شارك الخبر

إعداد: يارا انبيعة

 

إثر تراكم العديد من المشكلات السياسية والاقتصادية، شهد اقليم كردستان مظاهرات واحتجاجات مفاجئة هي الاقوى، مقارنة مع الاحتجاجات الاخرى التي حدثت خلال سنوات سابقة، اذ وصلت الى مقرات حزب “الاتحاد الوطني الكردستاني” في محافظة السليمانية ومدن اخرى. على ما يبدو، لم تكن هذه المظاهرات عشوائية وإنما مخطط لها بعناية، حيث استهدفت مقار الأحزاب الكبرى في المدينة مثل “الحزب الديمقراطي الكردستاني”، و”الاتحاد الوطني الكردستاني”، و”حركة التغيير”، و”الجماعة الإسلامية”.

السبب الاول لهذه المظاهرات كان المطالبة بالرواتب المتأخرة لاعداد هائلة من الموظفين والمتقاعدين من مواطني الاقليم؛ اما السبب الثاني فيكمن في الدعوة الى تنحي حكومة الاقليم الحالية، وتشكيل حكومة انتقالية، او ما يسمى بـ “حكومة انقاذ وطني”، تهيئ لإنتخابات برلمانية ورئاسية في الاقليم تحت اشراف ورعاية الحكومة الاتحادية وجهات دولية محايدة، كمنظمة الامم المتحدة.

وكانت موجة الاحتجاجات قد خلفت عدداً من القتلى وعشرات الجرحى، بعد استخدام قوات الأمن للقوة لفض المظاهرات، وفرضها إجراءات أمنية مشددة في السليمانية، حيث شنت حملة اعتقالات كبيرة في صفوف المتظاهرين.

التظاهرات حق مشروع

قال برهم صالح، رئيس تحالف الديمقراطية والعدالة، ان “التظاهرات المدنية والسلمية حق مشروع للمواطنين من اجل اظهار سلطة عادلة وتحسين الاوضاع المعيشية لهم”، واضاف صالح إن “على السلطات والاجهزة الامنية في اقليم كردستان المحافظة على سلمية التظاهرات بشكل قانوني ومنعها من تحويل مسارها الى العنف واحراق المال العام فيها”.

كما اشار صالح أن “الحل الوحيد لمشاكل المواطنين في اقليم كردستان والازمة السياسية فيه، هو اجراء انتخابات نزيهة والعودة الى قرار الشعب لتسليم السلطة بشكل ديمقراطي وسلمي.”

اضرابات لتحقيق المطالب

نظم أصحاب المحال تجارية بمدينة كلار جنوب السليمانية، اضراباً عاماً إحتجاجاً على الاوضاع في إقليم كردستان، فيما اكدوا أن الإحتجاجات ستستمر بكافة الاشكال للضغط على حكومة الاقليم لإجراء الاصلاحات. وقال المشرف على عملية الإضراب، آرام ملا نوري، إن “أصحاب المحال التجارية في مدينة كلار، بدأوا بإضراب عام في كافة الاسواق التجارية بالمدينة، إحتجاجاً على الاوضاع في إقليم كردستان”.

وأضاف نوري أن “اجراء الاضراب في مختلف القطاعات جاء بهدف الضغط على الحكومة”، لافتاً الى أن “عملية الاضراب ستستمر لحين إستجابة الحكومة لمطالب المواطنين”. وتابع نوري أن “أهالي مدينة كلار قرروا إجراء الاضراب العام بدلاً من المظاهرات التي قد تسفر عنها أعمال عنف أو إعتقالات”، لافتاً الى أن “إجراء الاضراب سيؤثر بشكل أكبرعلى الحياة العامة لإخضاع السلطات لتنفيذ مطالب المواطنين.”

“الهروب الى الامام”

أحرجت هذه المظاهرات الشعبية القوى السياسية، التي تتحمل تبعات ما وصلت اليه الامور في الإقليم، فحاولت بعض تلك القوى الهروب للإمام والانسحاب من العملية السياسية داخل الإقليم لإحراج حزب مسعود البرزاني والحفاظ على شعبيتهم في الشارع الكردي، حيث استقال رئيس مجلس نواب كردستان يوسف محمد من منصبه، فيما ألقى مجلس أمن الإقليم اللوم على حكومة بغداد، وأكد أنها “تتملص من الحوار وتسعى من خلال الهجوم العسكري والسياسي لتقويض تجربة كردستان لذا ينبغي توحيد الموقف وتوجيه التظاهرات السلمية بهذا المنحى.”

مؤامرة وأيادٍ خارجية

حذر مسؤولون في إقليم كردستان من “مؤامرة خارجية” هدفها دفع الحكومة الاتحادية إلى التدخل عسكرياً، إذ أعلن الناطق بإسمها، سعد الحديثي، بالقول أنها “تراقب الوضع عن كثب”. كما اتهم رئيس حكومة إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني “أياد خفية” بتحريف الاحتجاجات ضمن مؤامرة لإحداث أعمال فوضى، وأكد قدرة حكومته على الاستمرار في دفع رواتب الموظفين، فيما دعت الحكومتان الأمريكية والإيرانية رعاياهما في كردستان إلى الحذر وعدم الاقتراب من مناطق الاحتجاج.

وقال بارزاني عقب اجتماع طارئ لحكومته، إن “التظاهر حق مكفول، وليس خلق الفوضى وإحراق المباني والممتلكات العامة والحزبية”، وأضاف أن “أيادي خفية تحاول إحداث الفوضى وتقويض الأمن والاستقرار في كردستان في مؤامرة أكبر من أن يتصورها أحد، إذ هناك جهات تدعم هذه الفوضى للنيل من الإقليم، لكننا والجهات المعنية سنواجهها بصرامة”.

من جهته أكد الناشط السياسي، صلاح الدين محمود، أن هناك ما يكفي من الدلائل التي تؤكد أن المظاهرات والاحتجاجات مدفوعة الثمن ودوافعها مشبوهة، لافتاً إلى أنها لا تخدم كردستان أو الأكراد. وقال محمود “لدينا كل الحق في أن نشك في مصداقية القائمين على تلك المظاهرات، وإن كانت مقبولة من ناحية المبدأ.”

ضغوط حزبية لتنفيذ الاصلاحات

أمهل حزب الاتحاد الإسلامي الكردستاني، المشارك في الحكومة الائتلافية في إقليم كردستان بشمال العراق، الحكومة 20 يوماً لإجراء إصلاحات من شأنها أن تمكنها من صرف رواتب الموظفين وتخفيف أعباء الأزمة الاقتصادية والسياسية الراهنة. وقال القيادي في الحزب، هادي علي، إنه “بعد أيام من المشاورات والاجتماعات المكثفة، توصلت القيادة إلى قرار إعطاء حكومة الإقليم مهلة حتى منتصف الشهر المقبل لتنفيذ برنامجها الإصلاحي واتخاذ إجراءات من شأنها تسهيل صرف رواتب الموظفين وتخفيف معاناة الناس من الأزمة الاقتصادية”.

وأرجع علي سبب تهديد الحزب بالانسحاب من الحكومة إلى “وضع الحكومة تحت الضغط لاتخاذ إجراءات عملية عاجلة لإنهاء الأزمات”، ونفى الحزب، الذي يحتل عشرة مقاعد في البرلمان ويشارك في الحكومة بثلاثة وزراء، ان يكون له أية علاقة بالانتخابات التي من المؤمل أن تجري في الإقليم خلال ثلاثة أشهر.

وكان حزبا حركة التغيير، 23 مقعداً، والجماعة الإسلامية، 6 مقاعد، قد أعلنا انسحابهما من الحكومة الائتلافية، كما صرحت مصادر بحركة التغيير، “كوران”، بأن الحركة الكردية المعارضة البارزة سحبت وزراءها من حكومة إقليم كردستان العراق وقالت إن يوسف محمد، العضو بالحركة، استقال من منصبه كرئيس لبرلمان الإقليم.

رسالة “مزدوجة”

اضافة الى ما سبق، حذرت حركة التغيير الكردية، حكومة العبادي في بغداد من مغبة اهمال ملف اقليم كردستان دون ايجاد حلول جذرية، مشيرة إلى أن كردستان تتعرض الى مؤامرة خارجية ستعكس على واقع بغداد في حال استمرارها. وقالت عضو الحركة، تافكة احمد، إن “الحكومة الاتحادية مطالبة بالإسراع في إيجاد حلول جذرية لأزمة موظفي اقليم كردستان لإنهاء مؤامرة خارجية تحاك ضد الإقليم.”

واضافت احمد ان “استمرار الأوضاع على ما عليها في الإقليم سيؤدي الى كارثة ستؤثر حتماً على بغداد بسبب سوء ادارة حزبي الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني”، موضحة أن “تشكيل حكومة انقاذ وطني امر صعب للغاية كون الاحزاب المعارضة لا تملك الأغلبية في برلمان الإقليم، وعسكرياً بسبب هيمنة الاتحاد والديمقراطي على جميع الالوية العسكرية.”

في المقابل، طالب المرجع الديني، محمد تقي المدرسي، المسؤولين في العراق بـ “الهرع” لمساعدة إقليم كردستان، وفيما رفض الرد بالقوة على المتظاهرين دعا إلى “اسعي لاحتواء الموقف”، وقال المدرسي “إننا نهيب بالمسؤولين في العراق لكي يهرعوا إلى مساعدة إخواننا في الإقليم وذلك أولاً بالمساعدة لحل القضايا العالقة بين الإقليم والعاصمة، وثانياً بإصلاح ذات البين لكي لا تتحول المظاهرات المطلبية إلى شرخ كبير يضر بالسلم الأهلي ليس بالإقليم وحده وإنما في العراق كله.”

وأضاف المرجع المدرسي “نذكر المسؤولين في الإقليم بأن الدستور العراقي يكفل حق الناس في التظاهرات السلمية، وهكذا فإن أي استخدام للقوة ضد المتظاهرين مرفوض جملة وتفصيلاً”، مشيراً الى أن “الزلزال المؤسف الذي أصاب الإقليم بسبب الاستفتاء الذي لطالما حذرنا منه كما حذر منه كل الحكماء، ما يزال يتسبب بإرتدادات مزعجة وعلى الجميع أن يتمتع بسعة الصدر والصبر لاحتواء الموقف.”

قنديل و”النأي بالنفس”

أعلن حزب العمال الكردستاني عن مؤتمر، ضم خمسة مناطق في قنديل داخل حدود إقليم كردستان العراق وهي بالييان وناودشت وسوردى وقلاتوكا وماردوو، حضره حوالي 300 شخصية سياسية. وفي بيان صادر دعا الحزب إلى ضرورة أعمار إقليم قنديل والشروع بإنتخاب مجلس له، فيما أكد أحد المشاركين في المؤتمر، أن على إدارة الإقليم أن تنأى بنفسها عن أي مشكلات مع حكومة إقليم كردستان وان تحترم القوانين، لافتاً إلى أن أهالي سفوح قنديل سينتخبون بأنفسهم ممثليهم في إدارة الإقليم الجديد.

من هنا، يرى مراقبون إن خطوة حزب العمال الكردستاني هذه تأتي بالتزامن والترابط مع المظاهرات التي تشهدها عدة مدن في إقليم كردستان ضد الحكومة، مشيرين إلى ارتباط كبير بين الأحـداث الداخلية مؤكدين وقوف إيران وراء جميع التهديدات ضد إقليم كردستان. في المقابل، لم يصدر أي رد أو توضيح من حكومة إقليم كردستان أو من طرف الأحزاب السياسية الكردستانية بخصوص خطوة حزب العمال الكردستاني هذه.

“ارحل”

من جهته أشار الصحافي العراقي، عادل الجبوري، الى انه ومن غير الصحيح المرور على مفردة “ارحل”، التي رفعها المتظاهرون الاكراد، مروراً عابراً، بل ينبغي التعاطي معها على انها رسالة بليغة وعميقة لمن يعنيهم الامر، وهي تمثل مرحلة متقدمة تنطوي على صراحة اكبر في تشخيص الواقع والتعبير عن المطالب.

الحاجة الى وحدة وطنية

أعلن قائمقام قضاء الخالص في محافظة ديالى، عدي الخدران، عن انطلاق تظاهرة سلمية وسط القضاء لرفض استفتاء كردستان العراق، وقال الخدران ان “المئات من اهالي قضاء الخالص خرجوا في مركز القضاء، لرفض استفتاء كردستان”، مبيناً ان “المتظاهرين رفعوا لافتات تدعو للوحدة الوطنية”.

واضاف الخدران ان “التظاهرة شاركت بها كل اطياف الخالص وعشائرها لتعكس وعي خطورة الاستفتاء وابعاده الخطيرة على الامن والاستقرار”، ويذكر ان بعقوبة شهدت، تظاهرة سلمية مماثلة لرفض استفتاء كردستان العراق سابقاً.

“حقوق الانسان” والصمت المطبق

استغربت النائب عن ائتلاف دولة القانون، زينب الخزرجي، الصمت المطبق من قبل لجنة حقوق الانسان ومنظمات المجتمع المدني عما يحصل من “انتهاك صارخ” لحقوق الانسان من استخدام للقوة واعتقال للمتظاهرين السلميين في محافظة السليمانية من قبل قوات البيشمركة والاشايس. وقالت الخزرجي في بيان “أن “التظاهرات حق طبيعي كفلة الدستور وقد خرج شعبنا الكردي للمطالبة بحقوقة المسلوبة من قبل حكومة كردستان وهم يعانون تدهوراً اقتصادياً ومعيشياً ولم تقدم لهم حكومة كردستان شيئا”.

واضافت ان “استفتاء كردستان وفشله اوصل الامور الى ما هي عليه اليوم من تدهور بجميع القطاعات في الاقليم الامر الذي دفع الشعب الكردي بالخروج والمطالبة بحقوقة التي لم ينلها منذ عدة سنوات وها هي التظاهرات خرجت للمطالبة بحقوقهم المسلوبة.” وتابعت الخزرجي أن “على الحكومة الاتحادية ان تطبق الدستور والقانون وتحمي المتظاهرين العزل من بطش قوات البيشمركة كما فعلت وطبقت الدستور عندما قامت حكومة الاقليم وجرت الاستفتاء”، موكدة ان “اي اعتداء على المتظاهرين انما هو اعتداء على الجميع لذلك نأمل من الحكومة الاتحادية ان يكون لها دوراً فاعلاً في حماية المواطنين في الاقليم على اعتبار انه حق طبيعي لهم كفله الدستور والقانون ولايمكن لأي جهة ان تتجاوز عليهم.”

الحل بالحوار

من جهته دعا النائب عن كتلة الاتحاد الوطني الكردستاني، ريبوار طه، الحكومة الاتحادية إلى المبادرة بالحوار مع حكومة إقليم كردستان، لحل الخلافات بين الطرفين، محذراً من التداعيات الخطيرة في حال عدم الجلوس على طاولة الحوار. وقال طه إن “الجميع اليوم مسؤول عن حل الخلافات وتحمل المسئولية الكاملة، حيث أصبح الحل الآن في يد الحكومة الاتحادية ورئيس الوزراء للقبول بمبادرة رئيس الجمهورية الخاصة بحل الخلافات مع أربيل والجلوس على طاولة حوار واحدة، ومناقشة الكثير من الملفات العالقة منذ 13 عاماً.”

كما حذر طه من أن عدم الجلوس على طاولة الحوار سيجعل المشاكل تزداد تعقيداً، وستكون هناك تداعيات خطيرة على الساحة السياسية، مضيفاً “إذا أردنا بناء بيئة جيدة لإنتخابات مقبلة يشارك فيها الجميع فعلينا البدء بالحوار منذ الآن.”

وختاماً، وفي نظرة دقيقة لمجمل تفاعلات المشهد الكردي الراهن، يمكن التوصل الى استنتاج مفاده، ان الخيارات التي كانت مجدية قبل ثلاثة اشهر، لم تعد كذلك، وان الحلول الترقيعية قد تفضي الى احتواء التأزم، واستعادة الهدوء، الا ان ذلك الاحتواء والهدوء لن يدوم طويلاً، فلم تعد القضية ترتبط بإلغاء الاستفتاء، ولا بصرف استحقاقات الاقليم، ولا بإنطلاق الحوار بين بغداد واربيل.

مصدر الاخبار: وكالات

 

مصدر الصور: الجزيرة مباشر – موقع النجاح الإخباري – اسرار ميديا


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •