شارك الخبر

تسعى “هيئة تحرير الشام”، بزعامة أبو محمد الجولاني، إلى إعادة إنتاج صورتها من خلال التحولات التي تجريها على مستوى خطابها السياسي، أو من خلال التغييرات التكتيكية التي يجريها الجولاني، سواء بظهوره بمظهر عصري متخلياً عن الصورة النمطية لـ “المجاهدين”، أو عبر تجوّله في أسواق ادلب بخلاف القادة “الجهاديين” الذين يعيشون في عزلة عن الناس، ويقيمون في مناطق مجهولة.

وذهب أغلب التفسيرات إلى أن ذلك من الهيئة محاولة لإعادة التموضع من الأزمة السورية، وطَرْح نفسها بوصفها لاعباً محلياً معتدلاً يستحق أن يكون طرفاً في التسوية النهائية التي تقرر مستقبل سوريا. وهذه الورقة تحاول تسليط الضوء على هذه التحولات، ومعرفة أسبابها، والنتائج المتوقَّع تحقيقها منها.

التحوّلات وأسبابها

بدأت محاولات “هيئة تحرير الشام” لتغيير صورتها، منذ صيف العام 2017، بحملة تواصل مع الغرب؛ فآنذاك، جمع لقاء المسؤول السياسي للجبهة زيد عطار مع جوناثان باول، الدبلوماسي البريطاني السابق، والذي يتولى إدارة العديد من القنوات الخلفية للتفاوض مع جماعات مصنفة إرهابياً على المستوى الدولي أو الوطني.(1) غير أن هذا التحوّل بدأ بالتبلور أواخر العام 2019، بعد شهر واحد على مقتل زعيم تنظيم “داعش”، أبو بكر البغدادي، فقد أدلى الجولاني بخطاب مرئي أعلن فيه صراحة الانتقال إلى مرحلة جديدة هي خوض حرب تحرير ضد الاحتلال الروسي والإيراني، وكان هذا الخطاب بمثابة الإعلان عن التحوّل الجذري في رؤية وتوجهات “هيئة تحرير الشام”.

وفي سبتمبر/أيلول 2020، أدلى عبد الرحيم عطون، الأمير الشرعي العام للجبهة، بتصريحات لصحيفة سويسرية ناطقة بالفرنسية أكد فيها سعيها للخروج من قائمة التصنيف، لافتاً إلى أنه لا مشكلة لـ “الهيئة” مع الدول الغربية عموماً وفرنسا خصوصاً.(2)

ويُعتبر لقاء الجولاني مع “مجموعة الأزمات الدولية”، فبراير/شباط 2020، ذروة مسار التحوّل، حيث شرح وضع الهيئة وعقيدتها، من خلال تأكيده على أنها” مبنية على الفقه الإسلامي مثل أية جماعة أخرى في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام”، مشيراً إلى أن “الهيئة، كما العديد من الحركات وقت الحرب، ارتكبت أخطاء ونحاول إصلاحها الآن، وهدف الهيئة الوحيد هو قتال ميليشيات الأسد فاقدة الشرعية”.(3)

وكان جلياً في تلك المقابلة تأكيدُ مساعي الجولاني على تطوير خطاب الهيئة السياسي ببعدها المحلّي وهويّتها السورية باعتبارها فصيلاً يستند إلى الفقه الإسلاميّ المعتمَد في سوريّا، كسائر “الفصائل المعتدلة” الأخرى، وأن مرحلة “جبهة النصرة” كانت امتداداً لظروف داخليّة وخارجيّة معيّنة أَمْلَت عليه مبايعة القاعدة والارتباط الاسميّ بها.(4)

وساهمت مجموعة من العوامل في رفع سقف طموح الجولاني في رفع اسم الهيئة من قوائم الإرهاب، والتعامل معه بوصفه طرف سياسي طبيعي، أهمها:

1. وجود سابقة تتمثَّل بقبول الولايات المتحدة الأمريكية بالتفاوض مع حركة “طالبان” الأفغانية، واعترافها الضمني بها رغم وضعها لسنوات طويلة على قائمة الإرهاب.
2. رفع “الحزب الإسلامي التركستاني” من قوائم الإرهاب الأمريكية، وقد أصدرت الهيئة بياناً لمّحت فيه إلى أنها تنتظر قراراً مشابهاً بخصوصها. وقال البيان إن “التصنيف الذي وضعت بموجبه تحرير الشام على لوائح الإرهاب أساسه سياسي محض، ولا يُعبر عن الصورة الحقيقية، فلم يكن مبنياً على حقائق أو أدلة ملموسة”، ويضيف إن “زواله فرصة للتصحيح وإعادة النظر في من هو فعلاً قاتل ويمارس أبشع أنواع الإبادة بمختلف الأسلحة المحظورة دولياً بشهادة المنظمات والهيئات الحقوقية المحلية والدولية”.(5)
3. تلميحات المبعوث الأمريكي السابق إلى سوريا، جيمس جيفري، للجولاني بإمكانية إخراج الهيئة من قوائم الإرهاب، إذ أكّد جيفري أن إخراج الهيئة من قوائم الإرهاب يتطلب شروطاً ومعايير لم تنجح الهيئة في تلبيتها، وهو ما أوحى بأن تلبية الهيئة لتلك الشروط سيؤدي إلى إزالة اسمها من قوائم الإرهاب. غير أن جيفري، وفي أكثر رسائله وضوحاً، أكد في مقابلة صحفية، فبراير/شباط 2021، أن “هيئة تحرير الشام التي تعتبر فرعاً من فروع تنظيم القاعدة، وهي بدورها تعتبر تنظيماً إرهابياً، غير أنها ركزت على محاربة نظام (الرئيس بشار) الأسد. كما أعلنت هذه المجموعة عن نفسها – ولم نقبل بهذا الادعاء بعد – بأنها تمثل مجموعة معارضة وطنية تضم مقاتلين وليس إرهابيين، كما أننا لم نشهد لهم مثلاً أية تهديدات على المستوى الدولي منذ زمن.”(6)
4. التوصية التي قدمتها مجموعة الأزمات الدولية، للإدارة الأمريكية، برفع إسم الهيئة من قوائم الإرهاب، كون ذلك “يمكنها من لعب دور مرحلي مختلف، وفتح المجال أمامها للعب دور جديد يتناسب مع مرحلة مختلفة، عبر الضغط عليها لاتخاذ مزيد من الإجراءات التي تعالج المخاوف المحلية والدولية بشكل رئيسي. وقدمت المجموعة عدة مقترحات للإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن، لتصحيح سياسة واشنطن الخارجية وخاصة فيما يتعلق بالشأن العسكري، واعتبرت أن “ادلب هي إحدى الفرص لإعادة تحديد استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب”.(7)
5. يستغل الجولاني مرحلة الانتقال في الإدارة الأمريكية من (دونالد) ترامب إلى بايدن ليعيد طرح نفسه؛ فالإدارة الجديدة بدأت ببناء استراتيجية سياسية تخص سوريا، وربما شجَّع تعيين روبرت مالي للملف الإيراني الجولاني على الإطلالة الجديدة (الصورة التي ظهر فيها إلى جانب الصحفي الأمريكي مارتن سميث)، إذ إنه في ظل رئاسة روبرت مالي لمجموعة الأزمات الدولية أُجريت أول مقابلة مع الجولاني وتم نشرها في موقعها الرسمي، وهي مقابلة قدَّمت الجولاني باعتباره شخصاً مختلفاً كلياً عن زعيم مجموعة إرهابية كما كان يُصوّر دائماً من قبل.(8)

الأهداف والتصورات والتقديرات

يتمثَّل الهدف المركزي من وراء هذه التحولات في تجديد هوية حركة “هيئة تحرير الشام” وإعادة تعريفها بوصفها حركة سورية تهتم بقضية التحرر الوطني المرتبطة في هذه المرحلة بمحاربة الاحتلالين الروسي والإيراني، ولم يعد يعنيها “الجهاد العابر للحدود”؛ فتلك مرحلة كانت لها ظروفها وسياقاتها التي انتهت إلى غير رجعة، وفقاً لهذا.

ويرتبط بهذا الهدف هدف آخر يتمثل بإعادة صياغة خريطة التنظيمات الموصوفة بالإرهاب، للحصول على الشرعية أولاً(9)، ثم الحصول على دور مؤثر في تسوية الأزمة السورية ثانياً، أي الدخول في المعادلة السياسية، أما الآليات التي تتبعها الهيئة لتحقيق هذا الهدف فتتمثل في الالتزام بالاتفاقيات الدولية المبرمة بين تركيا وروسيا حول منطقة ادلب، وعدم الدخول في الإشكاليات الدولية.

ويحاول الجولاني تعزيز هذا السياق عبر طرح نفسه ضامناً للسلام وشريكاً في محاربة التطرف في شمال سوريا، من خلال محاربته تنظيم “القاعدة” من خلال فرعه السوري (حراس الدين)، فهو يقدم نفسه باعتباره ضامناً لبقاء المقاتلين الأجانب والجهاديين في ادلب تحت السيطرة، وبوصفه تنظيماً مفيداً في إطار الحرب على الإرهاب، إضافة إلى أنه سلطة محلية معتدلة يجب التنسيق معها في ادلب.(10)

وتُدرِك الهيئة أن الخسائر العسكرية الأخيرة وتقلص مساحات نفوذها في ادلب ضيّقت بدرجة كبيرة قدرتها على المناورة، فهي باتت تعمل تحت سقف التفاهمات التركية – الروسية، وهي غير نهائية ومؤقتة؛ وبالتالي، فإن أية معركة جديدة في شمال ادلب ستكون في عمق مناطق الهيئة، كما أن مثل هذه المعركة سيتم تصويرها على أنها معركة ضد الإرهاب وسيسعى نظام الأسد وروسيا إلى مثل هذه المعركة بحماس ولن تجد الهيئة من يطلب منهما وقف إطلاق النار حتى لو كان المدنيون هم الضحايا.(11)

وتتوقع الهيئة أن استمرارها قد يكون مرغوباً من قبل أطراف دولية مؤثرة، بسبب تعقُّد الصراع وتشابكه في سوريا وتحولها إلى مسرح للصراعات الدولية؛ وبالتالي، فإن إقدامها على إجراء تحولات تنظيمية جديدة قد يساعد تلك الأطراف على القبول بها وطرحها طرفاً معتدلاً، وبوصفها فاعلاً محلياً مؤثراً يصعب الاستغناء عنه في إدارة منطقة تعجّ بالمتطرفين. وثمة تصور لدى الهيئة أنها باتت على عتبة تحقيق القبول الدولي بها، ويسند هذا التصور استتباب الوضع الأمني والتنظيمي للهيئة في ادلب، وأن السياسة الواقعية تستلزم الاعتراف بها، بعد التغيرات التي أجرتها في مواقفها وسلوكها.

وتُراهِن الهيئة على تبدُّل أولويات المجتمع الدولي لصالح محاربة الجماعات المتطرفة، وفرض نفسها كجزء من التفاهمات في المنطقة، بالإضافة إلى رهانها على قدرتها على ضبط الفضاء الجهادي وتقديم نفسها كضابط وحيد له، وهي وظيفة تسعى لها الهيئة في هذه المرحلة، وحل مشكلة المقاتلين الأجانب التي تبدو أعقد عنصر في قضية الجماعات المتطرفة.(12)

إلى أي مدى تستطيع الهيئة تحقيق أهدافها؟

بالرغم من محاولة الهيئة الظهور بمظهر القوّة الأساسية في شمال سوريا وإبراز قدرتها على إدارة الملفات العسكرية والاقتصادية والإدارية والأمنية، إلا أنها تعيش مرحلة تخبُّط وضعف واضحة للعيان، خاصةً أن سلوكها يندرج في سياق تحولات تنظيمية تكتيكية لا تمت بأي صلة للإيديولوجية ومراجعاتها، وضمن سياق رهانات مستقبلية غير مضمونة النتائج. ففي الوقت الذي تحقق فيه الهيئة مكاسب شكليّة، إلا أنها وخلال تلك التحولات تفقد بعض أوراقها تدريجياً.(13)

تكشف المعطيات عن تراجع كبير في قدرات الهيئة انعكاساً لتراجع نفوذها بعد خسائرها المتتالية في مواجهة النظام والميليشيات الإيرانية، كما شكّل انشقاق مجموعات كبيرة منها إضعافاً لقدراتها، وخاصة أن المنشقين أغلبهم من المقاتلين الأجانب أصحاب الخبرة القتالية العالية والذين كانت تعتمد عليهم الهيئة في أغلب حروبها ضد الفصائل الأخرى، كما يخصم التمدّد التركي داخل ادلب من رصيد نفوذ الهيئة وينذر بالمزيد. وتطرح التحولات الجارية التساؤل حول تأثير هذه التحولات على بنيتها الداخلية، والقدرة على ضبط التيارات المتشدّدة داخلها.

استطاعت الهيئة تجاوز محطات صعبة، خلال المراحل السابقة، بدءاً من خروجها من عباءة تنظيم “داعش” ومبايعة تنظيم “القاعدة” ثم فك الارتباط عنها، والتحول من “جبهة النصرة” العابرة للحدود إلى “جبهة فتح الشام” ذات البعد المحلي، ومن ثم تأسيس “هيئة تحرير الشام”، وفي جميع هذه المراحل كانت تواجه باعتراضات ورفض من قبل كوادر متشددة، وخاصة من قبل العنصر الأجنبي، إلا أنها استطاعت البقاء والاحتفاظ بقوتها.(14) وساعدها في ذلك قدرتها على مد نفوذها خارج الدور العسكري، من خلال تأسيس حكومة الإنقاذ، والسيطرة على المعابر وشبكات الطرق، بالإضافة إلى تحولها إلى القوة رقم واحد بعد قضمها الكثير من الفصائل والمنظمات في شمال سوريا.

وبرغم حاجة الهيئة، بوصفها تنظيماً جهادياً سلفياً، في بعض القرارات المفصلية إلى تبريرات شرعيّة، لضبط الصف العقائدي لمقاتليها وإقناعهم بأي تحول، إلا أن التحولات التي طرأت في الأعوام الماضية على التنظيمات الجهادية وتحولها من المركزية العابرة للحدود إلى المحلية والنزوع نحو التوطين لتتمكن من التأثير المحلي وضمان وجود قاعدة شعبية لها، يشكل الإطار لأي تحوّل محتمل.(15)

العقبات التي تعترض طريق الهيئة

تؤشر المعطيات المتوافرة إلى احتمالية مواجهة الجولاني العديد من العقبات في استكمال مسار صناعة التحولات في سلوك الجبهة، بعضها داخلي وبعضها الآخر يتعلق بموقف الأطراف الخارجية، وخاصة الولايات المتحدة:

داخلياً، تضم الهيئة تياراً متشدّداً يبدو أنه غير منسجم مع التحوّلات التي يجريها الجولاني، فقد كان لافتاً تصريحات القاضي الشرعي والعسكري البارز فيها، يحيى بن طاهر الفرغلي، المعروف بـ “أبي الفتح الفرغلي”، على قناته في “تلِغرام” والذي شدّد على ثوابت لا يمكن التنازل عنها، مؤكداً أنها ثوابت قادتها وجنودها وشرعييها على حد سواء. وحدَّد الفرغلي عدة ثوابت هي تحكيم شرع الله وإعلاء كلمته، وحماية أهل السنّة والجماعة، واتباع وسيلة الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله وتحكيم شرعه، وعدم رهن قرارهم بيد غيرهم. وقال الفرغلي إن من “ثوابت تحرير الشام عدم سلوك الطرق المنحرفة كالبرلمانات وما شابه من أجل تحقيق هذا الهدف، وعدم إعطاء الدنية في ديننا كالموافقة على حكم ديمقراطي أو علماني والذي لا يختلف أهل العلم بالدين أنه ردة وخروج عن دين الله وشرعه”.(16) واعتبر بعضُ المراقبين تصريحاته مؤشراً على بدء ظهور الخلاف داخل الهيئة، ويقود التيار الفرغلي على عكس ما يعمل الجولاني لإخراج الهيئة من دائرة التصنيف الإرهابي.

خارجياً، توجد شكوك كبيرة حول إمكانية ثقة الولايات المتحدة بالخطوات التي تقوم بها الهيئة لرفعها من قوائم الإرهاب، ولا يمكن أن يزول التشكيك بارتباطات الهيئة، والأرجح أن قبول الولايات المتحدة مناقشة إعادة تصنيف الهيئة لا ترتبط بمجرد تحقيق تغييرات في السلوك والخطاب، بل يحتاج إلى مبررات وحجة قوية، أي بإجراء تغييرات جوهرية في البنية والتنظيم والخطاب.(17) وما يؤكد ذلك إعادة الخارجية الأمريكية التذكير بالمكافأة التي أعلنت عنها في وقت سابق، لمن يدلي بمعلومات عن زعيم الهيئة، أي الجولاني.

استنتاجات وتوقعات

تحاول “هيئة تحرير الشام”، بقيادة الجولاني، الانتقال من وضعها كطرف موسوم بالتطرف والإرهاب إلى حركة وطنية تسعى إلى تحرير سوريا من الاحتلالين الروسي والإيراني، حسب وصف الجولاني. ويعتقد قادة الهيئة وجود فرصة دولية مواتية تساعدهم على تحقيق هذا الانتقال، غير أن الواقع ليس بالشكّل الذي يتم تصويره، خاصة في ظل وجود تيار داخل الهيئة يرفض هذه التحولات، وعدم اقتناع القوى الدولية بالإجراءات التكتيكية التي تقوم بها الهيئة، وهذا يضع الهيئة في مواجهة جملة من الاحتمالات:

الاحتمال الأول: إدماج الهيئة، بعد إنجاز تحوّلها إلى حركة معتدلة، ضمن إطار هيكلة جديدة تعمل عليها تركيا تشمل “الجيش الوطني” و”هيئة تحرير الشام”، وتفيد معلومات صادرة عن المعارضة السورية عن اقتراب تشكيل مجلس عسكري موحد، يجمع الطرفين المذكورين، بعد أن يتم تحويل فصائل محافظة ادلب إلى ألوية عسكرية يبلغ عددها 34 لواءً، تتبع بشكل مباشر المجلس العسكري الذي يقوده مندوبون عن “تحرير الشام” و”الوطنية للتحرير”، والهدف إيجاد مخرج لحل معضلة الهيئة ونزع الذرائع الروسية من اجتياح ادلب وتوحيد القرار العسكري في المنطقة.(18) وبرغم أن ارتباط الهيئة بالقرار التركي يحوّلها إلى طرف هامشي ضمن إطار يجمع عشرات الفصائل وأيضاً برغم وجود معارضة ضمن قيادات الهيئة التي ذهبت إلى تصوير الأمر على أنه مجرد غرفة عمليات للتنسيق بين الأطراف العديدة في ادلب وليس انخراطاً ضمن مجلس عسكري موحد، إلا أن ثمة مؤشرات على جدية الجولاني في السَّير بالمشروع إلى آخره، نتيجة وقوعه تحت تأثيرات تركية – قطرية تسعى إلى إعادة صياغة المشهد السوري.(19)

الاحتمال الثاني: تفكُّك الهيئة إلى عدة فصائل، أو انشقاق مجموعات كبيرة وانضمامها إلى “حراس الدين”؛ فالهيئة نفسها عبارة عن تجمع لفصائل، كما أنها تنطوي على تيارات متعددة، ولا يزال بعضها يحمل “الفكر القاعدي”، وخاصة الأجانب الذين لا يزالوا يشكلون رقماً كبيراً داخل صفوف الهيئة. ومثل هذا الاحتمال يظل ممكناً، خصوصاً إذا تأخرت الاستجابة الدولية لقبول الهيئة كطرف وطني، فمن شأن هذا الوضع تشجيع التيارات المتشدّدة داخل الهيئة على رفض محاولات الجولاني، إضافة إلى احتمال قيام الجولاني بتقديم تنازلات جديدة من أجل إدماجه ضمن الهياكل التي تعمل تركيا على هندستها في الشمال السوري.

الاحتمال الثالث: القضاء على الهيئة عبر عملية عسكرية تقوم بها روسيا، أو الفصائل التي تتبع تركيا، وبرغم أن الحرب في ادلب باتت صعبة نتيجة التوافقات الروسية – التركية، إلا أنه من غير المحتمل استتباب الأوضاع نهائياً على هذه الحالة، إذ قد تسعى روسيا إلى تحريك المعطيات في ادلب من خلال قضم مناطق جديدة، خاصة أن قيادة حميميم تتحدث بشكل يومي عن تجاوزات للهدنة تقوم بها الهيئة ما يعني أن الذريعة موجودة دائماً، هذا من جهة أولى. ومن جهة ثانية، باتت تركيا تملك عدداً كبيراً من التجهيزات والعناصر تسمح لها بخوض حرب ضد الهيئة، في حال لم تتوافق مع خططها في شمال سوريا، كما أن مواقع الهيئة وأماكن وجودها باتت محاصرة من قبل القوات التركية.

المراجع:

(1) لقاء الجولاني بإعلاميين غربيين.. الدلالات والأهداف. مركز جسور للدراسات. 8/2/2021.
(2) الجولاني يستعد لـ “مرحلة بايدن”.. البقاء على قيد الحياة. النهار العربي. 26/11/2020.
(3) أبرز النقاط التي تعرّض لها قائد تحرير الشام “أبو محمد الجولاني” خلال حواره مع “مجموعة الأزمات الدولية”. شبكة إباء الإخبارية. 23/2/2020.
(4) عرابي عبد الحي عرابي، سلطة البقاء أولاً.. ماذا وراء ظهور الجولاني الأخير؟ تلفزيون سوريا. 6/2/2021.
(5) الجولاني يستعد لـ “مرحلة بايدن”. مرجع سابق.
(6) المصدر السابق.
(7) “مجموعة الأزمات الدولية” تنصح إدارة بايدن بإعادة النظر في تصنيف “تحرير الشام”. عنب بلدي. 4/11/2014.
(8) رامز الحمصي. ببدلة أنيقة وشعر مصفف.. لماذا غير الجولاني شكله؟ ساسة بوست. 4/2/2021..
(9) رابحة سيف علام، وأحمد كامل البحيري، هيئة تحرير الشام: تحوّلات الاسم والدور وتلميع الصورة. مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. 11/2/2021.
(10) رامز الحمصي. ببدلة أنيقة وشعر مصفف. مصدر سابق.
(11) عرابي عبد الحي عرابي. هل نشهد تغييراً في استراتيجية القاعدة في سوريا؟ تلفزيون سوريا. 1/3/2021.
(12) الهيئة واعادة تشكيل الفضاء الجهادي.. ترتيبات داخلية ورسائل خارجية. مركز عمران للدراسات الاستراتيجية. 27/6/2020.
(13) المصدر السابق.
(14) المصدر السابق.
(15) عبد العزيز مطر، هيئة تحرير الشام: المستقبل واحتمالات التفكيك. المركز الأوروبي لدراسة مكافحة الإرهاب والاستخبارات. 10/6/2020.
(16) قيادي بارز في ” تحرير الشام” يطلق تصريحات صادمة بشأن شكل الحكم في سوريا. أورينت نت. 4/3/2021.
(17) لقاء الجولاني بإعلاميين غربيين.. الدلالات والأهداف، مصدر سابق.
(18) مجلس عسكري في ادلب لإنهاء الحالة الفصائلية. مركز جسور للدراسات. 4/3/2021.
(19) عبدالله سليمان علي. قطر تستعيد دورها في المشهد السّوري من بوابة الائتلاف. النهار العربي. 4/3/2021.

المصدر: مركز الإمارات للسياسات

مصدر الصور: عنب بلدي – الخليج أونلاين.

موضوع ذا صلة: تحرير إدلب: عنوان رئيسي لمرحلة سياسية سورية جديدة


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •