شارك الخبر

فيما لا يزال العالم يتحسس خطاه الأولى نحو الاستفادة الفعلية من الجيل الخامس من الشبكات، فقد ظهرت ملامح تنافس عالمي على تطوير الجيل التالي. وبقدر ما تطرح مساعي تطوير شبكات 6G آفاقاً تكنولوجية تدفع الاقتصاد العالمي وتنعكس على عمليات التطور الرقمي في المجتمعات؛ إلا أنها في الوقت ذاته تثير مخاوف سياسية، كما تبرز تحولات التنافس الدولي في ظل “سباق تسلح” جديد على السبق التكنولوجي.

من 5G إلى 6G

بينما بدأت العديد من الدول في طرح تقنية 5G تجارياً، العام 2019، وتغطي الشبكة حالياً 7% تقريباً من سكان العالم، ومن المتوقع أن ترتفع النسبة إلى 20% بحلول العام 2025؛ فإنه تبرز على الجانب الآخر محاولات وخطط لتطوير تقنية 6G.

ولا تزال شبكات الجيل السادس بمثابة أحاديث نظرية في طورها الأول، وأمامها – في بعض التقديرات – عقد لتصبح حقيقة واقعة. بحيث يتم الانتهاء من تطوير شبكات 6G بحلول العام 2028 -وفي بعض التقديرات العام 2025- على أن يبدأ ظهور المنتجات التكنولوجية التي تعمل بها بحلول العام 2030.

وفيما يتعلق بخصائص الجيل الجديد، فمن المتوقع أن تصل سرعة هذه الشبكات إلى 100 مرة أسرع من الجيل الخامس. وأن تقدم تقنيات تكنولوجية كانت تُصنَّف لفترة طويلة ضمن الخيال العلمي.

ووفقاً للتصورات النظرية، ستسمح شبكات 6G بتكامل الدماغ البشري مع أجهزة الكمبيوتر، وستعمل على تحقيق الاتصال بين الأشخاص والأشياء مثل الأثاث والملابس، بل واتصال هذه الأدوات والأشياء ببعضها بعضاً، بالإضافة إلى دعم عمل الأجهزة بدون بطاريات.

وبينما نملك اليوم أنظمة واقع افتراضي وواقع معزز قوية، ومدن ومزارع ذكية متصلة بالكامل بالإنترنت، وأنظمة روبوت ذكية تعمل في المصانع؛ فسوف يطور الجيل السادس هذه التقنيات، ويدعم هذه القطاعات بدرجة أكبر، مع خلق تقنيات تكنولوجية جديدة.

وبشكل عام، فإن قدرات وتقنيات الأجهزة المتصلة بالإنترنت ستتحسن بشكل كبير عند استخدام شبكات الجيل السادس، كما سيتم تطوير أجهزة وتقنيات جديدة، حيث ستلعب شبكات الجيل السادس دوراً مهماً في ثورة الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء. فعلى سبيل المثال، ستتمكن السيارات ذاتية القيادة من اكتساب معرفة دقيقة بموقعها، وبالبيئة المحيطة وتغيراتها، والتواصل مع السيارات الأخرى، مما يسهم في تفادي الحوادث والازدحام، وتخفيض زمن الرحلة بأكبر قدر ممكن. كما سينعكس هذا التطور على الرعاية الطبية باستخدام الروبوت في العمليات الجراحية بالتحكم عن بعد.

إلا أنه توجد على الجانب الآخر تحديات علمية وتكنولوجية يجب تجاوزها من أجل تطوير تقنيات الجيل الجديد، ومنها مدى إمكانية اختراق الموجات الهوائية القصيرة جداً لبعض المواد بسهولة. وقد تحتاج الشبكات من أجل أن تكون فائقة الكثافة إلى تثبيت العديد من المحطات القاعدية في كل مبنى أو حتى كل جهاز لاستقبال ونقل الإشارات، بما يُثيره هذا الاحتمال من تساؤلات حول الصحة والخصوصية والتصميم الحضري. وكذلك، هناك حاجة إلى تطوير ومضاعفة كفاءة البنية التحتية الحالية للشبكات، وتطوير أشباه موصلات ومعالجات تستطيع التعامل مع ترددات وبيانات ضخمة.

تنافس عالمي

تتنافس دول العالم من أجل سبق الآخرين في الوصول إلى تقنيات شبكات الجيل السادس وتسجيل براءات الاختراع، حيث يبرز سباق واضح المعالم بين الولايات المتحدة والصين، وبينهما أوروبا التي تسعى للحصول على موطئ قدم في ظل التنافس المشتعل بين واشنطن وبكين، كما تحاول اليابان أيضاً أن تلحق بالسباق.

1. الولايات المتحدة: تولي الولايات المتحدة الأمريكية أهمية كبيرة لتطوير شبكات الجيل السادس من أجل استعادة الريادة التكنولوجية ومواجهة النفوذ التكنولوجي الصيني الذي برز في شبكات الجيل الخامس، وهو ما تجلّى في تغريد دونالد ترامب إبان رئاسته للولايات المتحدة، فبراير/شباط 2019، بأنه يريد شبكات 5G و6G في أقرب وقت ممكن. فعلى عكس الجيل الخامس، لا يبدو أن الولايات المتحدة وحلفاءها سيسمحون بخسارة سباق قيادة تكنولوجيا شبكات الجيل السادس بسهولة. ومن المرجح أن توظف الولايات المتحدة الأدوات والعقوبات الاقتصادية والتجارية من أجل إعاقة تقدم شركة “هواوي” الصينية نحو الـ 6G.

وقد أعلن تحالف حلول صناعة الاتصالات – ATIS، أكتوبر،تشرين الأول 2020، عن تحالف Next G بهدف تعزيز ريادة أمريكا الشمالية لشبكات التكنولوجيا وتطوير شبكات الجيل السادس. ويضمّ هذا التحالف في عضويته العديد من الشركات التكنولوجية العملاقة، ويشمل أعضاء التحالف عمالقة التكنولوجيا مثل “آبل” و”آي.تي آند تي”، و”غوغل”، و”بل”، و”مايكروسوف”، و”نوكيا”، و”فايسبوك”، و”سامسونغ”، و”كوالكوم”، و”إيركسون”، و”فيروزون” إلى جانب شركات أخرى.

2. الصين: بعد نجاحاتها الواضحة في تطوير شبكات 5G، تعمل بكين على التقدم السريع في سباق تطوير شبكات 6G. حيث أعلنت وزارة العلم والتكنولوجيا الصينية، نوفمبر/تشرين الثاني 2020، تأسيس مجموعتي عمل واسعتين للعمل على تطوير الجيل السادس من شبكات الاتصالات، بحيث تضم المجموعة الأولى القطاعات الحكومية المسؤولة عن استشراف الطريقة التي سيجري بها تطوير شبكة 6G، بينما تضم المجموعة الثانية 37 من الجامعات والمعاهد العلمية والشركات المسؤولة عن الجانب التقني.

وقد أطلقت الصين، في الشهر نفسه، أول قمر صناعي لاختبار موجات شبكات الجيل السادس، كما تمتلك شركة “هواوي” مركز أبحاث في كندا متخصصاً في الـ 6G.

3. أوروبا: اعتمدت المفوضية الأوروبية، فبراير/شباط 2021، شراكة أوروبية استراتيجية بشأن الشبكات والخدمات الذكية، كتعهد مشترك باستثمار عام في البحث والتطوير بقيمة 900 مليون يورو في الفترة من 2021 – 2027، بالإضافة إلى تمويل من القطاع الخاص يرفع إجمالي الاستثمارات إلى الضعف تقريباً. ويهدف الاتحاد الأوروبي من تلك الشراكة إلى تعزيز السيادة التكنولوجية لأوروبا في سباق شبكات الجيل السادس من خلال برنامج البحث والابتكار، والتحضير لاعتماد تقنيات 6G بحلول نهاية العقد، وكذلك تعزيز نشر شبكات الـ5G في أوروبا بهدف تطوير الأسواق الرقمية الرائدة، وتمكين التحول الرقمي والأخضر للاقتصاد والمجتمع.

كما تأسست في ديسمبر الماضي مجموعة أبحاث Hexa-X 6G بتمويل من الاتحاد الأوروبي، بعضوية عدد من الشركات التكنولوجية الكبرى مثل “إيركسون” و”أورانج”، و”تليفونسيا”، و”إنتل”، و”سيمنز”، و”نوكيا” بالإضافة إلى جامعتي أولو وبيزا.

4. اليابان: تحاول اليابان اللحاق بسباق تطوير شبكات 6G رغم بعدها عن منافسيها. وتعمل في هذا الصدد على استغلال تراجع الثقة في بكين، والحظر المفروض على شركاتها، والخلافات التجارية والسياسية بين الصين من جهة، والولايات المتحدة والدول الأوروبية من جهة أخرى. حيث ترى طوكيو في سباق الجيل السادس فرصة لاستعادة دورها الريادي في المجال التقني بعد التفوق الصيني عليها في الآونة الأخيرة بمنتجات وخدمات تقنية تدمج بين الجودة والتكلفة المقبولة.

وتعهدت الحكومة اليابانية، العام 2019، بدعم الأبحاث التي تقوم بها الشركات بشأن تكنولوجيا الجيل السادس من الشبكات بنحو ملياري دولار. كما أعلنت طوكيو، ديسمبر/كانون الأول 2020، عن تخصيص نحو 500 مليون دولار في ميزانيتها التكميلية الثالثة المخطط لها للعام المالي 2020 لتعزيز البحث والتطوير في خدمات الاتصالات اللا سلكية المتقدمة لشبكة الجيل السادس.

دلالات متعددة

يطرح التنافس العالمي على تطوير شبكات 6G عدداً من الدلالات، ومنها:

1. سباق عالمي جديد: يعيد التنافس على التكنولوجيا الجديدة وأجيال الشبكات إلى الأذهان سباقات التسلح العسكري، ويشير إلى المكانة الكبيرة التي استحوذت عليها التكنولوجيا كمجال للمنافسة نظراً لانعكاسات امتلاك إمكانيات متقدمة فيها على مختلف القطاعات، ومنها القطاعات الاقتصادية والعسكرية. بل إن الطرف الذي سيتمكن من تحقيق أكبر المكاسب في سباق الجيل السادس سيكون أكبر الفائزين في “الثورة الصناعية والتكنولوجية القادمة”. وقد أشار “بيتر فيتر” (رئيس قسم الوصول وبحوث الأجهزة في “Nokia Bell Labs”) إلى أن التنافس على شبكات الجيل السادس أصبح سباق تسلح يتطلب جيشاً من الباحثين لدى أطرافه من أجل القدرة على المنافسة.

2. الثقة السياسية: تؤكد مجريات السباق الدولي تشابك الثقة السياسية مع الجوانب الاقتصادية والتكنولوجية، حيث تعاني الصين وشركتها “هواوي” من تراجع مؤشرات الثقة السياسية فيها، خاصة في دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بما لذلك من انعكاسات على الرواج والسمعة التقنية، وهو ما تجلّى في الجدل حول فرض حظر استيراد معدات الـ 5G من شركة “هواوي”، وهو الجدل المتوقع استمراره وتجدده فيما يخص الـ 6G إذا استمر السياق الحالي. فمن غير المرجّح أن يتراجع انعدام الثقة في الشركات الصينية بهذه الدول، في ظل الاعتقاد بربط التكنولوجيا الصينية بالأهداف السياسية والإيديولوجية، وفي ظل ارتباط شركات صينية بالحكومة والجيش الصينيين.

3. مخاطر سياسية وأمنية: مع انطلاق السباق التكنولوجي لتطوير الجيل السادس من شبكات الاتصالات، تبرز المخاوف السياسية من توظيف بعض الأنظمة لهذه التكنولوجيا في سياسات قمعية، كمراقبة وتتبع المواطنين وانتهاك الخصوصية، وكذلك توظيف هذه التكنولوجيا خارجياً في التهديدات الإلكترونية والتجسس، وهو ما تمت إثارته من قبل بخصوص شبكات 5G في الصين، وسيتجدد بشكل أكبر في ضوء المزايا الضخمة التي تعطيها شبكات 6G لمزودي الخدمة.

4. انعكاسات اقتصادية: ستعزز شبكات الجيل السادس من التنمية الاقتصادية، وستعطي مزايا نسبية لاقتصادات الدول التي ستنتصر في هذا السباق وتعضد من قدرتها التنافسية. حيث ستشكل 6G دفعة للاقتصاد الرقمي، وستحسن من الأداء الصناعي، وترفع من الكفاءة الإنتاجية.

وبينما تلعب الأدوات الاقتصادية والتجارية دوراً بارزاً في السياسة العالمية، فإن التكنولوجيا اكتسبت مكانة متميزة ضمن هذه الأدوات على حساب الأدوات التقليدية. فلن يقتصر الدور الاقتصادي للتكنولوجيا الجديدة على دعم الاقتصاد الوطني، وإنما سيشكل أحد محاور العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الدول الأخرى.

إجمالاً، يرسم سباق الـ 6G ملامح تنافس عالمي لا يسعى فقط إلى تحقيق مكاسب تجارية واقتصادية، وإنما يسعى إلى تحقيق قيادة مستقبلية للعالم من مدخل التكنولوجيا، وهو ما يأتي في ظل تنافس أمريكي – صيني محتدم، إذ يشكّل الصعود الصيني تحدياً متزايداً للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، سياسياً واقتصادياً وإيديولوجياً.

وفي ظل عصر الرقمنة الذي ترتبط فيه القيادة بالتكنولوجيا، فإن التنافس على شبكات الجيل السادس قد يمثّل “سباق تسلح” جديداً في سياق “حرب باردة” جديدة قيد التشكل، في ميدان التكنولوجيا. وبقدر ما تطرح تقنيات 6G فرصاً علمية واقتصادية وتكنولوجية تنعكس على مختلف القطاعات؛ إلا أنها تطرح – في الوقت ذاته – مخاطر سياسية وأمنية، سواء من منظور الخصوصية والقيم الديمقراطية، أو من منظور الأمن القومي.

المصدر: مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.

مصدر الصور: New Yorker – فاينانشيال تايمز.

موضوع ذا صلة: حرب الجيل الخامس بين المارد الصيني والبلطجي الأميركي

عبدالمجيد أبو العلا

باحث مساعد / مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام – مصر


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •