شارك الخبر

حفل شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2020 بمناورات عسكرية مصرية مع دول صديقة ما يفوق الإستيعاب، والورشة التدريبية ما زالت قائمة على مدى سنوات عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي في الإدارة المصرية، ولكن تكثيف المناورات فالعام الحالي ورزنامة العام 2021 يؤهل الجيش المصري الى الإرتقاء درجات على سلم الريادة العسكرية.

سنعرض للمناورات المجراة حتى اليوم والمقررة للمستقبل، من ثم سنلقي الضوء على الأهداف المرتجاة من التدريب المشترك عسكرياً، وفي خدمة أية سياسة مستقبلية.

مناورات عسكرية مشتركة

في يوليو/تموز 2019، نفذت البحرية المصرية مناورة Eagle Salute مع أساطيل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة. وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه، شاركت في تمرين الموج الأحمر مع البحرية الملكية السعودية وقوات بعض الدول الأخرى المطلة على البحر الأحمر. وفي وقت سابق من هذا العام، انضمت إليها البحرية الملكية السعودية في تمرين “مورغان – 16” البحري. ومن المتوقع أن تنضم مصر إلى هذه الأحداث الثلاثة خلال نسخها للعام 2021.

وفي خطوة اتسمت بدلالة مميزة، أطلقت مصر وروسيا، نوفمبر/تشرين الثاني 2020، تمرين “جسر الصداقة 3” في البحر الأسود، كما نفذ الجيش المصري، في الشهر نفسه، تمرينا بحرياً مشتركاً مع الإمارات والسعودية والبحرين والأردن والسودان أطلق عليه اسم “سيف العرب”. في غضون ذلك، انضمت ذات الدول العربية في تمرين بري وجوي تحت راية مناورة “سيف العرب”، كذلك في قاعدة محمد نجيب العسكرية شمال غرب مصر. كما نفذت القوات الجوية التمرين الجوي المشترك “نسور النيل – 1” مع السودان.

وتعاونت البحرية المصرية مع المملكة المتحدة في تمرين “T-1” المشترك في البحر الأبيض المتوسط بالإضافة إلى تدريب بحري آخر مع البحرية الفرنسية في شمال البحر الأبيض المتوسط.

بعد شهر نوفمبر/تشرين الثاني المليء بالمناورات العسكرية، والتي أجريت على الأقل في البحر، تواصل مصر جهودها التدريبية حتى ديسمبر/كانون الأول 2020 وطوال العام 2021.

ويشمل تكثيف التدريبات المشتركة مع دول الحلفاء تعزيز التعاون العسكري وتبادل الخبرات، لا سيما في تنفيذ التقنية البريطانية من خلال مجموعة الاستجابة الساحلية – التجريب LRG-X، وهي مجموعة مهام تنفذ عمليات لمدة ثلاثة أشهر في البحر الأبيض المتوسط لاختبار مفاهيم قوة كوماندوز مستقبلية والمجموعة الضاربة الساحلية – وهي نفس المجموعة التي شاركت في تدريب “T-1” البرمائي مع البحرية المصرية، ويساعد هذا الأسلوب في تطبيق تكتيكات وأساليب جديدة تماماً في المهمات الخاصة ومهام الإنزال البرمائي، وطرق مهاجمة واقتحام الأهداف الساحلية التي تتضمن استخدام من التقنيات المتقدمة المتمثلة في المنصات البحرية والجوية والبرية وكذلك الاتصالات غير المأهولة والمركزة على الشبكة وأنظمة التصوير الحي الحديثة.

في أواخر أكتوبر/تشرين الثاني، انضمت مصر إلى قبرص واليونان في إدانة استكشاف تركيا للطاقة في البحر الأبيض المتوسط. وخلال القمة الثلاثية الأخيرة التي عُقدت في العاصمة القبرصية – نيقوسيا، تقرر إجراء مناورة عسكرية يطلق عليها اسم “ميدوسا”، في الفترة من 30 نوفمبر/تشرين الثاني إلى 30 ديسمبر/كانون الأول، وتضم القوات المسلحة للدول الثلاث، وستشارك في التدريبات قوات بحرية وجوية وقوات خاصة، ومن المتوقع أيضاً أن تشارك فرنسا والإمارات. وتظهر هذه التدريبات قدرات الردع الاستراتيجي وأنظمة الأسلحة المصرية.

الأهداف العسكرية من المناورات

أن تشترك القوات البحرية في عدة تمارين ومناورات مع قوات زميلة من دول صديقة في مشاريع تدريبية في وقت واحد هو انجاز كبير يوسع مهام أسلحة البحر، ويثبت جهوزية على مستوى جيوش وليس قوة بحرية واحدة. فزيادة عدد التدريبات تظهر أن القوات المسلحة المصرية لديها القدرة على إجراء كل هذه التدريبات في نفس الوقت.

يشتمل الأسطول الجوي المصري على طائرات من روسيا والصين والولايات المتحدة وفرنسا ودول أوروبية أخرى، ويرى خبراء أنه من النادر أن نشهد تحليق طائرات حربية وطائرات هليكوبتر من أصول مختلفة للقوات الجوية، في مهام مشتركة مستفيدين من مواءمة الرادارات وأجهزة الإطلاق وتدابير الحماية، وهذا انجاز عسكري آخر.

يستفيد الجيش المصري من المشاركة في عدد من التدريبات في شهر واحد من تسريع فهم واستيعاب مقاتليه الحربيين للمنصات القتالية الجديدة التي تم طلبها أو دخلت الخدمة مؤخراً، ومتابعة عملياتية لأحدث الابتكارات في أنظمة الأسلحة، وأساليب القتال، والتدريب، والتعرف على مفاهيم الحرب الحديثة. كما توفر التدريبات أيضاً خبرة في مفهوم “الجيش الذكي”، حيث تكون الجودة أكثر أهمية من الكمية.

ومن الأهداف المنشودة من تلك التمارين تحقيق التوافق التشغيلي في أية مهام وعمليات قد تتم مع الشركاء ضد أي من التهديدات المشتركة، والتعامل مع التهديدات المتطابقة وغير المتكافئة والتي بدت أنها من سمات الجيل الخامس من الحروب.

البحرية المصرية: التجهيز والتدريب والقواعد

يقول محمد الكناني، الباحث في الشؤون العسكرية بالمركز العربي في القاهرة، إن “السبب الكامن وراء الحاجة إلى قوة بحرية كبيرة ذات كثافة عالية من النيران، وبالطبع قدرات متكاملة للمراقبة والإنذار المبكر والقيادة والسيطرة مع غطاء جوي محسن هو التعامل مع كافة التهديدات غير المتكافئة في افضل طريقه.” لذلك، تعمل البحرية المصرية تعمل على خطة تطوير من ثلاثة أجزاء: بناء القواعد، التجهيز، والتدريب

من إنشاء قواعد بحرية جديدة وفعالة، ومواصلة تطوير القواعد الحالية، وتقوية البنية التحتية لجميع المرافق البحرية، تنطلق ورشة حماية الشواطئ المصرية لاستيعاب السفن البحرية الجديدة وتنفيذ طرق التدريب المتقدمة وأجهزة المحاكاة. ويشمل جانب التسلح طلب السفن القتالية السطحية والغواصات. ويمكن احتساب القفزة النوعية التي حصّلتها البحرية المصرية بالنظر الى ما نشره معهد استوكهولم – سيبرا للتسلح البحري المصري في السنوات الخمسة الأخيرة:

حاملتا طائرات هليكوبتر من طراز ميسترال، أربعة طرادات Gowind 2500، فرقاطة FREMM من طراز Aquitaine من فرنسا، فرقاطتان من إيطاليا FREMM من طراز Bergamini. أربع فرقاطات من طراز MEKO A-200 وأربع غواصات طراز 209 / 1400mod و10 زوارق دورية وقوارب حماية ساحلية من ألمانيا، وقارب صواريخ السفير MK III وقوارب دورية ساحلية من صنع Swiftship في الولايات المتحدة.

وفي الوقت نفسه، تعمل القيادة المصرية في معظم عقودها على نقل التكنولوجيا إلى حوض بناء السفن بالإسكندرية، والذي شارك في عقد Gowind 2500، وتم بناء ثلاثة منها محلياً. ومن المقرر أن يستضيف حوض بناء السفن أيضًا بناء فرقاطة MEKO A-200. وتدور حالياً محادثات جدية مع شركة Lürssen الألمانية لبناء السفن لنقل تكنولوجيا بناء السفن إلى مصر.

الاستجابة للتهديدات العسكرية

لمواكبة التهديدات الإقليمية، شرع الجيش المصري في “تطوير ورفع الكفاءة القتالية الشاملة لفروعه وأسلحته وإداراته المختلفة”، ومن المسلّم به أن التدريب المشترك يمكّن القطعات المشاركة من التعرف والمواءمة ما بين الأسلحة وطرق وظروف استعمالها المجدي، وفي المرحلة الثانية من التدريب يتحول الجهد الى تنفيذ مشروع متقدم يحاكي التصدي لتهديد محدد، وهذا يمهد الى الإنخراط في المناورات، وهي المرحلة الثالثة والأهم من حيث إمكانية ظهور تحالف عسكري في خدمة رؤية سياسية مشتركة.

ومن حيث ركزت التدريبات الأولية للبحرية المصرية على توحيد المفاهيم العسكرية والتعاون المشترك، فقد حققت فعاليات مناورات 2020 تقدماً ملحوظاً من حيث البرامج التدريبية مع مشاريع أكثر تفاعلية لمواجهة التهديدات والمخاطر.

بالإضافة الى ذلك، يقول الكناني “إن زيادة عدد المناورات، وتنويعها، من حيث الموقع للدول الشريكة لا يفيد مصر فحسب، بل يفيد أيضاً حلفاءها في الشرق الأوسط.. إذا كانت مصر بحاجة إلى مواجهة بحرية بين إيران وجيرانها، فلن تتردد البحرية المصرية في مساعدة حلفائها ضد طهران.”

ويضيف أن “التعامل مع التهديد البحري الإيراني يتطلب وجود قوة بحرية كبيرة ذات كثافة عالية من النيران”، مستدركاً أنه حتى لو لم يكن لدى إيران وحدات بحرية ثقيلة وحديثة، فإن الحرس الثوري الإيراني لا يزال يشكل تهديدًا للطرادات، فرقاطات ومدمرات وسفن حربية كبيرة أخرى بفضل القوارب السريعة وخفيفة الوزن المجهزة بالصواريخ، والطوربيدات المتوسطة المدى والمضادة للسفن بالإضافة إلى القوارب الانتحارية غير المأهولة، وكذلك الغواصة القزمة والتي تشكل أيضاً خطراً كبيراً من الأعماق. هذه القطع خطيرة على القطع السفن الساحلية بسبب مداها الطويل وصغر حجمها وتوفرها بأعداد كبيرة.

وبالإضافة إلى البقاء على جهوزية تامة لدعم الخليج العربي في مواجهة الأطماع الإيرانية، يتحضر الجيش للتعامل مع التهديدات الإرهابية. فقد عانت مصر من العمليات الإرهابية في سيناء ومن توغل جماعات اسلامية متشددة من ليبيا، وما زال التهديد الجنوبي القادم من إثيوبيا التي تناور في اللعب على أعصاب كل من مصر والسودان في مشروعها المؤذي للبلدين العربيين “سد النهضة” وعلى الجيش البقاء على أتم الإستعداد للدفاع عن شريان الحياة المصرية المتمثل بنهر النيل.

مهام حماية المصالح الإقتصادية

الأهمية الأساسية للتدريبات البحرية المصرية الأخيرة ليست بعيدة عن مهام حماية المصالح الإقتصادية المصرية وفق رؤية الرئيس السيسي، العام 2015 والتي تقضي أولاً دعم الجهود التي تبذلها إدارته لتوسيع وتنويع علاقاتها الاستراتيجية الخارجية، بشكل خاص في هذا الوقت لتعميق العلاقات مع الدول التي تشاركها معها العداء أو الشك على الأقل، كما في حالة تركيا.

وثانيًا، ومن خلال رفع مكانتها البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، تشير مصر إلى قدرتها وتصميمها على حماية حقول الغاز البحرية وخطوط الأنابيب المستقبلية إلى أوروبا التي تأمل في بنائها مع منتجي الغاز الآخرين في شرق البحر الأبيض المتوسط. كما تقوم ببناء البنية التحتية العسكرية مثل قاعدة “برنيس” البحرية في البحر الأحمر لإثبات قدرتها على حماية طرق الشحن البحري عبر قناة السويس، على أمل تشجيع المزيد من الشحن العالمي عبر القناة.

ومن أهداف الأنظمة الدفاعية الحالية والمقبلة في مصر وضعها في خدمة حماية منصات الحفر البحرية والقيام بدوريات في المنطقة الاقتصادية البحرية للبلاد باستخدام سفن يمكنها الدفاع عن نفسها، على عكس سفن خفر السواحل الأخف وزناً، وهذا ما يستدعي الحصول على غواصات لتقوم بالمهام المستترة.

خارج الإعداد للدفاع عن الحقوق وحماية المصالح ولعب الدور العربي والإفريقي المناسب في دعم الحلفاء، ليس لدى مصر من نوايا مضمرة بحق جيرانها، وهي التي احترمت التزاماتها في “كامب ديفيد”، وتمثل قوة الإعتدال العربي والإفريقي، ما عدا بناء القدرات في سبيل تكوين القوة العربية الأولى، التي ينشدها كل العرب.

المصدر: الأمن والدفاع العربي.

مصدر الصور: اليوم السابع – روسيا اليوم.

موضوع ذا صلة: هل “تجتاح” روسيا افريقيا من باب المناورات المصرية؟

العميد م. ناجي ملاعب

عضو الهيئة العلمية لمجلة الدراسات الأمنية / باحث في مؤسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري – لبنان


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •