شارك الخبر

أثار إنهاء أذربيجان وتركمانستان الخلاف بشأن الحقل النفطي الحدودي المتنازع عليه بينهما في بحر قزوين، برعاية تركية، الحديث عن دور أنقرة الملوس في إرساء دعائم السلام في تلك المنطقة، وهو ما اتضح خلال السنوات القليلة الماضية التي نجح فيها الأتراك في تخفيف حدة التوتر وإعادة التوازن للعديد من الملفات.

وكان البلدان قد وقعا اتفاقاً على تشغيل الحقل بشكل مشترك وتسميته بـ “حقل الصداقة ” خلال حفل عبر تقنية الفيديو شارك فيه الرئيسان إلهام علييف وقربان قولي بردي محمدوف، بجانب وزيري خارجية البلدين، وذلك بعد سنوات من الأزمة الدبلوماسية التي شهدتها العلاقات بينهما في ظل ادعاء كل بلد أحقيته بالحقل وعدم معرفة كيفية تشغيله في ظل الأزمة.

يقع الحقل المعروف في تركمانستان بـ “سردار” وفي أذربيجان بـ “كَبَز” على بعد 140 كلم من البلدين، ويصل عمقه إلى 250 متر قاع البحر، فيما تشير التقديرات إلى احتوائه على 100 مليار متر مكعب من احتياطي الغاز الطبيعي على عمق يقارب 4 آلاف متر، وهو ما جعل كل طرف يتشبث بموقفه حيال التمسك به طيلة السنوات الماضية.

إنهاء الخصومة في هذا الملف بعد جهود دبلوماسية حثيثة من العديد من الجهات على رأسها تركيا، صعّد منسوب الأمل لدى بعض المقربين بشأن الآمال المعقودة على هذه الخطوة التي من المرجح أن تعزز التعاون المشترك بين الدول الثلاثة، وتضعهما على خريطة الطاقة العالمية.

تحالف ثلاثي

عقد وزراء خارجية الدول الثلاثة اجتماعاً موسعاً بالعاصمة أنقرة، أسفر عن بيان مشترك أكدوا خلاله على وجود رؤية لخلق سلام شامل واستقرار، ودعم مسار التنمية والازدهار بين البلدان الثلاثة، بجانب تعزيز إمكانات وفرص التعاون متعدد الأطراف، مع تأكيد أهمية منتديات التعاون بينهم في المنظمات التي يتضامنون في عضويتها مثل الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة – يونسكو ومنظمة التعاون الاقتصادي ومنظمة الثقافة التركية الدولية – تركسوي ومنتدى “قلب آسيا – عملية إسطنبول”.

يعد هذا الاجتماع هو الخامس من نوعه الذي يستهدف دعم أواصر الصداقة والتعاون بين الدول الثلاثة، الأول عقد في 26 من مايو/أيار 2014 بباكو، والثاني في 29 من يناير/كانون الثاني 2015 في عشق آباد، أما الثالث فعقد في 28 من أغسطس/آب 2015 بأنطاليا، فيما كان الاجتماع الأخير بينهم قبل اجتماع أنقرة في 19 من يوليو/تموز 2017 بباكو.

وزير الخارجية الأذربيجاني جيهون بيراموف، في تعليقه على إنهاء الخلاف مع تركمانستان، قال إن حقل الصداقة للنفط والغاز سيسهم في تعزيز أمن الطاقة لتركيا وبقية دول أوروبا، معرباً خلال مؤتمر صحفي له مع نظيريه التركي والتركمانستاني عن تقديره للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ودور بلاده في الوصول إلى هذا الاتفاق.

يذكر أن النفط الذي تستخرجه الشركات التركمانستانية من بحر قزوين يُنقل مباشرة إلى الأسواق العالمية من خلال ميناء جيهان التركي، فيما تشارك الشركات التركية في مشاريع الطاقة بتركمانستان منذ أكثر من 30 عاماً، ويرجح أن يعزز الحقل الجديد آفاق التعاون أكثر خلال المرحلة المقبلة.

بيراموف أكد على الدور الكبير الذي قدمته أنقرة من خلال دعمها لبلاده الذي منحها القوة ورفع من معنوياتها في مواجهة أرمينيا، الأمر الذي أعطى التوازن إلى معادلة الصراع بين البلدين الذي كانت كفته تميل لصالح الأرمن لسنوات طويلة، بفضل الدعم الأوروبي والروسي لهم.

آفاق التعاون

وضع التحالف الثلاثي خلال اجتماع أنقرة الأسس الرئيسية لبناء كيان اقتصادي قوي قادر على مواجهة التحديات الإقليمية المتقلبة، لافتاً إلى ضرورة تعزيز التعاون فيما بينهم مع التأكيد على ضرورة وضع الأسس القانونية للشراكة الشاملة بين الدول المعنية واستخدام الإمكانات الحاليّة لتشجيع الاستثمار والتجارة.

البيان الصادر عن الدول الثلاثة وضع على رأس أولوياته “تنفيذ مشاريع وبرامج مشتركة في مجالات الجمارك والطاقة والنقل والاتصالات السلكية واللاسلكية والصناعة والزراعة والعلوم والتعليم والثقافة والسياحة والبيئة”، بجانب التعاون والتنسيق في التصدي لتفشي فيروس “كورونا” المستجد (“كوفيد – 19”) وإدارة تداعياته على المسارات كافة.

ففي مجال النقل والبنية التحتية تم الحديث عن مشروعات لتعزيز النقل البري بين الدول الثلاثة، ومن أبرز المشروعات على جدول الأعمال، ممر النقل العابر لبحر قزوين من “الشرق والغرب”، كذلك إسراع الخطى لتشغيل مينائي تركمانباشي (تركمانستان) وآلات (أذربيجان)، بجانب مشروع الخط الحديدي (باكو – تبليسي – قارس)، كجزء من “طريق الحرير” الحديث.

وتحتل الطاقة موقعاً مهماً في خريطة التعاون بين البلدان المعنية، حيث تم الاتفاق على تعزيز الشراكة في هذا المجال، ودعم مشاريع الطاقة التي تهدف لإيصال الغاز الطبيعي بأحجام أكبر من أذربيجان، وكذلك موارد الطاقة التركمانستانية إلى تركيا وباقي دول اوروبا، في محاولة لوضع قدم ثابتة في سوق الطاقة الأوروبية.

تركيا وتوازن المنطقة

لعبت أنقرة دوراً محورياً في فرض الاستقرار والتوازن في تلك المنطقة المحورية التي تربط بين آسيا وأوروبا، التي كانت على مدار عقود طويلة مضت قبلة العديد من القوى الدولية والأجندات الخارجية، ولعل هذا السبب هو ما أثار الضغائن والأحقاد حيال تلك التحركات التركية خلال الآونة الأخيرة رغم الترحيب الرسمي والشعبي للدول المعنية.

وإن كان شعار “دولتان، أمة واحدة” الذي ينسبه البعض للرئيس الأذري السابق حيدر علييف، يطلق قديماً للبرهنة على عمق العلاقات بين تركيا وأذربيجان فإن “ثلاث دولة، أمة واحدة” بات الشعار الأكثر ملاءمة ووصفاً لطبيعة العلاقات بين الدول الثلاثة في الوقت الراهن، حيث تعمقت العلاقات بينها بصورة متسارعة مؤخراً، توجت بإنهاء أحد أبرز الخلافات الدبلوماسية بين أذربيجان وتركمانستان.

حزمة من العوامل الثقافية والتاريخية ساهمت في الدفع لبناء هذا التحالف، هذا بخلاف المصالح السياسية والاقتصادية المشتركة، التي كان للأتراك بصمة بارزة في تعزيزها على حساب الخصوم السياسيين المدعومين من العديد من القوى الإقليمية والدولية التي أحدثت شروخات كبيرة في خريطة التوازن في المنطقة لسنوات طوال قبل التدخل التركي.

ولم تكن معركة ناغورنو كاراباخ، المعركة الوحيدة التي أعادت فيها تركيا التوازن لمعادلة من المعادلات المائلة في المنطقة، بل كان لها إسهاماتها البارزة في الحفاظ على مصالح دول تلك البقعة الإستراتيجية جيو – سياسياً أمام الأطماع الخارجية وتقديم يد العون لها ومحاولة الوساطة لحلحلة الأزمات البينية والخلافات الناشبة بين العديد من القوى، حتى استطاعت فرض السلام والاستقرار بعد سنوات من الفوضى والنزاع.

المصدر: نون بوست.

مصدر الصور: صحيفة العرب – النشرة.

موضوع ذا صلة: ناغورنو كاراباخ.. مدخل إلى فصل القارة؟!


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •