نشر موقع “موندويس”، الذي يصف نفسه بأنه موقع إخباري معني بتغطية السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، تقريراً لياردين كاتز، زميل في قسم بيولوجيا الأنظمة في كلية الطب – جامعة هارفارد، حول التعاون بين إسرائيل وشركة “مايكروسوفت” في إنتاج أدوات القمع والسيطرة، والذي يكشف الوجه الخفي لشركة البرمجيات الأمريكية العملاقة.
وفي مستهل تقريره، أشار الكاتب إلى أنه عندما خرج الملايين إلى الشوارع، العام 2020، للاحتجاج من أجل حياة السود، عَانَت الشركات من المتاعب. وكانت الدعوة الإصلاحية داخل الاحتجاجات – وقف تمويل الشرطة والاستثمار في عالم أفضل – تتحدى عنف الدولة والمستفيدين منه. لذلك عززت شركات مثل “أمازون” و”فايسبوك” و”غوغل” و”مايكروسوفت”، التي تسهِّل الرقابة التي تفرضها الدولة، والعنف الذي تنتهجه، من علاقاتها العامة.
أعلن الرئيس التنفيذي لشركة “مايكروسوفت” ساتيا ناديلا، على سبيل المثال، عن “التضامن” مع حملة “حياة السود مهمة”، وتبرَّعت الشركة بمبلغ 250 ألف دولار لمجموعات العدالة الاجتماعية. وبفضل مثل هذه الحملات، لا تخضع “مايكروسوفت” للرقابة مثل نظرائها. وترعى الشركة مراكز الفكر التي تعزز أوراق اعتمادها التقدمية، وتخفي في الوقت نفسه أجندة الصناعة العنيفة والإمبريالية. وتستفيد “مايكروسوفت” أيضاً من الهالة التي تحيط ببيل غيتس ومؤسسته. ولا تزال صحيفة “نيويورك تايمز” تلجأ إلى غيتس، لاستشارته بشأن كيفية إصلاح مشكلات العالم.
ولكن تغطية خدمات “مايكروسوفت” للجيوش وقوات الشرطة والسجون في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك استثماراتها في الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، تُعد غائبة تماماً عن الأنظار.
ولطالما خدَمت الشركة المشروعات الاستعمارية بوصفها “مختبراً” للدول والشركات، وتعد إسرائيل مثالاً رئيسياً على ذلك. وأصبحت إسرائيل بلد الأمن القومي النموذجي عبارة عن “نظام يسيطر على مواطنيه ويقمع الانتفاضات، بينما ينتج التقنيات والأطر الأيديولوجية القابلة للتصدير”. وتستفيد الشركات من العمل مع إسرائيل، وأمريكا لتطوير تكنولوجيات قمعية، ودفع هذه التكنولوجيات إلى الحياة المدنية.
وتقدم “مايكروسوفت” مثالاً جريئاً للشركات التي تتغذى على العنف الإسرائيلي، وتساعد الشركة في تصدير الأدوات الخطرة إلى إسرائيل، كما تقدم نافذة على دور الشركات في دعم التحالف المميت بين الولايات المتحدة وإسرائيل، من خلال مساعدة المنظمات غير الربحية والشرَاكات الأكاديمية.
علاقة إسرائيل و”مايكروسوفت”.. زواج عُقِد في السماء
وأشار التقرير إلى أن الشركة افتتحت أول مركز أبحاث لها خارج الولايات المتحدة في إسرائيل، العام 1991، ولديها اليوم ثلاثة فروع تابعة لـ “مايكروسوفت” إسرائيل. وتحتضن إسرائيل منتجاتها وتلتزم الشركة بالصناعات الإسرائيلية، حتى إن الرئيس التنفيذي السابق للشركة، ستيف بالمر، يقول “مايكروسوفت شركة إسرائيلية بقدر ما هي شركة أمريكية”، وقال بيل غيتس إن التطورات الإسرائيلية في “الأمن” تعمل على “تحسين العالم”. ومن جانبه، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو علاقة بلاده بالشركة بأنها “زواج عُقِد في السماء”.
وفي الواقع، وقفت “مايكروسوفت” إلى جانب إسرائيل خلال أسوأ جرائمها. وخلال الانتفاضة الثانية، شنَّت إسرائيل هجوماً قاتلاً على الضفة الغربية. وفي مدينة جِنين، قتل قناصة إسرائيليون عشرات الفلسطينيين، ودمَّر الجيش أجزاءً كبيرة من المدينة وترك الآلاف دون مأوى. وصوَّر فيلم محمد بكري، العام 2002، “جِنين، جِنين” جانباً من الدمار والألم. يقول رجل في الفيلم “لقد أطلقوا النار على أي شيء يتحرك، حتى القطط”. وكان هناك ضباط على الأرض تابعين للجيش الأمريكي يدوِّنون ملاحظات للاستفادة منها في احتلالهم للعراق.
وبعد كل هذا الدمار الذي لحِق بجِنين، وضعت “مايكروسوفت” إسرائيل لوحات إعلانية على طول طريق سريع في تل أبيب، مكتوب عليها “شكراً من القلب” لـ “قوات الأمن والإنقاذ”، وتحمل اللوحات شعار “مايكروسوفت” والعلم الإسرائيلي. وسرعان ما دعا نشطاء “جوش شالوم»” إلى مقاطعة شركة “مايكروسوفت”. وكانت دعاية مؤثرة هدَّدت أعمال الشركة مع عملاء مثل السعودية والإمارات. لذا، نأى المقر الرئيسي للشركة بنفسه عن اللوحات الإعلانية التي أُزيلت لاحقاً.
غير أن استثماراتها الحقيقية في عنف الدولة الإسرائيلية قد زادت. وخلال العام الذي وقعت فيه مذبحة جِنين، حصلت “مايكروسوفت” على عقد لمدة 3 أعوام بقيمة 100 مليون شيكل، مع الحكومة الإسرائيلية (حوالي 35 مليون دولار). وفي العقد، وافقت “مايكروسوفت” على تقديم منتجات غير محدودة للجيش الإسرائيلي ووزارة الدفاع، وتبادل “المعرفة” مع الجيش.
ووفقاً للصحف الإسرائيلية، دفعت إسرائيل لشركة “مايكروسوفت” من أموال “المساعدات” الأمريكية – وهي طريقة معروفة للشركات الأمريكية للربح من خلال العمل مع إسرائيل. واستمرَّت “مايكروسوفت” في الاستفادة من العنف الإسرائيلي منذ ذلك الحين.
استثمارات في المجمع الصناعي العسكري الإسرائيلي
تنتج وحدات المراقبة ومكافحة التمرد التابعة للجيش الإسرائيلي (مثل الوحدة 8200) شركات ناشئة، كما تدرِّب قوة عاملة تريدها شركات مثل “مايكروسوفت”. وعلى مر السنين، استحوذت الشركة على عديد من الشركات الناشئة التي خرجت من رحم الجيش الإسرائيلي واستثمرت في الشركات الإسرائيلية.
تشمل استثمارات “مايكروسوفت” الأخيرة شركة آني فيجن – AnyVision، وهي شركة إسرائيلية تزود الدولة بكاميرات وبرامج للتعرف إلى الوجه لمراقبة الفلسطينيين في الضفة الغربية. ويُشتبه في أن “آني فيجن” هي الشركة المُصنِّعة لكاميرا تجسس، زرعتها إسرائيل في مقبرة في قرية كوبر، وعثر عليها الفلسطينيون وفكَّكوها، أكتوبر/تشرين الأول 2019. وبعد تقارير صحفية وضغط من الناشطين، أعلنت “مايكروسوفت” أنها ستخرج من الشركة الإسرائيلية الناشئة، لكنها لم تنهِ علاقتها مع “آني فيجن”.
وفي مقابلة قال آدم ديفاين، مدير التسويق في “آني فيجن”، إنه يتفهم قرار “مايكروسوفت”، ولكن لا تزال شركته تتمتع “بعلاقة تجارية قابلة للحياة مع مايكروسوفت، وتستخدم خدمات مايكروسوفت”. وأضاف ولا تزال “مايكروسوفت” تقدم منتج التعرف إلى الوجه من “آني فيجن” على منصتها. إلى جانب ذلك، تتجاوز استثمارات “مايكروسوفت” في المجمع الصناعي العسكري في إسرائيل شركة واحدة.
في الأعوام الأخيرة، استحوذت “مايكروسوفت” على شركات “الأمن السيبراني” الإسرائيلية، مثل أوراتو – Aorato (العام 2014 مقابل 200 مليون دولار)، وأدالوم- Adallom (العام 2015 مقابل 320 مليون دولار)، وهكساديت – Hexadite (العام 2017 مقابل 100 مليون دولار)، وسايبر إكس – CyberX (العام 2020 مقابل 165 مليون دولار) – وكلها تعتمد على تقنيات جيش الدفاع الإسرائيلي. وأوضح الشريك المؤسس لأدالوم أنه “في جيش الدفاع الإسرائيلي، عملنا على تكنولوجيا تُستخدَم لمكافحة الإرهاب باستخدام الذكاء الاصطناعي”.
وتتضمن براءات اختراع “أوراتو” (المملوكة الآن لمايكروسوفت) نظاماً لاستنتاج موقع الأجهزة المتصلة بالشبكة حتى في حالة عدم وجود إشارات مباشرة لنظام التموضع العالمي (جي.بي.إس). وتوقَّع الرئيس التنفيذي للشركة بأن منتجاتها كان من الممكن أن تمنع تسريبات إدوارد سنودن من خلال مراقبة أنشطة الكمبيوتر.
وبالإضافة إلى الاستثمار المالي، تقدم “مايكروسوفت” أيضاً خدمات “ريادية” إلى جيش الدفاع الإسرائيلي، حيث أرسلت الشركة معلمين إلى هاكاثون، تجمع للمبرمجين في الجيش الإسرائيلي، استمر 24 ساعة حيث طور الطلاب ومهندسو البرمجيات “حلولاً إبداعية” للعمليات العسكرية.
وأحد التطبيقات الحاصلة على الجائزة كان من أجل “الدفاع عن المستوطنات”، والذي “يساعد في حل مشكلة عدم سيطرة القادة على الأحداث داخل المستوطنات والاتصال المباشر مع الجنود في الميدان”، وهناك تطبيق آخر حائز جائزة، يساعد الجنود على “معايرة أسلحتهم الشخصية”.
ومن الواضح أن كل هذه التطبيقات لها “إستخدامات مدنية”، بما في ذلك “تنفيذ القانون” وإدارة “الموارد البشرية”.
أدوات للتدمير ودعاية الدولة
ولفت التقرير إلى أن صناعات الموت في إسرائيل ضرورية لكي تُعامَل بصفتها قوة تكنولوجية. وتعلن إسرائيل باستمرار عن جيشها “المتقدم تكنولوجيّاً”، وتُستَغل أدوات “مايكروسوفت” في هذه الحملات الدعائية. على سبيل المثال، تستخدم إسرائيل “مايكروسوفت إكس بوكس” للتحكم في الدبابات.
ووفقاً لشركة صناعات الفضاء الإسرائيلية، يؤدي “إكس بوكس” إلى “أداء أفضل”. وطُوِّرت الدبابة التي يجرى التحكم فيها عن طريق “إكس بوكس” عن طريق شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية – IAI وشركة ألبيط – Elbit، وتصنع الشركتان طائرات من دون طيار تُستخدَم لترويع الفلسطينيين وغيرهم في جميع أنحاء العالم.
كما يستخدم الجيش الإسرائيلي أدوات “مايكروسوفت” في حملات الدعاية الرسمية. وفي أحد مقاطع الفيديو، يدَّعي الجيش الإسرائيلي أن “مايكروسوفت هولولنز”، أداة “الواقع المختلط”، تسمح للجيش بـ؟ “تحديد أعدائه” و”التحكم في الروبوتات والطائرات من دون طيار بالإيماءات”. ويضيف الجيش الإسرائيلي أنهم يعتزمون “استخدام هولولنز في ساحات القتال قريباً جداً” – ولكن لم يُحدد كيف وأين.
نحن نعلم أن إسرائيل تقتل وتشوه وتعتقل وتختطف وتنتزع الملكية. وبحسب المركز الإسرائيلي للمعلومات عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة “بتسيلم”، قتلت إسرائيل بين عامي 2018 و2020 أكثر من 440 فلسطينياً، بالإضافة إلى إصابة وتشويه الآلاف في مسيرة العودة الكبرى في غزة. وفي سبتمبر/أيلول 2020، احتجزت إسرائيل أكثر من 4200 فلسطيني. وفي العام 2020 وحده، هدمت إسرائيل 172 منزلاً فلسطينياً في الضفة الغربية (بما في ذلك القدس الشرقية)، وكثَّفت من الفصل العنصري الطبي فيما يتعلق بفيروس كورونا ولقاحاته.
وحتى لو لم تُستخدَم هذه الأدوات مطلقاً، تستفيد كل من إسرائيل و”مايكروسوفت” من فكرة إمكانية استخدامها. كما تستفيد الشركة من أن لمنتجاتها استخداماً “في العالم الحقيقي”. وتستفيد إسرائيل من إعادة تأكيد قوتها العسكرية والتكنولوجية، ومن دعم شركة أمريكية كبرى. وتساعد الشراكات مع الكيانات الأمريكية الكبرى في تطبيع الدولة الإسرائيلية، ولهذا السبب تحاول إسرائيل بجنون تدمير مبادرات المقاطعة.
توفير البيروقراطية الحاسوبية التي تقف وراء العنف الحكومي
يضيف الكاتب “وأدرك الناشطون منذ مدة طويلة أن العنف اليومي يعتمد على استخدامات غير مثيرة خاصة بالحوسبة، مثل إدارة السجلات، أكثر بكثير من اعتماده على القدرات التي تجذب الانتباه مثل تكنولوجيا التعرّف إلى الوجه. وترتبط البيروقراطية والقمع ارتباطاً وثيقاً، فضلاً عن أن كثيراً من الخدمات التي تقدمها مايكروسوفت تُعد بيروقراطية أكثر من كونها حرباً ذات تكنولوجيا فائقة.”
وتوفِّر “مايكروسوفت” كثيراً من إدارة البيانات التي تقف وراء العنف الذي تمارسه الدولة. ووفقاً لتقارير الإنفاق الحكومي الأمريكي، تلقَّت الشركة على مر الأعوام 3.4 مليار دولار من الأموال الاتحادية، بواقع نحو 72.6% (2.4 مليار دولار) من وزارة الدفاع و14.3% (488 مليون دولار) من وزارة الأمن الداخلي، والتي تتضمن إبرام عقود إدارة بيانات مع وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك. كما حصلت الشركة على عقد بقيمة 10 مليارات دولار لبناء الهياكل الأساسية للبيانات التابعة للبنتاغون (قدَّم موقع أمازون، منافس مايكروسوفت، طعناً على هذا العقد مؤخراً أمام المحكمة).
وأبرز الكاتب ما قاله مايكل كويت، الزميل الزائر في مشروع مجتمع المعلومات في كلية الحقوق – جامعة ييل، أوضح أن مايكروسوفت” تقدم أيضاً خدمات لأقسام الشرطة والسجون في جميع أنحاء العالم، إذ تطوِّر برنامجاً لإدارة المعلومات المتعلقة بالسجناء، بما في ذلك منتجات تستهدف “المجرمين من الشباب”.
وتقدِّم “مايكروسوفت” أيضاً خدمات حوسبة أساسية للشرطة الإسرائيلية التي تشتهر بممارسة العنف ضد الفلسطينيين والمهاجرين، فضلاً عن اليهود السود والعرب. وتدَّعي الشرطة الإسرائيلية أن “الحوسبة السحابية (تنافست أمازون على إبرام العقد ذاته) التي توفِّرها مايكروسوفت ضرورية لضمان أداء أنظمتنا التشغيلية”. وتستخدم الشرطة الإسرائيلية أيضاً كاميرات جسدية تصنعها شركة أكسون (التي تُسمَّى Taser)، شريك “مايكروسوفت”. وينوِّه الكاتب إلى أن “مايكروسوفت ستفتح أيضاً شركة حوسبة سحابية في إسرائيل، وستعمل بطريقة سرية، لتحسين الخدمة التي تقدمها لعملائها الإسرائيليين.”
كما يستفيد الجيش الإسرائيلي والقوات الجوية من البنية التحتية الحاسوبية التابعة لـ “مايكروسوفت”. وكانت الشركة قد ساعدت قاعدة – Bahad 1 التابعة للجيش الإسرائيلي، وهي قاعدة لتدريب الضباط، في إنشاء تطبيق يُمكِّن الجنود من الوصول إلى إجراءات الجيش الإسرائيلي وتاريخ انتصاراته ومُدوِّنَة “الأخلاقيات” الخاصة به. كما ساعدت “مايكروسوفت” في إدارة قاعدة بيانات الموارد البشرية المدنية التابعة للجيش الإسرائيلي، والتي تتعقَّب أفراد الاحتياط في الجيش.
التواطؤ في التقدُّمية المزيفة
ويؤكد الكاتب قائلاً إنه على الرغم من مشاركة “مايكروسوفت” في العنف الذي يُمارَس على مستوى الدولة، يجرى التعامل معها أحياناً بوصفها شركة مستنيرة. على سبيل المثال، تُقدَّم “مايكروسوفت” في إسرائيل باللغة التي تُقدم بها التعددية الثقافية الليبرالية. وتقول الشركة “من خلال الاستفادة من اختلافاتنا واستيعابها، تتحسَّن أفكارنا ومنتجاتنا ويزدهر العاملون التابعون لنا”. كما تروِّج الشركة وإسرائيل لإعلانات مثل “نحن فخورون بدعم مجتمع المثليين، ومزدوجي الجنس، ومغايري الهوية الجنسية، والمنحرفين جنسيّاً في إسرائيل…”
وتستفيد الشركة من ارتباطها بمؤسسة غيتس، وهي مؤسسة مبنية على أرباح احتكارية لشركة “مايكروسوفت” وسرقة الأموال العامة من خلال التهرب الضريبي. وتُسهِم المؤسسة في تحسين صورة الشركة ومؤسسها، مع أنها مدفوعة بأجندة إمبريالية وليبرالية جديدة في مجال الزراعة، وأنظمة الغذاء، والصحة العامة، وسياسة المناخ.
وقدمت “مايكروسوفت” أيضاً الرعاية للمؤسسات الفكرية التي تمتثل لأوامِرها امتثالاً مباشراً. وترتبط هذه المراكز بسهولة بجامعات الليبرالية الجديدة، التي تسعى دائماً إلى إقامة ارتباطات والحصول على تمويل من الشركات. ويعزز عملها أوراق الاعتماد التقدمية لـ “مايكروسوفت”، ولكنها لا تتطرق إلى الجرائم والاشتباكات ذات النطاق الواسع للشركة. وعندما تظهر جرائم “مايكروسوفت” الأصغر حجماً، يجري احتواؤها في إطار “أخلاقيات” الشركات و”التحيز” ضدها.
ويمضي الكاتب قائلاً “ساعدت مايكروسوفت في إنشاء مؤسستين فكريتين مؤثِّرتين، وهما معهد AI Now (معهد معني بإجراء أبحاث حول الآثار الاجتماعية للذكاء الاصطناعي) ومعهد Data & Society (وهو معهد بحثي يدرِّس التداعيات الاجتماعية للتكنولوجيا والأتمتة). وتأسَّس AI Now، ومقره في جامعة نيويورك، من خلال هدية مالية قدمتها مايكروسوفت (إلى جانب التمويل المُقدَّم من غوغل) وأسَّسه موظفو مايكروسوفت وغوغل”، وأُطلِق العام 2016، بمشاركة البيت الأبيض ورعايته. كما أُطلِق معهد Data & Society، اعاام 2014، وتأسس أيضاً بسخاء مالي من “مايكروسوفت”.
وعلاوةً على ذلك، يساعد تركيز هذه المؤسسات البحثية على تكنولوجيا التعرُّف على الوجه في خدمة مصالح الصناعة بالفعل. ويصرف هذا التركيز الانتباه عن خدمات الحوسبة الواسعة، والتي لا تحظى سوى بقدر قليل من الاهتمام التي تقدمها “مايكروسوفت”، والضرورية بالنسبة للعنف الذي تمارسه الدولة. ويصعُب أيضاً احتواء هذه الخدمات من خلال استخدام إطار عمل “أخلاقيات” الشركة و”تحيزها”.
وتحمي هذه المؤسسات الفكرية، من خلال الخطاب المتعلق بـ “الأخلاقيات” و”التحيز”، مصالح الصناعة والإمبراطورية الأمريكية. وتوضِّح فضيحة شركة “آإني فيجن” هذا الأمر. وبمجرد ذكرها في وسائل الإعلام، كان من الصعب تجاهل برنامج المراقبة في الضفة الغربية التابع لشركة “إني فيجن”، وكان معهد AI Now قد علَّق على القضية في تقريره السنوي لعام 2019، حيث ذكر أن شركة “آني فيجن” تثير مشكلات بسبب “انتهاكات حقوق الإنسان” التي تحدث في الضفة الغربية.
ويضيف التقرير أن عمل شركة “آني فيجن” يتعارض مع المبادئ التي أعلنتها “مايكروسوفت” بشأن “المراقبة المشروعة” و”عدم التمييز”، فضلاً عن تعهُّدها بعدم “نشر تكنولوجيا التعرُّف إلى الوجه في السيناريوهات التي نعتقد أنها ستُعرِّض الحريات للخطر”. لذلك، رأى معهد AI Now أنه من “المثير للحيرة” أن الشركة الإسرائيلية الناشئة ادَّعت أنها “خضعت للتدقيق في ضوء التزامات مايكروسوفت الأخلاقية”. ولكن لا يوجد شيء يستدعي “الحيرة” في هذه الحالة؛ ذلك أن “مايكروسوفت” تُنفِّذ التزام الإمبراطورية الأمريكية تجاه الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي.
وعندما يتعلق الأمر بـ “مايكروسوفت” وإسرائيل، تواصل المؤسسة الفكرية مهزلة “المراقبة الشرعية” والشركات التي تلتزم بالقواعد الأخلاقية.
ومع ذلك، يتوافق دعم “مايكروسوفت” لشركة “آني فيجن” تماماً مع تاريخ الشركة الأمريكية وأسلوب عملها، ولا يوجد فرق حقيقي بين المشروعات العنيفة التي تنفذها “مايكروسوفت” والمشروعات التي تنفذها شركة “أني فيجن”، ذلك أن الأخيرة ما هي إلا إحدى نوافذ التزامات “مايكروسوفت” العميقة بالحرب والسجن والاستعمار.
ونظراً لهذه الالتزامات، ينبغي أن ننظر إلى مطالبات “مايكروسوفت” بتحقيق “العدالة الاجتماعية” على أنها جزء من جهودها لمكافحة التمرد. ولا يمثِّل تبرُّع “مايكروسوفت” الذي يُقَّدر بـ 250 ألف دولار للمجموعات المعنية بالعدالة الاجتماعية سوى مبلغ زهيد موازنةً بالمليارات التي لا تُعد ولا تُحصى، التي تجنيها الشركة من تمكين العنف الذي تمارسه الدولة؛ وبذلك، تمارس الشركة أعمال القتل بإحدى يديها وترمي كسرة خبز بيدها الأخرى.
الامتناع عن العنف الحكومي والاستثمار في المجتمعات
ويرى الكاتب أن الناشطين لم ينخدعوا بالعلاقات العامة التابعة للشركات. وكشفت مجموعات شعبية في فلسطين والولايات المتحدة على حدٍ سواء، مثل حملة “أوقفوا الجدار” وتحالف “أوقفوا تجسُّس شرطة لوس أنجلوس”، كيفية نَشْر “مايكروسوفت” ونظرائها أدوات قمعية على صعيد دولي لتحقيق الأرباح والسيطرة.
وتنظر حملة “أوقفوا الجدار” في فلسطين إلى شركات مثل “أمازون” و”آبل” و”فايسبوك” و”غوغل” و”مايكروسوفت” بوصفها قوى استعمارية تستفيد من “النظام الإسرائيلي القائم منذ عقود والمتمثِّل في الفصل العنصري والاستعمار واحتلال الشعب الفلسطيني” وتساعد في الحفاظ على هذا النظام. وكما كتبت حملة “أوقفوا الجدار”، تتيح “المراقبة الإسرائيلية للشعب الفلسطيني تكنولوجيا جمع البيانات ومعالجتها”، والتي طُبِّقَت بعد ذلك في مجالات تراوحت بين “المدن الذكية والإعلانات”.
وبالنسبة لحملة “أوقفوا الجدار”، تُمثِّل مقاومة هذا النظام أيضاً صراعاً عماليّاً، ذلك أن القوة السياسية لهذه الشركات تقوم على عمالة مُستغلَّة وغير مجانية، ولأن أساليب المراقبة المستخدَمة في المشروعات الاستعمارية ترتبط بأساليب المراقبة التي تُستخدَم في الداخل. ولهذا السبب تنظر حملة “أوقفوا الجدار” إلى “النضال الفلسطيني في إطار الأممية، والتضامن ذي الجوانب المتعددة”.
وفي الختام، يشير الكاتب إلى أن تحالف “أوقفوا تجسس شرطة لوس أنجلوس” يعترف أيضاً بالقواسم المشتركة بين الأنظمة القمعية في جميع أنحاء العالم، والمجموعة المشتركة من المستفيدين منها. ويسعى التحالف إلى إلغاء تمويل قسم شرطة لوس أنجلوس بسبب عملياته العنصرية والقاتلة، بما في ذلك جهوده الرامية إلى تقييد المجتمعات من خلال استخدام جدران غير مرئية (تخزِّن شرطة لوس أنجلوس بيانات المراقبة على منصات «مايكروسوفت»).
العنوان الرئيسي: “مترجم: تساعد في جرائم الاحتلال.. ماذا تعرف عن التعاون بين مايكروسوفت وإسرائيل؟”
المصدر: ساسه بوست.
مصدر الصور: BDS – إندبندنت عربية.
موضوع ذا صلة: هل يمكن للخوارزميات أن تتعلم خوض الحروب بطريقة أخلاقية؟