حافظ خالد*

إستراتيجية الصراع

بعد ثورات “الربيع العربي”، تغيرت المعادلة الإقليمية والدولية عندما أصبحت الشعوب تقرر ماذا تريد وترسم سياستها الإعلامية ومطالبها بكل حرية عبر وسائل الإعلام المختلفة، فكانت تعبر بدون تردد على القيم والمبادئ الإنسانية وتريد بناء دولة القانون والمؤسسات بدون تدخلات خارجية.

وفي حالتنا الليبية وبعد صراع مرير بين الدول الإقليمية التي دعمت “الربيع العربي” ولم تجد الخيارات المناسبة لها لتفرض نفوذها وسيطرتها، اتجهت للإنقلاب على رأى الشعب وسخرت اعلامها لإسقاط مشروع بناء الدولة وزرعت الشقاق داخل الأطراف المتنافسة. ولكن بعد طول صراع وتحشيد لقوى الظلام الداخلية والخارجية ومحاولة المشروع الإنقلابي الذي اختزل في إسم المشير خليفة حفتر بعد وصوله أسوار طرابلس، هنا تدخلت قوى المشروع لإغراق تركيا، على غرار روسيا في سوريا، وبعد ما كانت السيطرة وشيكة على طرابلس بمساعدة قوات “فاغنر” تم إعطاء الضوء الأخضر لتركيا ظناً منهم بأنها ستهزم، وأيضاً توجيه صفعة سياسية وعسكرية ويتم تحطيمها أمام مؤيديها.

هنا، إستطاعت الدولة التركية، بمساعدة الدبلوماسية القطرية وسياستها الخارجية مع روسيا، قلب الطاولة وافشال مشروع إغراقها في رمال الصحراء الليبية، وانتصرت جزئياً في الغرب الليبي ونقلت المعركة بمساعدة قوى الثوار إلى المنطقة الشرقية

وفي تلك الإثناء، كانت الصدمة تعلو تصريحات داعمي المشروع، وذاك التخبط جعل الأوراق تتساقط. ومع تسارع الأحداث، بدأت تتصاعد رؤية إعلان الهزيمة بطريقة عكسية خبيثة عبر تصريحات الكندوب الأممي، غسان سلامة، والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وإلقائهم اللوم على الدول الإقليمية بأنها سبب الأزمة وذلك لخلق نشوة الإنتصار لدى الدولة التركية وحكومة الوفاق الوطني بعد رسم الخط الأحمر في سرت، ما يجعل الأخيرة تصعد من الموقف وتبدأ بالهجوم على سرت. ولكن بعد امتصاصهم لصدمة الهزيمة، تبين أن تلك النقطة الفاصلة التي كانوا يحضرون لها طوال المدة الماضية عبر التحشيد لقوات “فاغنر” وارسال المعدات والطائرات، وأيضاً تحشيد الرأي العام الداخلي والخارجي بطلبهم للحوار.

جاء ذلك ضمن سياسة تبادل الأدوار وإدخال الجزائر وتونس وتظاهرهم بالهجوم على فرنسا وروسيا إعلامياً بأنهم سبب الأزمة ومحاولتهم الضغط للسيطرة على حقول النفط والغاز في الجنوب وإعطاء الضوء الأخضر لتركيا بالسيطرة على الجفرة وسرت وعدم التقدم لما بعدها، وأيضاً محاولتهم التضيق بالخطوط الحمراء التي فرضتها مصر بتعليمات أمريكية لتصعيد وتيرة الصراع وتوريط الحليف التركي، وكل تلك الإتهامات موجه للإدارة الأميركية واللولبيات الضاغطة لإرباك المشهد لصالح قوى المشروع.

مؤخراً، شهدنا الهجوم الجوي على قاعدة الوطية اثناء وجود وزير الدفاع التركي، خلوصي آكار، في زيارة لمدينة مصراته، حيث نقرأ من هذا التصعيد بأنه لا يمكن التحرك بإتجاه سرت والجفرة بدون توافق دولي وتقديم ضمانات للدول الداعمة للمشروع بعدم التهور والتأثير على داخلياً على مصر.

يمكننا تلخيص الصراع الحالي بأن قوة التحالف الحالية، أي ليبيا بقواتها على الأرض وتركيا سياسياً وعسكريا وقطر دبلوماسياً واعلامياً بالإضافة للمملكة البريطانية كداعم وحليف سياسي، ومن الجانب الآخر أمريكا وتبدلها للدور ورعايتها لـ “فاغنر”، بمساعدة الروس، وبالإضافة إلى فرنسا الضعيفة عسكرياً وسياسياً بعد الفضائح الأخيرة وتحكم الإمارات بقرارها، ولكنها ما زالت تقوم بتجنيد تونس والجزائر ومصر إعلامياً واستخباراتياً وبالإضافة للإمارات والسعودية مالياً وعسكرياً وأخيراً الأردن لوجستياً وعسكرياً.

هذه الاستراتيجية المختصرة للصراع تفتح الآفاق على باب تبديل نقطة الهجوم من سرت إلى الجنوب الليبي والسيطرة على الحقول النفطية لفرض لغة حوار جديدة وضرب قواتهم هناك سيربكهم.

الإنتصار الإعلامي

لاحظنا مؤخراً تزايد وتيرة التصريحات الإعلامية من الأطراف المحسوبة على المشروع الإنقلابي لحصد انتصار اعلامي بكل الطرق المتاحة لديهم سواء بالطعن في شرف المنطقة الغربية أو بالتحليل السياسي والعسكري بالإضافة لتقديم المبادرات، وآخرها اعلان القاهرة، وتصديره للإعلام بلغة المنتصر، ومع تصعيد وتيرة تصريحات الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، الإعلامية التي توحي للمشاهد العربي والليبي أنهم منتصرون وتعزز مفهوم الإنسحاب التكتيكي وتغيب الرأي العام ككل.

ومع كل الفضائح، ما زالت التصريحات الفرنسية توحي بأنهم في تخبط داخلي، سياسياً، ولكن تحركاتهم العسكرية تشهد لهم بالعكس حيث أن الأخيرة ما زالت تعزز في موقفها العسكري على الحدود التونسية والجزائرية وما تعديل الدستور الجزائري الا رسالة سياسية لمحاولتهم التدخل العسكري في حالة تأرجح الكفة لصالح تحالف الوفاق.

أما التصريحات الإعلامية فتعتبر سلاح ذو حدين، في المجال السياسي، ويمكن لتحالف الوفاق الإستفادة منها وتعزيز موقف قواته سياسياً على ارض الواقع.

كل تلك التصريحات تصب لصالح المشروع الإنقلابي تارة لتحشيد قوات المنطقة الشرقية، وتارة لدعم النشوة التركية واستفزازها لإرتكاب حماقة في سرعة التدخل في سرت والجفرة بدون تعزيز الدفاعات الجوية والسياسية؛ لذلك، إن فتح الموجهات المسلحة على أرض مفتوحة ستتسبب بخسائر كبيرة لكلي الطرفين.

وفي قراءة أخرى للمشهد الإعلامي للمشروع الإنقلابي عبر تصريحات الروسية، نلاحظ جهودها السياسية لدعم التوافق وحصد مكتسبات على الصعيد السياسي لأن، وحسب الأحداث الحالية، المستفيد والداعم لقوات “فاغنر” على الأرض هو اللوبي الأمريكي – الإسرائيلي، فقد استخدمتها الأخيرة في سوريا والعديد من الدول الأفريقية لبسط نفوذها.

ومن هذا المنطلق، يمكننا إعتبار بأن تدخل “فاغنر” ليس الا ضغطاً على الإعلام الأمريكي والأوروبي لتغير مواقفهم، وحصد مكاسب من تحالف الوفاق الذي لم يتنازل بعد. وفي حالة بدء الموجهات، فالرهان على قوات “فاغنر” ضعيف جداً لأنها لن تستطيع الصمود كثيراً بحكم التكاليف والميزانيات. لهذا، يمكننا تحيدها عبر إعلان التفاوض معها وقلب الطاولة ودفع الميزانية الكاملة لتلك القوات.

وهنا يمكننا القول بأن هناك صراع إعلامي للتخلص من مفهوم الشركات الأمنية الخاصة وكسر شوكتها على غرار “بلاك ووتر” الأمريكية، علما بأن تلك الشركات أصبحت تسيطر على الحكومات ولم تقدم أية مكاسب للدول الداعمة لها.

لذلك، تجد بأن التحشيد الإعلامي لتلك القوات على أنها استجلبت العديد والعديد من المعدات والأدوات القتالية لبسط نفوذها في سرت والجفرة ما هي إلا سياسة تضخيم اعلامي لإنقاذ الحليف الروسي بالنسبة للأمريكيين حيث يعتبر الصراع الإعلامي، الذي تم تصديره منذ الحرب الباردة، بأن لديهم القوة العظمي المسيطرة على العالم، بالإضافة لترسانة الأسلحة التي يرهبوا بها الشعوب والتي ما هي الا “فزاعة” بعد غرق منظومة البانسير الروسية في الكثبان الرملية علي يد البيرقدار التركية.

بذلك، تجد الإعلام الأمريكي يساعد الحليف الأول في إخضاع الشعوب من السقوط في الوحل وتصبح كل تلك القوة محض هراء وينتفض العالم وتتغير موازين القوى.

لعبة التخدير

على مر التاريخ وبعد الحرب العالمية الثانية كانت المعلومة والسيطرة الفكرية محتكرة في نمط فكري معين وتمتلكها قوة التحالف وأصبحت تستخدمها للسيطرة والتحكم في الشعوب وتخديرها عبر الصحافة والإعلام المسموع ثم الإعلام المرئي.

وبعد ثورات “الربيع العربي” وبالأخص بعد نهاية الـ 100 عام من السيطرة الفكرية الموحدة والخطاب النمطي وتطور التكنولوجيا، كل ذلك ساهم في الإنتفاضة الفكرية للشعوب العربية بعد ما كانت تسمى بـ “الرعاع”، واستطاعت الشعوب عبر التكنولوجيا تأليب الرأي العام الخارجي والداخلي لصالحها ضد حكم الوكلاء، ولم يستطيعوا السيطرة على موجة الإعلام المصاحب لذلك التمرد.

وبسبب تلك الأحداث المتسارعة، لزم عليهم تحيد الواقع الإفتراضي الذي أصبح حقيقة مطلقة وبدأ يؤثر في أراء الشعوب العربية والعالمية. وهنا، يمكننا القول بأن التكنولوجيا أخرجت المعلومة من تحت أيديهم ولم تعد حكراً لدول الخمسة، لذلك انطلقوا في عملية ابتكار وسائل بديلة للسيطرة على المعلومة وتخدير الشعوب عبرها.

ومن هذا المنطلق، نقرأ تزيف الأخبار والمعلومات التي يستخدمها المشروع الإنقلابي وما هي إلا لتخدير الشعب وصناعة قائد وهمي وإختزال المشروع بإسمه وهذه كارثة كبرى في حالة اسقاط القائد لن يسقط المشروع وسيستمر.

أيضاً، نقرأ التلاعب بالمصطلحات من دعم سياسي لحكومة الوفاق إلى مصطلح دمج القوات المساندة، “الثوار”، وتوجيه الفساد الإقتصادي إلى المؤسسات وليس الأفراد وكلها تقع تحت لعبة التخدير، وما تصريحات الرئيس ماكرون والمندوب غسان سلامة الأخيرة الا دليلاً على هذه “اللعبة القدرة”، إذ نجدهم تارة يدعمون التوجه السياسي للوفاق وتارة اخرى يهاجمون التحالف التركي. وبعد خسارتهم الساحقة لإنتخابات البلدية، استفاقوا من هول الصدمة والصفعة القوية التي تلقوها، فإتجهوا نحو تخدير تلك الشعوب بتسليم رفات المحاربين الجزائريين لذويهم تودداً منهم لمساندتهم في خياراتهم وتدخلاتهم السياسية والعسكرية داخل الأرضي الليبية بعد ما واجهت رفض داخلي قوى من قوة الثورة الجزائرية.

السيطرة عبر الإرهاب

الشركات الأمنية وخطرها القادم، ولا سيما تواجدها في الجنوب الليبي، يندر بتفاقم الأزمة واللعب على تجنيد قوات في صفوف المخابرات التي تستدم قوتها من نشاط الإرهاب في المنطقة لفرض نفوذها سياسياً وعسكرياً.

لذلك يتم إستخدام الإرهاب في فرض نفوذ المشروع الإنقلابي، وتشتيت قوة تحالف الوفاق، وفتح الباب للإعلام الموازي للسيطرة على العامة بتلك الشماعة، كما حدث في فترة حكم “داعش” لسرت. في تلك الفترة، سيطرت المخابرات الفرنسية على المشهد وبدأت تتحكم بالمشروع بمساعدة قوة محلية لفرض نفوذها وتعزيز قدراتها بحجة مكافحة الإرهاب المصطنع؛ وبعد تحرك قوات “الثوار” لدحر الإرهاب، ما كان من المخابرات الفرنسية الا التدخل لسحب عملائها خوفاً من سقوطهم في يد “الثوار” وفضح المخطط المستخدم لفرض ذلك المشروع.

كان المخطط نمطياً بسيطاً يعتمد على تجنيد العديد من ضعاف النفوس من النظام السابق، واستخدام عناصر من تونس والسودان والجزائر في تلك القوات، وفتح باب الصراع للتخلص من بعض القيادات او جلهم في تلك الحرب. ولكن بسبب بسالة وقوى القوات المساندة “الثوار”، تمكنوا من دحرهم والقضاء عليهم ما جعل من القيادة الأمريكية تتدخل لحصد انتصار إعلامي لها في مكافحة ذلك الإرهاب المصطنع وتبادل الدور مع الفرنسيين بعد خاسرتهم للمنطقة.

ولهذا وبعد الإنتصارات التي حققها تحالف الوفاق، نرى أنهم بدأوا بالتصعيد عبر التصريحات الإعلامية بأنهم متخوفون من تجدد الإرهاب في المنطقة. تلك التصريحات لم نسمعها منذ حرب “داعش” الأخيرة في سرت، ولعلها رسالة لقوات تحالف الوفاق انهم يسعون لتجديده في الجنوب الليبي بحجة محاربة قوات “فاغنر” على غرار الحرب الأفغانية والشواهد كثيرة من خلال تصريحات رئيسي الجزائر وتونس، الوكلاء الحصريون لفرنسا في المنطقة.

من هذا المنطلق، ما زلنا نؤكد على أن السيطرة يجب أن تكون في العمق الجنوبي لكسر شوكة المشروع، بداية من غدامس على حدود الجزائر نهاية إلى حدود الجفرة،. فتلك المنطقة، ستجعل منهم يعيدون حساباتهم في الخطوط الحمراء التي رسموها وسيُخرج “الأفاعي” من جحورها المؤيدة والمعارضة.

فقدان البوصلة

إن التحركات السياسة الداخلية لا يمكن وصفها الا بفقدان البوصلة بسبب بعدها كل البُعد من تحركات الدبلوماسية القطرية والسياسة العسكرية التركية، بل أصبحت في حالة تأرجح بين اللعبيين الدوليين المتبادلين للأدوار، روسيا وأمريكا، بعد الإنتصار غير المعترف به إعلامياً.

تلك البوصلة، فقدت منذ ان تم اختزال المشروع في شخصية المشير حفتر. لذلك، تجد أن السياسة الداخلية تترنح بين الأطراف الدولية لعلها تحصد رضاها وتتحصل على مغانم، ويتم تحطيم وتقديم القوة المساندة “الثوار” على طبق من ذهب لإرضاء النعرة الغربية المتحكمة في المشهد السياسي.

إن السماح لتلك الأطراف الدولية بالعودة والمشاركة والتدخل في العملية السياسية الداخلية بعد غض الطرف عن المشروع الإنقلابي، ما هو الا خلط للأوراق، والدبلوماسية السياسية المتبعة في التعامل لن تغير رأى تلك الأطراف في المشهد الداخلي فهم لا يسعون إلى بناء دولة بل إن مطلبهم ينحصر في بقعة جغرافية يتحكمون بها، ولهذا نجدهم يتسارعون للتدخل وارسال وفودهم إلى الميدان لعقد اجتماعات متتالية للعودة بالمشهد إلى الوراء من أجل تقاسم تلك الجغرافيا مع الحلفاء التركي القطري البريطاني.

ولقطع الطريق عنهم، يجب العمل على تجديد التيارات السياسية ودعمها بقوات عسكرية نظامية لفرض نفوذها داخل أروقة الحكومة، والعمل علي تحيد التيارات والمبادرات التي تساهم في عرقلة التحرك العسكري وبالتوازي تعزيز موقف الأحزاب لكي يتم التعامل مع الداعمين للمشروع الإنقلابي بندية وبدون تخوف.

إعلان الهزيمة

خلال الحروب المختلفة التي مر بها العالم من الحروب العالمية إلى الحرب الباردة، تغير مفهوم الحروب من المواجهة العسكرية إلى الحرب التكتيكية، وخلالها مر العالم بحروب صغرى كفيتنام إلى حرب أفغانستان التي اسقطت الإتحاد السوفيتي. ومع تغير المفاهيم الإعلامية للحروب، تصدر الإعلام مصطلح “حروب الجيل الرابع”، المعروفة بحرب الوكالة. ومن خلاله اتجاه العالم بقيادة التحالف الدولي إلى لعبة تبادل الأدوار والتي ساهمت في صعود نجم القوى المسمى بـ “دائمة العضوية، أصبحت تتحكم عبر الشركات الداعمة لها لتحريك الحروب والإقتصاد، وتتقاسم في سلطتها ونفوذها عبر المفهوم الجديد، تبادل الأدوار.

وكان إبرز محاورها اعلان الهزيمة المعنوية، سواء سياسياً وعسكرياً التي تسببت في انهيار صفوف القوات التي تناهض فكرهم على غرار أفغانستان والعراق، فقد هزمت القوات السوفياتية في سقوط كابل، وقوات الرئيس الراحل صدام حسين في سقوط بغداد بتركيز المحتوي الإعلامي عليهما داخلياً وعالمياً.

لذلك، نجد أن تلك السياسة متبعة حالياً لكن بطريقة عكسية؛ فبعد هزيمة المشروع الإنقلابي في الغرب الليبي وسيطرة قوى تحالف الوفاق على المحاور وهزيمة قوة “فاغنر” المدعومة دوليا، اتجهوا لتبسيط معنى الهزيمة إعلامياً وتم تسميتها بالإنسحاب التكتيكي كي لا تكون وابالاً عليهم في المنطقة الشرقية، كما إستخدموا وسخروا أيضاً الإعلام لقلب الهزيمة انتصاراً، كما استخدموها في حرب الخليج واحتلال الكويت، وتضافرت الجهود الإعلامية الدولية والعالمية لإنقاذ الحليف الأول واللعب الرئيسي في سياسة تبادل الأدوار روسيا بعد فضيحة البانسير التي كانت لعبة أطفال امام البيرقدار التركية وتحطمت أوهام المكينة الروسية والأمريكية في صحراء ليبيا.

من هذا المنطلق، يجب التركيز إعلامياً وسياسياً على دعم اعلان الهزيمة وخلخلت صفوف المشروع الإنقلابي بنشر أخبار مخابراتية بحبكة درامية لإسقاط المشروع في منطقة الشرق الأوسط، والدفع إلى إعلان هزيمتهم لأن السقوط المعنوي سيساهم في السقوط العسكري وإنتهاء حربهم.

إستقرار الدولة

هناك طرف ثالث يسعي للعب بكل الأوراق السياسية والعسكرية ويقوِّض جهود الإستقرار الإجتماعي والسياسي للدولة ويعتبر هذا الطرف الأخطر، وهؤلاء هم رؤوس الأموال، الدولة العميقة، في الداخل والخارج، إذ أنهم يخططون للإطاحة بكل منافسيهم وتجفيف المنابع المالية التي ساهمت في تصدر المنافسين ما بعد “ثورة فبراير”، على حسب زعمهم، وهم أيضاً يحاولون جاهدين لإحتكار القطاعين الخاص والعام عبر إفشال كل المحاولات لإحيائه، وما زالوا يحاولون بأقصى قوتهم لدعم عدم إستقرار الدولة عبر خلق الأزمات وارتفاع الأسعار بحجة الإعتمادات.

هذا الطرف هو من أخطر الأطراف التي تسعي لإحتكار المعلومة لغرض تسهيل عملية السيطرة الإقتصادية، بالإضافة إلى محاولاتهم توجيه الرأي العام الداخلي والخارجي بأن مشكلة الدولة هي في المليشيات المسيطرة عليها. أما في الخفاء، فهم أكبر الداعمين لتلك المليشيات، والميليشية التي لا تنصاع لأوامرهم تعتبر خارجة عن القانون ويتم اقصاءها. لهذا، يرتبط ملفا المعلومة والإقتصاد ارتباطاً وثيقاً وهما المتحكمين في المشهد. أما اللاعبون الرئيسيين، فهم رجال أعمال ما قبل الثورة، سواء كانوا داعمين لـ “ثورة فبراير” أو معارضين لها، إذ يبقى الإرتباط بينهم ساري المفعول للسيطرة على أغلب تلك القطاعات.

ولكي يتحقق الإستقرار السياسي الإقتصادي والأمني، يجب أن يسبقه استقرار اجتماعي في تحديد رؤوس الأموال المحمية بنظام المناطق أو النظام القبلي، والتي تسعي للتضيق على المواطن وتدفع لخلخلة الوضع الإجتماعي الداخلي حيث توجه رسائل للاعبين الدوليين بأنهم لديهم القدرة على تحقيق استقرار المواطن عبر احتكار وخصخصة القطاعات.

وتعتبر خصخصة القطاعات العامة “سلاح ذو حدين”، إذ أن الإستثمارات الداخلية والخارجية تحتكرها الدولة وأصحاب رؤوس الأموال للمحافظة على مصالحهم وصناعة سياسيين ليكونوا في خدمتهم. ولتنفيذ برنامج الخصخصة، يجب أن يكون هناك دستور وقانونين تحكمها لكيلا تُحتكر من قِبل رجال أعمال ما قبل “ثورة فبراير”، حيث اثبتوا فشلهم في إدارة الأزمة الليبية ولم يقدموا شيئاً للمواطن الليبي البسيط غير الإستغلال والتحكم في موارد الدولة ومحاربة بنائها عبر خلق الفوضى والأزمات المالية داخلياً وخارجياً.

ولكي نحقق الإستقرار، السياسي يجب دعم الشباب للإرتقاء بمستواهم الفكري ليصبحوا كوادراً تعمل على تحريك عجلة البناء، علما بأن الدولة الليبية على مر ثمانين عاماً لم تملك تلك الكوادر التي لديها خبرة في الأنظمة الإجتماعية والسياسية والإقتصادي والأمنية الا من خلال أفراد قليلة يتحكمون بالمشهد الليبي الحالي.

ولإعادة الإستقرار الإجتماعي الذي سيساهم في دعم الإستقرار السياسي والإقتصادي والأمني، يجب المحافظة على توازن القوى وعدم خلخلة نظام الأمن الاجتماعي بدعم أطراف على حساب أطراف أخرى بحجة الجريمة والفساد، بل يمكننا وضع حد لأولئك المجرمين المتسترين خلف قوة السلاح بدون تفكيك القوة بأكملها، لأن توازن القوى في المرحلة الحالية مطلوب للمحافظة على عدم سقوط الدولة والإنقلاب عليها، من الداخل كما حدث وما زال يحدث، بالإضافة إلى دعم شخصيات جديدة تساهم في فرض توازن عسكري في حالة حدوث اختراق من المخابرات الخارجية.

خلاصة القول، للنهوض بالدولة يجب دعم استقرارها بالآتي:

– وضع دستور عادل وقوانين تحكم الدولة.

– صناعة اعلام واعلاميين يوكبون المرحلة المتغيرة.

– استبدال “الخردة” السياسية الموجودة في الساحة الليبية.

– تحرير الدولة من سيطرة القوى العميقة.

– تحسين دخل الفرد وتحريره اقتصادياً ودعم المشاريع المتوسطة والصغرى.

– تحقيق العدالة الإجتماعية ورفع الظلم وانشاء ديوان رد المظالم.

– رعاية تأسيس جهاز الأمن القومي ووضع خبرات تساهم في النهوض به.

– تدريب الكوادر العاملة داخل الإدارة العامة للدولة.

– التركيز على التنمية البشرية وخصوصاً الشباب لتوعيتهم فكرياً وسياسياً.

– المحافظة على مراكز القوى التي ساهمت في دحر المشروع الإنقلابي الي تأسيس الدولة.

*كاتب ليبي.

مصدر الصور: الميادين – الجزيرة – ميدل إيست أونلاين.

موضوع ذا صلة: مأزق سرت: الدور التركي في ليبيا ومواقف المعارضين