شارك الخبر

بدايةً في هذا المقال، أودّ أن أشير إلى أمرَين مهمَّين، أولاً: الثورة تقلب الموازين رأساً على عقب، وتُحدث تغييراً في شتّى مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومن هنا سُمِّيَت التغيرات الصناعية الكُبرى بالثورات.

ثانياً، التغيرات الكبيرة في حياة البشرية ارتبطت بتغيرات أنواع الطاقة المُستخدمة، إذ انتقل الإنسان من طاقته العضلية إلى تسخير الحيوانات، ثم استخدم طاقة الرياح والطاقة الشمسية والمائية في بعض المجالات، ثم انتقل إلى الطاقة البخارية مع استخدام الفحم، ثم انتقل للكهرباء، ثم للنفط والغاز، ثم للطاقة النووية، ثم عاد الآن إلى الطاقة الشمسية والرياح، ولكن لتوليد الكهرباء، بدلاً من استخدامها المباشر في الملاحة.

وتمثّلت الثورة الصناعية الأولى – التي حصلت في القرن الـ 18 وجزء من القرن الـ 19 – في تحوّل أغلب الطاقة من الحيوان والجهد العضلي للإنسان إلى الطاقة البخارية والميكانيكيّة التي تحرّك وتدير الآلات والمعدّات، الأمر الذي غيّر شكل المجتمعات الأوروبية للأبد، ونقلها من مجتمع زراعيّ متخلّف تحكمه علاقات اجتماعية معينة بين المالك والمزارع إلى مجتمعات صناعية متحضرة تحكمها علاقات اجتماعية جديدة ونظم سياسية جديدة. وكان من أهمّ مظاهرها القطارات والسفن البخارية، وهذا ما ساعد على انتشار السكك الحديدية بصفتها بنية تحتية أساسية للمواصلات.

في حين تمثّلت الثورتان الصناعيتان الثانية والثالثة – اللتان حصلتا في أواخر القرن الـ 19 وأوائل القرن الـ 20 – في أمرين، استخدام الكهرباء وخطوط الإنتاج التي أسهمت في القدرة على الإنتاج بكَميات كبيرة، حيث ساعدت الدول الصناعية التي مرّت بالثورة الأولى على تحسين أوضاعها الاقتصادية بشكل كبير، وبرزت خلالها اختراعات عديدة غيّرت من حياة البشرية، مثل الكهرباء، والمصباح الكهربائي، والسيارات، والهاتف.

وبعد هذا التمهيد نشير إلى أثر الثورة الصناعية الرابعة في صناعة النفط، وليس الحديث عن الثورة الرابعة وصفاتها وخصائصها ونتائجها.

وفي الواقع أننا ما زلنا في بداية الطريق، وما نعرفه حتى الآن عن آثار “الثورة الصناعية الرابعة” ما هو إلا بداية الطريق، ويهدف تبنّي صناعة النفط للثورة الصناعية الرابعة إلى استمرار دورها التقني الرائد، وتحسين كفاءة الأداء. ويمكن إجمال ما نعرفه من آثار في صناعة النفط، فيما يلي:

1. سيُسهم تبنّي تكنولوجيا الذكاء الأصطناعي في تحسين الكفاءة وتخفيض التكاليف بكلّ أجزاء الصناعة من محاولات الاستكشاف المبدئية إلى التكرير وتوزيع المنتجات النفطيّة للاستخدام النهائي.

2. تبني تكنولوجيا سلسلة الكتل التي تستخدم الآن في العملات الرقمية في حل مشاكل كثيرة في كل أجزاء الصناعة وبكفاءة عالية، فهذه التكنولوجيا ستُمكّن الشركات من تتبّع شحناتها في كل مكان، وستنظّم المخزون بشكل أفضل، كما أنها ستحوّل العقود التقليدية بين المورّدين والمنتجين والموزّعين والمُستهلكين إلى عقود ذكية، تتأقلم مع تغيّر الأوضاع والأحوال.

3. تبنّي تكنولوجيا البيانات الضخمة وتحليلها في أمور كثيرة، بعضها لا يمكن تخيّله الآن، ولكن ما حصل حتى الآن أدّى إلى تحسين الكفاءة بشكل كبير.

4. ستمكّن تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة من تحسين عمليات الحفر والإنتاج بشكل كبير، بحيث يمكن مراقبة كل شيء لحظياً وتوقع المشكلات قبل أن تقع، ويمكن تغيير اتجاهات الحفر مع الحصول على البيانات لحظياً من باطن الأرض، أو استخدام الطريقة المُثلى للحفر. في الماضي، كان يجري الحفر ويستمر حتى يتبيّن الخطأ بعد أيام.

5. كما أنها تمكّن من مراقبة عمليات الحفر والإنتاج وتدفق النفط والغاز في الأنابيب عن بُعد، الأمر الذي يخفض التكاليف بشكل كبير، بخاصة في المناطق النائية أو في المناطق البحرية البعيدة، وهذا يصبح أكثر أهمية في أوقات الأعاصير والكوارث.

6. من فوائد تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة أنها تمكّن الشركات من مراقبة عمليات تثقيب الأنابيب لإجراء عمليات التكسير الهيدروليكي بشكل أفضل، لأن كفاءة هذه الثقوب ما زالت منخفضة، الأمر الذي يعني مزيداً من الإنتاج من المعدّات ذاتها وبالتكاليف نفسها.

7. ستساعد هذه التكنولوجيا في تنظيم عمليات الصيانة حسب المتطلبات وفقاً لما تُظهره البيانات الآنيّة والتاريخية، وليس حسب جدول يقترحه المُديرون أو المهندسون، ما يخفّف التكاليف ويزيد من كفاءة الإنتاج والنقل.

8. لعل من أهمّ فوائد هذه التكنولوجيا تنظيم مخزون الآلات والمُعدّات وقطع الغيار وكل ما تستلزمه الصناعة، وهو أمر ينطبق على كل الصناعات وليس صناعة النفط فقط.

9. من فوائدها – أيضاً – توجيه ناقلات النفط والغاز المسال، بحيث تستفيد من التيارات المائية وأحوال الطقس لتخفيض استخدام الوقود، من جهة، وتقصير المسافات والحوادث، من جهة أخرى.

10. ستكون مصافي النفط من أكبر المُستفيدين من هذه التكنولوجيا، لأنها تتعامل مع المنتجين وأنابيب النفط من جهة، وتتعامل مع السوق ومتطلباته من جهة أخرى.

11. خفض الأثر البيئي السلبي لصناعة النفط والغاز، والإسهام في إبطاء التغيّر المُناخي.

المصدر: الراية القطرية.

مصدر الصورة: موقع الطاقة.

موضوع ذا صلة: تحسّن أسعار النفط: المُحفزات والانعكاسات على سياسات الدول المُنتجة

سعد عبدالله الكواري

خبير في النفط والغاز واستشراف مُستقبل الطاقة – قطر


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •