شارك الخبر

يواجه قاطنو مخيمات اللجوء أو النزوح في منطقة الشرق الأوسط حزمة من الأزمات، التي تؤثر على استقرارهم “المؤقت” سواء داخل الدول مثل المخيمات العراقية في الموصل ومخيمات النازحين اليمنيين في إب، أو على الحدود بين الدول، لا سيما في شمال شرق وشمال غرب سوريا، وعلى الحدود السورية – العراقية، والحدود السورية – التركية، والحدود السورية – اللبنانية، والحدود الليبية – التونسية، منها ضعف اللجان المحلية المعنية بتسريع العودة لأماكن إقامتهم الأصلية، والإصابة بالأمراض الوبائية، ومشكلات الصحة النفسية، وانعدام المواد الغذائية، والتعرض للتغيرات المناخية، والتشرد في مناطق مجهولة، واستنبات الجماعات الإرهابية، ورفض دول الجوار إقامة مخيمات على الخطوط الحدودية، وتقلص المساعدات الدولية نتيجة تزامن الأزمات التي يتعرض لها النازحون في مناطق صراعية مختلفة.

نازحو اليرموك

1. ضعف اللجان المحلية: والتي تكون معنية بتسريع عودة النازحين، وهو ما يفسر تصاعد مطالب المقيمين الفلسطينيين في “مخيم اليرموك” (الذي يقع على بعد أكثر من سبعة كلم جنوب العاصمة السورية، وألحقته محافظة دمشق بها إدارياً خلال الحرب، بعدما كان منذ ستينيات القرن الماضي يتمتع بخصوصية إدارية منحت له بقرار رسمي بأن تديره لجنة محلية بشكل مستقل)، على نحو ما ذكرته العديد من وسائل الإعلام العربية، في 26 يناير/كانون الثاني 2021، للجان التابعة لمحافظة دمشق بالإسراع بتفعيل اللجنة المحلية بإعادتهم إلى منازلهم.

ويأتي ذلك في ظل تنامي الانتقادات من جانب النازحين لتلك اللجنة التي يقتصر عملها فقط على “إزالة الإنقاض”، في الوقت الذي توجد أدوار أخرى تتعلق بإصلاح شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى ما أعلنته محافظة دمشق، أكتوبر/تشرين الأول 2020، من قرار إعادة أهالي مخيم اليرموك إلى منازلهم، حيث وضعت ثلاثة شروط لعودة النازحين، هي أن يكون البناء سليماً، وإثبات المالك ملكية المنزل العائد إليه، وحصول المالكين على الموافقات اللازم للعودة إلى منازلهم.

وجاء ذلك بعد عامين ونصف من استعادة النظام السوري السيطرة على المخيم من تنظيمي “داعش” و”هيئة تحرير الشام”، إذ يتجمع العشرات من سكانه يومياً لتسجيل أسمائهم للعودة، وهو مرهون بتحقق الشروط الوارد ذكرها، فضلاً عن الموافقة الأمنية. غير أن هناك تحديات أخرى ستواجه النازحون تتعلق بسرقة ما تبقى في المنازل، وكذلك عمليات هدم أسقف البيوت القائمة لاستخراج الحديد لبيعه، بخلاف الدمار الذي طال المؤسسات والأسواق والبنى التحتية نتيجة المواجهات بين الجيش النظامي من ناحية وتنظيمي “داعش” و”جبهة النصرة” من ناحية أخرى.

مخاطر “كوفيد – 19”

2. الإصابة بالأمراض الوبائية: يتعرض اللاجئون والنازحون المقيمون في المخيمات إلى مخاطر الإصابة بـ “كوفيد – 19″، وسلالته الجديدة، نظراً لأنها مكتظة بالسكان، وبعيدة عن الخدمات والنقاط الطبية المتخصصة، ولا تتوافر لديها الكمامات والمعقمات الطبية، وتعاني من نقص الموارد البشرية العاملة في مجال الرعاية الصحية، فضلاً عن غياب الإجراءات الاحترازية المتابعة للوقاية من الإصابة، الأمر الذي يؤثر على السلامة الصحية لقاطني هذه الأماكن، وهو ما يتزايد في فصل الشتاء، حيث تتصاعد احتمالات إصابة الأشخاص بموجات الرشح والزكام، وخاصة الأطفال والمسنين، على نحو ما شهدته المخيمات في محافظة الحسكة، شمال شرق سوريا.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الأردن قامت، منذ منتصف يناير/كانون الثاني 2021، بتطعيم اللاجئين المقيمين على أراضيها ضد فيروس “كورونا” بعد انطلاق خطة التطعيم الوطنية، والتي بموجبها يحق لأي شخص يعيش في البلاد، بما في ذلك اللاجئون وطالبو اللجوء، الحصول على اللقاح مجاناً. لذا، قال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبوغراندي، أن “الأردن مرة أخرى تُظهر، قيادة وتضامناً نموذجيين في استضافة اللاجئين”، مناشداً جميع الدول بأن تحذو حذو الأردن، وأن تدرج اللاجئين في حملات التطعيم على قدم المساواة مع المواطنين، وبما يتماشى مع مبادئ الوصول الشامل للتطعيم ضد فيروس “كورونا”.

وينطبق الأمر أيضاً على المخيمات الفلسطينية التي تزداد تكدساً عاماً بعد آخر، حيث بلغ عدد القاطنين فيها 5.6 مليون لاجئ فلسطيني، ويعيش ما يقرب من ثُلث هؤلاء اللاجئين في 58 مخيماً مسجلاً لدى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين – الأونروا في أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان وسوريا والأردن. وفي هذا السياق، يخشى اللاجئون الفلسطينيون من أن تنخفض المساعدات المتضائلة التي يتلقونها من الأونروا مع استمرار الأزمة الصحية وتغير أولويات المانحين لاسيما بعد إيقاف الولايات المتحدة، في عهد إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، مساهماتها السنوية البالغة 360 مليون دولار، حيث عاشت الوكالة أسوأ أزمة مالية على مدار تاريخها.

في حين تفشى مرض الجَرَب بين النازحين اليمنيين، الذين يعيشون في المخيمات بمحافظة آب، وفقاً لما أعلنته منظمة أطباء بلا حدود، 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، نظراً لسوء النظافة والأوضاع المعيشية المزدحمة (الاستعمال المشترك للأدوات الشخصية مثل المناشف وأغطية السرير)، الأمر الذي دفع الفرق الميدانية التابعة للمنظمة للتدخل للحد من تأثيرات المرض عبر تقديم العلاج وتوزيع الملابس الجديدة وتزويد عائلات النازحين في المخيم بالمعلومات اللازمة، وذلك بالتعاون مع عدد من المنظمات المحلية.

تأزم نفسي

3. مشكلات الصحة النفسية: على الرغم من أن البعض يرى أن الصحة النفسية تعد ترفاً مقارنة ببقية الأزمات التي يعاني منها قاطنو الحدود، إلا أنها ذات تأثير بالغ على الحالة المعيشية لا سيما مع استهدافهم بالغارات الجوية في بعض الأحيان. كما أن تواصل الصراعات بالقرب منهم في دول الجوار، فضلاً عن انتشار “كوفيد – 19” أدى إلى المزيد من الأزمات النفسية، على نحو ما تشير إليه التحليلات الصادرة عن المجلس النرويجي للاجئين.

سوء التغذية

4. نقص المواد الغذائية: تعاني بعض المخيمات من نقص حاد في المواد الغذائية التي يحتاجها قاطنو المخيمات، لا سيما بعد تقلص إمدادات التمويل لعدد من المنظمات العاملة في مجال الإغاثة. وفي هذا السياق، قال فيليب لازاريني، الخبير في مجال المساعدة الإنسانية والمفوض العام للأونروا في لقاء صحفي تاريخ 12 أكتوبر/تشرين الأول 2020، إن “في غزة الناس يلجأون إلى القمامة”، مؤكداً أن “المزيد من الناس يناضلون لتوفير وجبة أو وجبتين في اليوم لأسرهم”. كما يعاني الأطفال في مخيمات ريف الحسكة من سوء التغذية الحاد.

سيول إدلب

5. التعرض للتغيرات المناخية: تسببت إحدى العواصف المصحوبة برياح شديدة، في منتصف يناير/كانون الثاني 2020، بحدوث أضرار أدت إلى تدمير مئات الخيام للنازحين في إدلب بشمال غرب سوريا، وهو ما يضاعف من حدة الأزمات الإنسانية التي يعاني منها الآلاف منهم، لا سيما بعد تلف ممتلكاتهم، الأمر الذي أجبر بعضهم على المغادرة بحثاً عن أماكن أخرى.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن معظم مخيمات النازحين في شمال غرب سوريا أقيمت ضمن أراضي زراعية وبشكل عشوائي، دون أدنى تسوية بالرمل، على نحو يجعلها عرضة لمخاطر الغرق والانجراف أمام الأمطار الغزيرة.

ويشير اتجاه في الكتابات إلى أن أحد الدوافع الرئيسية في إنشاء المخيمات بالأراضي الزراعية والوديان يتمثل في قربها من المدن وتوافر الخدمات بها، لا سيما أن المناطق الوعرة والجبلية لا تكون مجهزة بالطرق أو الممرات لبناء المخيمات، وهو ما يؤدي تباعاً إلى صعوبة وصول الخدمات لها، وخاصة في الأزمات الطارئة، مثل إمدادات المياه والصرف الصحي والمواد الغذائية والإسعافات الأولية التي يحتاجها النازحون.

إخلاء مفاجئ

6. التشرد في مناطق مجهولة: انتقدت بعض المنظمات الحقوقية الدولية عمليات تقوم بها السلطات العراقية لإغلاق مخيمات، دون منح مهل زمنية كافية، وهو ما يؤدي بالنازحين إلى التشرد والمعاناة من الفقر. فقد شكل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، أكتوبر/تشرين الأول 2020، لجنة مكلفة بإخلاء العديد من المخيمات التي كانت تأوي ما يقرب من 60 ألف نازح، اضطروا لذلك خلال الحرب بين القوات العراقية و”داعش”، خلال الفترة ما بين العامين 2014 – 2017، بعضهم من النساء والأطفال. وكان يقتضي الوضع من السلطات العراقية النقاش مع تلك العائلات للتوصل إلى خيار لا يؤثر على حياتهم.

تطرف “الهول”

7. استنبات الجماعات الإرهابية: وهو ما ينطبق بشكل واضح على مخيم الهول، الواقع في أقصى شرق محافظة الحسكة شمال سوريا، الذي تديره الإدارة الذاتية الكردية، وتعتبره العديد من الكتابات أخطر المخيمات على مستوى العالم، إذ يعد بؤرة للأفكار والعناصر “الداعشية” من جنسيات مختلفة، التي تضم ما يقرب من 74 ألف لاجئ ونازح وخاصة النساء والأطفال. وتجدر الإشارة إلى أن الأطفال يشكلون أكثر من ثُلثى هذا الرقم، حيث تصل نسبتهم في المخيم إلى 66% من عدد السكان، وأغلبهم لا يملكون أوراقاً ثبوتية، لا سيما الذين ولدوا على أرض “دولة الخلافة” المزعومة بعد التحاق آبائهم بها، بحسب تقارير للأمم المتحدة.

وقد أكد وكيل وزارة الهجرة العراقية كريم النوي، في تصريح صحفي تاريخ 25 يناير/كانون الثاني 2020، أن “مخيم الهول في سوريا أصبح من ضحايا عصابات داعش، وهو أرض خصبة لاستنبات الجماعات الإرهابية، وهناك ضرورة لوضع حلول فورية له، باعتباره قنبلة موقوتة”، مضيفاً أن “احتمال عودة نازحي الهول إلى العراق لم يبت به، وهناك رفض بشأن عودتهم، بسبب خطورتهم”. ولعل ذلك يشير إلى أن المخيمات تؤثر على الأمن والاستقرار على دول الجوار.

الجوار القَلِق

8. رفض دول الجوار إقامة مخيمات على الخطوط الحدودية: على نحو يبدو واضحاً في حالة النازحين الليبيين على الحدود مع تونس. فعلى الرغم من إعلان السلطات التونسية في الثُلث الأول من العام 2020 إعلان حالة طوارئ أمنية وإنسانية تخوفاً من تدفق لاجئين محتملين من ليبيا، بالتنسيق مع المفوضية السامية لشئون اللاجئين، والمنظمة الدولية للهجرة وغيرها من المنظمات الإغاثية الدولية، وهو ما برز في تجهيز مخيم لجوء بمحافظة تطاوين على الحدود مع ليبيا، إلا أن هناك أصواتاً تتخوف من تكرار تجربة “مخيم الشوشة” سيئ الصيت بمحافظة بن قردان، الذي استقبل العام 2011 فارين من القتال في ليبيا وطالبي اللجوء من الأفارقة، وأغلق في العام 2017.

إذ وجدت السلطات نفسها تتحمل أعباء هذا المخيم بمفردها بعد تنصل المفوضية السامية لشئون اللاجئين من مسئولياتها، مما ساهم في تدهور الوضع الإنساني. كما تبدي عدد من المنظمات الحقوقية في تونس قلقاً من تحول بعض المخيمات، مثل مخيم “بئر الفطناسية”، من مكان لاستقبال اللاجئين وحسن رعايتهم وفقاً للاعتبارات الإنسانية المتعارف عليها دولياً، إلى مركز احتجاز قسري تحت دواعي الهواجس الأمنية وخاصة فيما يتعلق بانتماءات هؤلاء النازحين لبعض الجماعات المتطرفة أو التنظيمات الإرهابية. فضلاً عن المهاجرين غير النظاميين المرحلين من الدول الأوروبية وكذلك الأفارقة القادمين من ليبيا من طالبي اللجوء.

فئات هشة

خلاصة القول، إن اللاجئين والنازحين المقيمين في مخيمات عشوائية يعتبرون أكثر الفئات الاجتماعية ضعفاً في الشرق الأوسط، نظراً لمجموعة من العوامل أبرزها تعذر فرض إجراءات التباعد الاجتماعي والنقص المزمن في المختبرات وتردي خدمات الرعاية الصحية وتراجع المساعدات الغذائية وعدم الدراية بالمخاطر المحدقة نتيجة التفشي السريع لكوفيد-19، في الوقت الذي يتقلص عدد العاملين التابعين للمنظمات الإغاثية الدولية في تلك المخيمات، إلى جانب تراجع المساعدات الدولية نظراً لتنامي حدة الصراعات المسلحة في الإقليم، في توقيتات زمنية متزامنة، على نحو يخصم من قدرة غالبية المنظمات الإنسانية الدولية، في كثير من الأحيان، على تقديم المساعدات أو تقييم الأضرار التي تتعرض لها المخيمات.

المصدر: مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.

مصدر الصور: قناة الغد – الحرة – تليغراف.

موضوع ذا صلة: ترحيل اللاجئين من تركيا: ضغط إقتصادي أم تنفيذ للتفاهمات؟!


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •