شارك الخبر

إعداد: مركز سيتا

أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، رسمياً إنسحابها من إتفاقية “الأجواء المفتوحة”، التي يعود تاريخها إلى العام 1992 وتسمح بوجود طائرات مراقبة غير مسلحة للإستكشاف في أجواء الدول الأعضاء فيها.

وفي بيان لها، قالت وزارة الخارجية إن “الولايات المتحدة مارست حقها بموجب الفقرة الثانية من المادة 15 من إتفاقية الأجواء المفتوحة، ووجهت إشعاراً بقرارها الإنسحاب من الإتفاقية، إلى الجهات المودعة الإتفاقية لديها وكافة الدول الأخرى المشاركة فيها، في 22 مايو/أيار الماضي (2020)، على أن يدخل هذا الإنسحاب حيز التنفيذ بعد 6 أشهر من تاريخ الإشعار.”

ما هي “الأجواء المفتوحة”؟

تسمح إتفاقية “الأجواء المفتوحة”، التي مر عليها 18 عاماً بين روسيا والولايات المتحدة و32 دولة أخرى معظمها منضوية في حلف الأطلسي، لجيش أي بلد عضو فيها بتنفيذ عدد محدد من الرحلات الإستطلاعية فوق بلد عضو آخر بعد وقت قصير من إبلاغه بالأمر، ويمكن للطائرة مسح الأراضي تحتها، وجمع المعلومات والصور للمنشآت والأنشطة العسكرية.

وتكمن الفكرة في أنه كلما عرف الجيشان المتنافسان معلومات أكثر عن بعضهما البعض، قل إحتمال الصراع بينهما، لكن الجانبين يستخدمان الرحلات الجوية لفحص نقاط ضعف الخصم.

وحتى العام 2019، تم إجراء أكثر من 1500 طلعة جوية بأمان بموجب أحكام تلك الإتفاقية. أما وبعد أن أدارت واشنطن ظهرها لها، يمكن تصور أن الأمور لباقي الدول الأعضاء ستكون أقل فاعلية في التخفيف من مخاطر سوء التقدير الإستراتيجي لإنسحاب واشنطن منها، وترويض المواجهة الجيو – سياسية. ورغم أن التأثيرات المنبثقة عن عملية الإنسحاب تلك لن تكون حينية في كل الأحوال، إلا أن مجرد إتخاذها يعد إرباكاً للعمل الجماعي ضمن القوى الكبرى، التي تسعى بكل الطرق إلى تجنب أية مواجهة عسكرية مباشرة قد تجعل العالم يدخل في حرب عالمية ثالثة.

أداة ترهيب

في اليوم التالي لإعلان الرئيس ترامب إنسحابه من الإتفاقية، تلقت موسكو إخطاراً من واشنطن حول الإنسحاب، وعلل الرئيس ترامب قراره بخرق روسيا لبنودها قائلاً: “لذا، حتى يتمسكوا، سنخرج. ولكن هناك فرصة جيدة للغاية لأن نتمكن من التوصل إلى إتفاق جديد أو القيام بشيء معا للعودة إلى هذا الإتفاق”.

بدورها قالت وكالة “أسوشيتد برس”، في إشارة منها إلى ممثلي الإدارة الأمريكية، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي، إن “الإجراءات المتبعة من قبل روسيا تسببت في إستياء الجانب الأمريكي، ومنها الحد من الرحلات الجوية فوق موسكو والشيشان وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وكذلك تشديد القواعد الخاصة برحلات المراقبة فوق كالينينغراد.”

إلى ذلك، رأى وزير الخارجية، مايك بومبيو، أن موسكو حولت الإتفاقية إلى أداة ترهيب وتهديد، بينما هي نفسها إنتهكتها بشكل صارخ ومستمر لعدة سنوات، مضيفاً أن الإنسحاب منها جعل الولايات المتحدة أكثر أمناً لأن موسكو لم تلتزم بتعهداتها فيها.

أيضاً، إتهم وزير الدفاع السابق، مارك إسبر، روسيا بإنتهاك بنود الإتفاقية من خلال حظر الرحلات الجوية الأميركية وغيرها من الرحلات الخارجية، وقال “مُنعنا أيضاً من حق حرية الوصول إلى المناورات العسكرية في الجو”، مضيفاً “لدي الكثير من المخاوف بشأن الإتفاقية بصيغتها الحالية، هذا مهم للعديد من حلفائنا في حلف شمال الأطلسي لأن لديهم الوسائل لإجراء عمليات التحليق.”

من جهتها، قالت صحيفة “نيويورك تايمز” إن الرئيس ترامب كان “غير راضٍ” بشأن رحلة روسية فوق منتجعه للغولف في بيدمينستر، نيو جيرسي، قبل ثلاث سنوات، مضيفة إن خطوة الإنسحاب قد تشكل تمهيداً لإنسحاب واشنطن من معاهدة “ستارت الجديدة”، التي تحد عدد الصواريخ النووية التي يمكن لكل من الولايات المتحدة وروسيا نشرها.

ضمانات وتأكيدات

في المقابل، نفت روسيا مزاعم الولايات المتحدة بإرتكاب مخالفات وسلوك عدائي، حيث ردت المتحدثة بإسم وزارة الخارجية، ماريا زاخاروفا، على هذه الإتهامات بالقول “على سبيل المثال، ذكرنا أنه منذ العام 2017، شددت الولايات المتحدة نهجها بشأن تنفيذ هذه الإتفاقية فيما يتعلق بروسيا، ومنذ يناير/كانون الثاني 2018، بدأت عدة إجراءات تقييدية في العمل ضد بلدنا”، مضيفة أن واشنطن “غيرت الإجراءات الخاصة للقيام برحلات المراقبة فوق جزر هاواي، مما حد من مدى الرحلات الجوية من قاعدة هيكام الجوية، ورفضت توفير إقامة ليلية في البر الرئيسي للبلاد.”

وبحسب نائب وزير الخارجية، ألكسندر جروشكو، فإن إنسحاب واشنطن سيضر بنظام الأمن العسكري في أوروبا “الذي هو ضعيف بالفعل”، كما سيضر بمصالح حلفاء واشنطن. أما فلاديمير يرماكوف، مدير إدارة منع الإنتشار وتحديد الأسلحة بوزارة الخارجية الروسية، فيرى أن واشنطن لا تضع نفسها كشريك موثوق به، وأن موسكو لديها خطة لمزيد من الإجراءات.

وفي مقابل هذه الخطوة، طالبت الخارجية الروسية بضمانات مؤكدة من الدول التي لا تزال طرفاً في الإتفاقية بأنها “ستفي بإلتزاماتها”، مؤكدة أن “جميع الخيارات مفتوحة” لروسيا في ضوء الإنسحاب الرسمي للولايات المتحدة. وفي بيان لها، قالت “سنسعى للحصول على ضمانات مؤكدة بأن الدول المتبقية في معاهدة الأجواء المفتوحة ستنفذ إلتزاماتها، لضمان إمكانية مراقبة أراضيهم بالكامل، وضمان عدم نقل مواد رحلات المراقبة إلى دول أخرى ليست أعضاء في الإتفاقية”، مضيفة “إتخذت واشنطن تحركها، لم يستفد منه الأمن الأوروبي ولا أمن الولايات المتحدة وحلفائها”، وتابعت “الآن، يتساءل الكثير في الغرب عن رد فعل روسيا. الجواب بسيط جداً. لقد أكدنا مراراً أن جميع الخيارات مفتوحة لنا. إننا نرصد بدقة ونحلل كيف تتوافق أقوال الأطراف الأخرى في الإتفاقية مع أعمالها، وبناء على المصالح الأمنية لروسيا وحلفائنا، سنتخذ القرارات المناسبة.”

ماذا عن بايدن؟

يتفق الحزبان الرئيسيان في الولايات المتحدة على أن العدوين الأوليان لبلدهما هما روسيا والصين، فهما لا يترددان في وصفهما بأنهما أهم منافسي واشنطن وحلفائها وأكبر مهدد للسلم العالمي، حيث سبق وأن حددت إدارة ترامب، في إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة لعام 2017، حلاً من موسكو وبكين بأنهما منافسين أيديولوجيين “يصممان على جعل العالم أقل حرية وأقل عدالة مع تطوير جيوشهما، فضلاً عن السيطرة على المعلومات والبيانات لقمع مجتمعاتهما وتوسيع نفوذهم.”

وبحسب موقع “ديفينس نيوز” الأمريكي، أنه نظراً إلى أن الأمر قد يستغرق شهوراً حتى تنسحب القوات الجوية الأميركية عبر الإجراءات القانونية والبيروقراطية اللازمة لإخراج طائرات بوينغ أو.سي – 135 بي، التي تعمل إنطلاقاً من قاعدة أوفت الجوية لتنفيذ مهماتها وفق الإتفاقية، يبدو أن إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن لديها الكثير لعكس المسار، ودون موافقة لمجلس الشيوخ الأمريكي، إذ من الممكن أن يقوم بايدن بصياغة إتفاقية تنفيذية تتطلب موافقة الأغلبية البسيطة في الإدارة الأمريكية؛ بالتالي، يجب أن تكون أطراف الإتفاقية في المجلس، كما سيحتاج الكونغرس كذلك إلى الموافقة على الأموال لإستمرار مشاركة بلاده.

إلى ذلك، إنتقد الديمقراطيون الرئيس ترامب بسبب نمط أوسع للتخلي عن إتفاقيات الحد من التسلح، بينما يشكك البعض في شرعية هذا الإنسحاب مستشهدين بالصيغة الواردة في قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2020، الذي أعاد تأكيد دعم الكونغرس للإتفاقية وفرض على الإدارة تبرير الإنسحاب قبل أربعة أشهر من إمكانية حدوث أي إخطار رسمي بالإنسحاب.

أخيراً، يبدو أن الرئيس ترامب لن يغادر البيت الأبيض بسلاسة، فهو يحتفظ بسلطاته خلال الفترة الإنتقالية، أو ما يسمى “البطة العرجاء”، ولن يتردد في إستخدامها لتعزيز مصالحه والإضرار بخليفته، وستكون هذه الفترة، على ما يبدو، مثيرة للجدل حتى آخر لحظة. وفي السياسة الخارجية، لا يُلزم الرئيس ترامب نفسه بالتحفظ الذي يبديه عادة الرؤساء المغادرين، ضارباً الإتفاقيات عرض الحائط، ومعلناً الإنسحاب من إتفاقية الأجواء المفتوحة.

إلى أي مدى سيذهب دونالد ترامب في تكتيكه الذي يهدف بوضوح إلى إيذاء خصومه أو منتقديه قدر الإمكان؟! على ما يبدو، تشير الأحداث، خلال فترة ولايته، إلى أن الرئيس الأمريكي إعتمد على سياسة توسيع الفراغ لا ملئه، بحيث أن إنسحاباته المتتالية من الإتفاقيات، التي إبرمتها واشنطن سابقاً، لم تستطع أن تنجز غيرها لتحل محلها، بل أنه إعتبر بأن “الإبتزاز” هو الطريقة الفُضلى من أجل الضغط على الدول وجعلها “تذعن” وتوقع معه إتفاقيات لا تفيد إلا الولايات المتحدة، وهذا لم يحصل في الكثير من الأوقات، حيث أن الواقع يظهر بأن الفراغ الذي أحدثته إدارة الرئيس ترامب إستغلته الصين، وغيرها من الدول، وأبرز مثال على إتفاق “الشراكة الإقتصادية الإقليمية الشاملة” الذي أبرمته بكين مع دول شرق وجنوب شرق آسيا.

مصدر الأخبار: سيتا + وكالات.

مصدر الصور: ميدل إيست أونلاين – النهار.

موضوع ذا صلة: تداعيات إنسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الأسلحة النووية


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •