عبدالله الصالح
كاتب وباحث محلل سياسي – العراق
من واقع الاحداث الأخيرة نجد ان الوضع السوري الحالي معقّد للغاية، وتتداخل فيه الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية وبعد التحولات الأخيرة في الميدان وسقوط مدينة حماة السورية بيد الفصائل الإرهابية المسلحة المدعومة من الشمال أو أي تطورات مشابهة، فإن هذا الموضوع يمكن تحليله ويضعنا على عدة مواضيع يمكننا تحليلها من عدة زوايا رئيسية::
أولا :- المشهد الميداني في الجمهورية العربية السورية:-
التحولات العسكرية: سقوط أي منطقة استراتيجية، سواء كانت حماة أو غيرها، يعكس تغيّرات في موازين القوى على الأرض، خاصة بين الجيش العربي السوري والفصائل الارهابية أو الجماعات المسلحة الأخرى فهناك صعود وهبوط لدور الجماعات المسلحة المدعومة إقليميًا ودوليًا، مما يساهم في ديناميكية الصراع مناطق سيطرة النظام السوري و قد تواجه تحديات متزايدة نتيجة الاستنزاف المستمر وقضايا داخلية تتعلق بالاقتصاد والتجنيد.
ثانيا:- موقف روسيا الاتحادية :-
لا يخفى على الجميع الدور الحاسم في سوريا فروسيا تعد الداعم الأكبر للنظام السوري، واستثمرت عسكريًا وسياسيًا بشكل كبير للحفاظ على استقراره ومع تصاعد الضغوطات الغربية على روسيا نتيجة العملية العسكرية في أوكرانيا، قد تواجه موسكو تحديات في تخصيص الموارد الكافية لتعزيز وجودها في سوريا فان روسيا قد تسعى إلى تحويل تدخلها من عسكري مباشر إلى دعم استراتيجي وسياسي، مع تقوية النفوذ عبر اتفاقيات طويلة الأجل مع دمشق، مثل استخدام الموانئ والقواعد العسكرية.
ثالثاً:- موقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية :-
الجمهورية الاسلامية تسعى لتعزيز نفوذها في سوريا باعتبارها ممرًا حيويًا لمشروع “محور المقاومة ” وربط نفوذها بالعراق ولبنان فالدعم الميداني الإيراني مستمر بدعم قوات النظام عبر فصائل المقاومة المدعومة منها مثل “حزب الله”، كما تسعى لتعزيز وجودها الاقتصادي والثقافي في سوريا ولكن تواجهها بعض التحديات فالتوترات الإسرائيلية -الإيرانية القائمة قد تشكّل ضغطًا إضافيًا على طهران، خاصة بعد تصاعد الضربات الجوية الإسرائيلية.
رابعاً :- التوازن الإقليمي والدولي
تركيا تظل لاعبًا رئيسيًا في الشمال السوري، خاصة في إدلب ومناطق الحدود وهذا قد يشكّل تحديًا لأي خطة لاستعادة السيطرة الكاملة على حماة أو المناطق الأخرى التي فقدتها القوات السورية في الأيام الماضية مع تداخل الأطراف الدولية الأخرى فالولايات المتحدة والقوى الأوروبية ما زالت تفرض عقوبات على النظام السوري، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية على دمشق مما يعرقل عمليات التسليح وتحديث المنظومات العسكرية الهجومية منها فضلا عن الدفاعية .
خامساً :-التوقعات المستقبلية
احتمالات التصعيد قائمة وبقوة فقد تتصاعد العمليات العسكرية في مناطق معينة، ولكن من غير المرجح حدوث تغييرات جذرية في الوضع الميداني بسبب حالة الجمود العسكري والسياسي على رغم من جهود الأمم المتحدة عبر مسار جنيف ولجنة صياغة الدستور، فإن الحل السياسي يبدو بعيد المنال في ظل تضارب المصالح الدولية والإقليمية ويبقى هنا المتضرر الوحيد من هذه المعادلة هو الشعب السوري فانة يواجه أزمات اقتصادية خانقة، مما قد يؤدي إلى احتجاجات متفرقة داخل المناطق الخاضعة لسيطرة النظام.
فمما تقدم أعلاه نستنتج عدة نقاط مهمه فمن الواضح ان روسيا وإيران ستواصلان دعمهما للنظام السوري، لكن مستوى التدخل قد يتغير بناءً على ظروفهما الداخلية والدولية. بالمقابل، فان الفصائل المسلحة الإرهابية قد تستفيد من هذا الوضع لإعادة ترتيب صفوفها و يبقى الشعب السوري هو الأكثر تضررًا وسط غياب رؤية واضحة لإنهاء الصراع أو تحقيق الاستقرار .
إضافة إلى التحليل السابق، يمكننا تصور عدة سيناريوهات لما قد يحدث بعد سقوط مدينة حماة، بناءً على المعطيات الميدانية والسياسية الحالية و يمكن تقسيم هذه السيناريوهات إلى ثلاثة احتمالات رئيسية:
أولا:- سيناريو التصعيد العسكري والتمدد للإرهابين
إذا تمكنت الفصائل المسلحة المدعومة من الشمال أو أي جهة أخرى من السيطرة على حماة، فقد يشجعها ذلك على استكمال الهجوم نحو مناطق استراتيجية أخرى مثل حمص أو الساحل السوري، مما قد يهدد العمق الحيوي للنظام السوري فسقوط مدينة حماة قد يكشف عن التصدعات في القدرات العسكرية للجيش السوري ، سواء بسبب نقص الموارد أو تراجع الدعم من الحلفاء، مما سيشجع خصومه على تصعيد العمليات من المتوقع أن يشن الاخير بدعم روسي وإيراني هجومًا معاكسًا لاستعادة المدينة، مع تصعيد الضربات الجوية واستخدام القوة المفرطة وكما جاء في التصريح الأخير للرئيس الأسد.
ثانياً :- سيناريو “الاستنزاف المتبادل”
جمود الصراع بعد سقوط مدينة حماة، قد يتحول الوضع إلى حالة استنزاف بين الأطراف المتصارعة، حيث لا يستطيع النظام استعادة السيطرة بسرعة، ولا تتمكن المعارضة من التوسع بسبب التدخل الروسي أو الإيراني وانتقال المعارك إلى الأطراف بدلاً من السيطرة الكاملة، قد تندلع اشتباكات مستمرة في محيط المدينة بين الجبهات المختلفة وهذا ما جاء في إعادة تموضع الجيش السوري على اطراف المدينة نقلا عن وكالات الانباء المحلية والعالمية فسقوط المدينة قد يثير مخاوف المجتمع الدولي من تجدد الصراع بشكل واسع، مما يدفع القوى الكبرى للتدخل عبر الضغط لوقف القتال أو عقد هدنة مؤقتة وتداولت بعض وسائل الاعلام طلب الرئيس الروسي إعادة عقد اجتماع بين الاطراف المتنازعة على غرار (تفاق استانا).
ثالثاً :- سيناريو التفاوض والصفقات السياسية
الحلفاء الرئيسيون للنظام قد يدفعون دمشق للتفاوض مع المعارضة، سواء عبر مسار أستانا أو جنيف، لاحتواء التصعيد وقد يؤدي سقوط حماة إلى ترتيبات ميدانية جديدة، مثل تحويلها إلى منطقة “خفض تصعيد” تحت رعاية دولية، أو تقسيم النفوذ بين المسلحين والنظام و هنا قد يضطر النظام السوري إلى تقديم تنازلات سياسية محدودة لضمان استقراره في مناطق أخرى وتجنب انهيار شامل.
واخيراً نجد هنالك بروز التداعيات الإقليمية والدولية فان سقوط مدينة حماة قد يدفع تركيا إلى تعزيز دعمها للمسلحين، بينما قد تستغل إسرائيل الوضع لتكثيف ضرباتها ضد المواقع الإيرانية في سوريا وامريكا قد تستغل سقوط حماة لتصعيد ضغوطها على النظام السوري وحلفائه، وربما تقديم دعم محدود للمسلحين تحت مظلة “مكافحة الإرهاب” وهنا نعود الى المربع الأول فسنواجه موجات نزوح جديدة ستتبع سقوط حماة، مما يزيد من معاناة المدنيين ويفاقم الأزمة الإنسانية.
الخلاصة ماذا بعد؟
إذا تمكن النظام السوري من استعادة السيطرة على حماة بسرعة، سيعزز ذلك من موقفه لكنه سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف اما إذا بقيت المدينة تحت سيطرة المعارضة، فإن ذلك قد يعيد رسم خريطة الصراع ويؤدي إلى معارك جديدة في الشمال والوسط فالحل السياسي قد يصبح أكثر إلحاحًا، لكن العقبات أمامه ستظل قائمة بسبب تضارب المصالح الدولية والإقليمية.
ويبقى السؤال الرئيسي الآن هو: هل سيعيد سقوط حماة الزخم إلى المسلحين أم سيشكل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من المفاوضات؟
مصدر الصورة: شبكات التواصل الاجتماعي