شارك الخبر

مركز سيتا

تخطّى هبوط الليرة التركية في سوق العملات الأجنبية حاجز “الذروة التاريخية” التي كانت قد بلغته قبل أيام، في مؤشرٍ يراه بعض خبراء الاقتصاد “خطراً”، لا سيّما بعد قرار البنك المركزي بخفض سعر الفائدة بنسبة 1%. فهل مرد ذلك ظروف العالم أجمع بسبب جائحة “كوفيد – 19″؟ أو البدء باستخدام الاحتياطات النفطية لكبرى الدول في ظل ارتفاع أسعار النفط عالمياً؟ أو السياسة الخارجية التركية التي جلبت خسائر كبيرة للداخل التركي؟

أسئلة كثيرة تراود المحللين والمتابعين معاً، في ضوء كون تركيا من إحدى الدول الصناعية المهمة عالمياً، بالإضافة إلى حالة الاستقرار الأمني التي تنعم به دوناً عن الكثير من دول الجوار، ومع ذلك تشهد فترة عصيبة من تدهور اقتصادها. فماذا يحدث هناك؟

قرارات سلبية

جاء قرار البنك المركزي بعدما قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أمام الكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية الحاكم إن “الحكومة عازمة على إزالة آفة الفائدة المرتفعة على عاتق شعبها”، وخسرت الليرة التركية هذا العام (2021) نحو ثلث قيمتها، مع توقعات الخبراء باستمرار هبوطها لتقفل عند 12 ليرة نهاية العام الجاري (2022).

ومع استمرار تراجع الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي، تطرح الكثير من الأسئلة نفسها حول قرار الرئيس التركي بخفض سعر الفائدة بإيجابياته وسلبياته وتأثير هذا الانخفاض على المستثمرين والحركة التجارية وإذا ما كانت أنقرة تتجه نحو أزمة اقتصادية حقيقية.

تأثير العوامل السياسية

يقول نائب رئيس منتدى الأعمال الدولي، غزوان المصري، إن “تركيا ليست بالدولة الصغيرة، فاقتصادها يندرج ضمن الدول العشرين الصناعية الكبرى في العالم، ويعتمد اقتصاد تركيا بشكل كبير على الصناعات الصغيرة والمتوسطة وقطاع الخدمات: السياحة والطيران والإنشاءات والعقارات.”

ويضيف المصري “كما أنه تُظهر العملة التركية حساسية تجاه الأزمات الخارجية، وخاصة الأزمات مع واشنطن في عدد من الملفات، وأي توتر في العلاقة بين أنقرة وواشنطن يؤدي إلى آثار سلبية على الاقتصاد التركي بشكل عام والليرة بشكل خاص، فأمريكا تحاول ليّ ذراع تركيا بتلاعبها باقتصادها والليرة التركية؛ ولكن العلاقات التركية – الأمريكية مهما تأثرت بهذه الأزمات المصطنعة، إلا أنها لا تدوم طويلاً لكون هناك وعي دولي بالدور الذي تلعبه أنقرة في أمن واستقرار المنطقة بكاملها”.

اتهام من المعارضة

رفض الرئيس أردوغان دعوات المعارضة لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، مؤكداً أنها ستجري في موعدها المقرر، يونيو/حزيران 2023، وجاءت تصريحاته تلك بعدما اتهمه قادة أحزاب المعارضة الرئيسية في البلاد، كمال كيليشتدار أوغلو وميرال أكشنير، بعدم الكفاءة ودعوا إلى إجراء انتخابات مبكرة على خلفية انخفاض قياسي في سعر صرف الليرة التركية.

في تكملة لما سبق، تعتبر المعارضة أن الرئيس أردوغان أصبح “مشكلة أمن قومي” للبلاد، وقال كليتشدار إن “أردوغان أصبح يتصرف كالفتوة، يظن أننا سنبتلع كلامه، ولكن الأمة لن تبتلع تصريحاتك، فالشعب يعرف جيداً ما أنت، وسيتخذون قرارهم عندما يحين الوقت. من الآن فصاعداً.. أنت تمثل مشكلة أمن قومي أساسية لجمهورية تركيا.”

يأتي ذلك في وقت تزداد فيه الصغوط على الرئيس التركي بسبب الانهيار المتواصل لليرة التركية، وسط احتجاجات بسبب التضخم وعدم قدرة التجار على بيع بضائعهم وسداد الايجار. في حين تلقي المعارضة باللوم على الرئيس لإجباره البنك المركزي على خفض سعر الفائدة.

خيار صعب

فتحت الخطوة التي أقدم عليها المصرف المركزي التركي بخفض سعر الفائدة باب نقاش وجدل واسعين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكان ملاحظاً بعد إصدار القرار تصدر وسم “#dolar” قائمة الترند التركي، على موقع التواصل “تويتر”.

وبينما اعتبر البعض أن الخفض من شأنه أن يزيد من تدهور سعر صرف الليرة في سوق العملات الأجنبية، وبالتالي الانهيار مجدداً، رأى آخرون أن ما أقدم عليه المصرف المركزي ذو فائدة من أجل كبح معدلات التضخم، والتقليل من أزمة البطالة التي تعيشها البلاد.

ما علاقة أردوغان بالتدهور؟

يرى بعض المراقبين أن تصريحات الرئيس أردوغان حول الاقتصاد التركي وسياسته المالية هي السبب الرئيس في هروب الأموال “الساخنة” من تركيا ومن ثم انخفاض القيمة الشرائية لليرة التركية، وهي تصريحات تجلّت أكثر ما تجلت في إعلانه بتوجهه الفترة القادمة نحو التحكّم بشكل أكبر في السياسة النقدية حال فوزه في الانتخابات – كما جاء في مقابلته مع وكالة “بلومبيرغ” الأمريكية – وادعاءاته المتكررة حول أسعار الفائدة بأنها “أصل كل الشرور”، رغم أن الأموال الساخنة – التي يعلم الرئيس جيداً أنها المصدر الأول لتمويل عجز الحساب الجاري – تأتي من أجل أسعار الفائدة في الأساس؛ لذا، وبعد مقابلته، انخفضت قيمة الليرة والسندات التركية في اليوم التالي مباشرة بسبب خوف المستثمرين مما قاله، ومن ثم ارتفعت مخاطر الائتمان.

واعتبر خبراء، أن الرئيس التركي نفسه، يمثل مشكلة رئيسية للاقتصاد التركي، من خلال “تدخلاته غير المحسوبة” في الاقتصاد، ومحاولته السيطرة على السياسة النقدية، ومعارضته رفع أسعار الفائدة، مما دفع المستثمرين للخروج من السوق التركي، وسط مخاوف من عدم قدرة الدولة على سداد التزاماتها لهم.

ويبدو أن البنك المركزي التركي، الذي يعاني من تدخلات الرئيس في السياسة النقدية، قد استشعر خطورة ما يحدث بعد تصريحات الرئيس، وكذا أردوغان نفسه. لذا سارع في اجتماع برفع أسعار الفائدة بنسبة 3% لتصل إلى 16.5%. كما خرج الرئيس التركي نفسه في خطاب متلفز ليطمئن المستثمرين متعهدا بإلتزام تركيا باحترام المبادئ العالمية للسياسة النقدية.

أخيراً، توجس كبير يعيشه الشارع التركي من واقع يبدو أنه فُرض عليهم فرضاً، خاصة بسبب السياسات الخارجية لرئيس البلاد الذي لا يزال يعتقد أنه سيقف ثمار تدخلاته الخارجية إن كان في ليبيا أو سوريا، أو حتى من خلال مقارعة الكبار كالولايات المتحدة وروسيا، الآن ينحو الرئيس أردوغان باتجاه الخليج مجدداً، إذ يبدو أن زيارة ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد آل نهيان، سيكون لها الأثر الكبير على تركيا إذ لغاية الآن تم التوقيع على 10 اتفاقيات على الأقل والعدد مرجح للازدياد، ما يعني أنه قد يحاول موازنة الوضع لكن عليه “الرضوخ” لشروط أبو ظبي في حال أراد تحقيق ذلك.

لكن مع الانفتاح الإماراتي مؤخراً، ثبت بعد توقيع اتفاقيات بمليارات الدولارات في مشاريع مختلفة، وتوجه سعودي نحو تركيا الآن، إلى جانب الإعلان عن وصول أول وفد سوري إلى تركيا، يبدو أن الرئيس التركي استطاع جزئياً السيطرة على الوضع الاقتصادي، لكن يبقى عليه تنفيذ الشروط التي ستسمح له بتحقيق النجاحات الاقتصادية وربما نجاحه في انتخابات العام 2023، وعلى رأسها الملف السوري.

وإلى أن يحدث ذلك، هل تستغل المعارضة التركي هذه الأوضاع لتنقلب على الرئيس وتذهب باتجاه الإعلان عن انتخابات رئاسية مبكرة، دون انتظار انتخابات العام 2023؟

مصدر الأخبار: سيتا + وكالات.

مصدر الصور: روسيا اليوم – فرانس برس.

موضوع ذا صلة: تهاوي الليرة التركية.. سياسات داخلية أم ضغوطات خارجية؟!


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •