحتلال غربي، أي بريطانيا وفرنسا. والغريب أن الدولة العثمانية لم تكن قوية وحازمة للدفاع عن الأقطار العربية ضد الغرب لأنها باتت ضعيفة، وأصبح الغرب ينظر إليها على أنها “وليمة” أوروبا، أو كما عبرت كتب التاريخ خطأ بأنها “رجل أوروبا المريض” على الرغم من أنها لم تكن دولة أوروبية في يوم من الأيام وإنما كانت لها ممتلكات في البلقان. لذلك، عمل الغرب على تحجيمها لإعتبارات دينية.

بعدها، إختارت الدولة العثمانية أن تدخل الحرب العالمية الأولى، إلى جانب ألمانيا والإمبراطورية النمساوية – المجرية، فتدخلت الولايات المتحدة لدعم معسكر دول الحلفاء، كما فعلت تماماً في الحرب العالمية الثانية، فكان سقوط الدولة العثمانية إيذاناً بـ “إلتهام” الدول الغربية للعالم العربي بدليل أن إتفاق “سايكس – بيكو”، في 19 مايو/أيار العام 1916، كان مبنياً على اختفاء الدولة العثمانية، الذي يعد نقطة أساسية من أجل تحرر المشروع الصهيوني وانطلاقه. فكان البعد الديني ظاهراً في سياسات الدول الغربية رغم تنكر بعض التيارات السياسية والتاريخية في العالم العربي الموالية للغرب لذلك.

لقد ازدهر المشروع الصهيوني، بعد سقوط الدولة العثمانية، مبكراً والغريب أن العرب بسذاجتهم استجابوا لدعوة بريطانيا بالإنضمام إليها للقتال ضد الدولة العثمانية، فيما أسمتها كتب التاريخ المزورة أنها “ثورة الشريف حسين” ضد تركيا أو ما سمى بـ “الثورة العربية الكبرى” وكانت تلك خديعة مزدوجة، للعرب وللشريف حسين، ظهرت فيما بعد. بعدها، جاءت المحطة الهامة التالية وهي تعهد بريطانيا بتنفيذ المشروع الصهيوني من خلال خطاب اللورد آرثر بلفور، وزير الخارجية البريطاني، وهو المعروف في كتب التاريخ العربى بـ “وعد بلفور”، وهو ليس وعداً وإنما تعهداً من طرف واحد.

لكن الإعلان كان مخادعاً لأنه وخلال الإحتفال بمرور مائة عام على إعلان بلفور أعربت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، تيريزا ماي، عن اعتزازها بدور بريطانيا العظمى في المشروع الصهيوني، الذي تسلل إلى المنطقة العربية بمساندة بريطانيا ومن خلال اشاعة التدليس والغفلة بين العرب، وليس أدل على ذلك من أن الإعلان تضمن تعهد بريطانيا بإقامة وطن قومي لليهود. ومعنى الوطن القومي أكثر بكثير من مجرد استيعاب اليهود مع الفلسطينيين على أرض فلسطين، لأن المشروع الصهيوني بني أساساً على فكرة مركزية وهي أن اليهود تفرقوا بين شعوب الأرض، وأن عدم التعايش مع هذه الشعوب راجع إلى تميزهم وعبقريتهم مقابل غباء بقية الشعوب ووحشيتها، وأن الحل الأمثل هو تجميع اليهود في كيان واحد بعيداً عن الأغيار وهذا هو لب قانون الكنيست، الذي صدر في العام 2017، حول الدولة القومية اليهودية الخالصة التي لا تقبل بين ظهرانيها أقليات غير يهودية.

أعقب الإعلان تأكيد الدور البريطاني بإنشاء نظام الإنتداب، وصارت لندن مسؤولة عن رعاية المشروع ونموه حتى يقف على قدميه من خلال قرار التقسيم، ثم بإنشاء دولة إسرائيل، ثم بقهر القوات العربية غير المتجانسة والتثبيت الصهيوني فى فلسطين وعضوية الأمم المتحدة. ففي نفس الوقت الذي كانت الأمم المتحدة التي رعت قيام إسرائيل وتتلطف مع ضحاياها، أصدرت قرار عودة اللاجئين مما يدل على اختراق المشروع الصهيوني للدوائر العالمية السياسية وعدم جدية الأمم المتحدة بإعتبار أنها تنظيم يخضع للنظام الدولي الذي يشكل سياسات هذا التنظيم.

لقد صار واضحاً للمراقبين بأن قرارات الأمم المتحدة باتت تقرأ على سياقين؛ السياق الأول، أنها كانت الغطاء الملطف لتمدد المشروع الصهيوني. السياق الثاني، أنها قسَّمت المسألة بين العرب واليهود، فالعرب لهم القرارات واليهود لهم الأرض. لذلك، عبَّرت إسرائيل دائماً عن عدائها للأمم المتحدة، وليس هذا التعبير دقيقاً وإنما جزء من “المسرحية” التي إنطلت على العرب، إلا أن تلك القرارات لا تزال تشكل عقبة قانونية في طريق تنفيذ “صفقة القرن”. لذلك، أعلن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس – أبو مازن في كلمته أمام الجامعة العربية، بأن الموافقة الفلسطينية على إلغاء هذه القرارات هو من معايير حسن السير والسلوك حتى تكتمل بنود “صفقة القرن”، التي اعتبرها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، “إنتصارا للسلام” وللفلسطينيين، في وقت إستغرب مستشاره رفض أبو مازن، بينما هي في الحقيقة هدم للقانون والواقع، وتغيير في خرائط المنطقة، وإنشاء “شرق أوسط جديد” بلا فلسطين، وهي خطة إسرائيلية كاملة قدمها الرئيس ترامب هدية لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بحيث يكون توقيت الإعلان عنها، رغم أنها تنفذ بهدوء منذ أربع سنوات على الأقل، دعماً للأخير ومخرجاً للرئيس ترامب من محنته مع الكونغرس الأمريكي الذي كان يلوِّح بعزله.

أما المؤشر العربي، فقد تراجع أمام ظهور وبروز وانتصارات المشروع الصهيوني، الذي بدأ أولى انتصاراته بإنشاء إسرائيل رغماً عن العرب واستجابة للتوافق السوفيتي – الأمريكي، ثم وجه المشروع ضغوطه إلى الدولة القائد، أي مصر، التى كانت صخرة تحبس مقومات الحياة عن هذا المشروع الذي ولد ولادة بيولوجية، في العام 1948، ولكنه تطلع إلى مقومات الحياة بعد هزيمتها عسكرياً، في العام 1967، ثم هزيمتها سياسياً، في العام 1979، فكان هذا هو التراجع الإستراتيجي الأول نتيجة الهزائم العربية والمصرية.

جاء التراجع الثاني في العام 1981 في العاصمة المغربية – الرباط عندما عبرت القمة العربية عن رغبة العرب في السلام مع إسرائيل بشروط، وهي تعلم أن لكل من العرب وإسرائيل مفهوم خاص بالسلام. ثم كانت المحطة الثالثة عندما إستُدرج العراق لقتال إيران، في حرب إستمرت ثماني سنوات، حيث كانت بغداد من الفريق القومي المؤيد لفلسطين كما كانت “إيران الثورة” تراهن على فلسطين لكي تدخل منه على خط الصراع العربي – الإسرائيلي، ما أدى إلى إستنزاف البلدين، ليأتي بعدها إستدراج العراق لغزو الكويت وما ترتب عليه من دمار للقضية الفلسطينية بسبب انحياز الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسرعرفات، للرئيس العراقي الراحل، صدام حسين

بعدها، جاء “مؤتمر مدريد” للسلام، العام 1991، بداية النهاية للقضية الفلسطينية بحيث لم تعكس نتائجه الإنتفاضة الفلسطينية الأولى العام 1987 بل ترتب عليه “مؤتمر واشنطن”، الذي فتح باباً جانبياً في أوسلو التي تعتبر من أكبر محطات المشروع الصهيوني والتراجع العربي، ثم أعقب ذلك غزو العراق وتقسيمه. وخلال الفترة اللاحقة، تهاوت الحقوق الفلسطينية حتى في الخطاب العربي خصوصاً منذ العام 1979 وخروج مصر تماماً من مجمل القوى العربية، بل واصبحت معبراً لتسهيل تمدد المشروع الصهيوني، مما أدى إلى اختفاء عبارات الشجب والإستنكار وحل محلها قرارات ادانة المقاومة ووصمها بالإرهاب.

لقد كانت قمة الدول الإسلامية المنقعدة في الرياض، التي حضورها الرئيس ترامب، ايذاناً بالتضحية بمدينة القدس، فصار الصراع العربي – الإسرائيلي مجرد نزاع إسرائيلي – فلسطيني، وصارت المديمة عاصمة أبدية ودائمة لإسرائيل، وتخلت السلطة عن حق العودة، وتراجعت كل الوعود التي تضمنتها “إتفاقية أوسلو” لصالح سياسة الأمر الواقع الإسرائيلية مروراً بالجدار العازل واستخفافاً بقرار محكمة العدل الدولية واستغلالاً لمنصة الأمم المتحدة لإحلال قرار أن الصهيونية حركة عنصرية بقرار أنها “حركة قومية”، وتواتر التراجع العربي، وإرتفعت شعارات ونداءات التطبيع مع إسرائيل، ناهيك عن إقتطاع الرئيس الأمريكي لكل من القدس والجولان وإعتبارها جزءاً من إسرائيل، إضافة إلى نقله السفارة الأمريكية إلى القدس والذي يعد تحدياً لكل قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي.

أيضاً وقبيل الإعلان عن “صفقة القرن”، أعلنت واشنطن أن المستوطنات التي أقيمت هي مشروعة، وأنها جزء من إسرائيل، وحجبت مساعدتها لوكالة “الأنروا”، وتسارعت الأحداث لتكشف أن الصفقة، التي تم ترديدها في واشنطن العام 2016، تنفذ بهدوء على الأرض حتى جاء الإعلان عنها كخاتمة لإكتمال المشاورات بشأنها.

وهكذا، بعد قرن كامل ونيف ظهر إرتفاع وإزدهار المؤشر الصهيوني وثبات مسيرته، بينما تراجع الموقف الفلسطيني، ومعه العربي، جراء الضغوط الأمريكية الواضحة؛ فلولا واشنطن، لما تقدم المشروع بهذه السرعة، خاصة بعد قمع ثورات الشعوب العربية في العام 2011.

والسؤال الآن: بعد هذا التشخيص، كيف نستطيع أن نحيي المؤشر العربي ونقهر المؤشر الصهيوني الذي تحصَّن في المنطقة بسبب الدكتاتورية العربية؟! هذا هو التحدي الذي يجب أن تبحث فيه النخب العربية الحريصة على بقايا العروبة في وجه الإكتساح الصهيوني للمنطقة.

*سفير سابق ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق

مصدر الصور: وكالة قاسيون للأخبار – العربي الجديد.

موضوع ذا صلةخرافة السلام في “صفقة القرن”