شارك الخبر

إعداد: مركز سيتا

انعقدت القمة الأولى للتحالف الذي يضم الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا، والذي أطلقت عليه وسائل إعلام “الناتو الآسيوي” بشكل غير رسمي، عبر دائرة تلفزيونية مغلقة بمشاركة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، ورؤساء وزراء الدول الثلاث الأخرى.

اتفقت دول تحالف الحوار الأمني الرباعي – Quad خلال أول اجتماع لها على مستوى القمة، على التصدي للتحديات في المحيطين الهادئ والهندي بشكل مشترك.

ملفات التأزم

لا تزال تشهد العلاقات الأميركية – الصينية تدهوراً سريعاً وغير مسبوق فهو لم يعد مقتصراً على الحرب التجارية بين الدولتين، وإنما فتحت معها ملفات أخرى. فلقد بدات التوترات، بشكل علني، مع الإدارة الامريكية السابقة، وعلى ما يبدو أنها انتقلت للإدارة الجديدة، حيث تتمحور حول عدة قضايا بارزة تعتبرها واشنطن “موضع قلق” (قضية الإيغور – الإجراءات الصينية في بحر جنوب الصين – قضية هونغ كونغ – التطبيقات الإلكترونية الصينية).

فبحسب التصريحات الأمريكية، تسعى بكين إلى تحدي قوة ونفوذ ومصالح الولايات المتحدة، فكان من إحدى خطط الإدارة الأمريكية المحتملة احتواء الصين سلمياً لتأجيل موعد المواجهة عدة أعوام.

وتعتبر الولايات المتحدة أن السياسة الصينية تجاهها هي سياسة “عدوانية”، خاصة في منطقة آسيا؛ وإذا أرادت الولايات المتحدة الحفاظ على موقع قيادي في المنطقة، فإن “الناتو الآسيوي” سيكون خياراً مثالياً لها. لكن اللافت هنا أن هذا الأمر ليس وليد اليوم، بل تمت إثارته العام 2007، عندما اقترح الجمهوري رودولف جولياني، توسيع حلف شمال الأطلسي – الناتو ليشمل إسرائيل والهند وأستراليا وسنغافورة واليابان. وأن تنشئ الولايات المتحدة قاعدة بحرية في سنغافورة، وتتعاون بنشاط مع الفلبين.

إلا أن هدف العام 2007 لا يزال يتقاطع مع أهداف العام 2021 لجهة أن “الناتو الآسيوي” يمكنه دفع المشاكل الأمنية للعديد من الدول الآسيوية مع بكين، بحسب السيناريو الأمريكي، إلى صفوف التحالف المناهض لها، وحينها ستتمكن الولايات المتحدة كبح جماحها.

بنظر الإدارة الأمريكية، إن الصين خرجت أقوى مما كانت عليه قبل جائحة “كورونا”، خصوصاً وأنها حققت نمواً وصل إلى 2.3%، بحيث إعتبرت الدولة شبه الوحيدة في العالم التي حققت نمواً لا ركوداً. هذا الأمر، يشكل هاجساً مقلقاً لواشنطن لا سيما وأنها عانت من الجائحة بشرياً ومادياً، وكانت النتيجة أنها أطاحت بدونالد ترامب في الإنتخابات الرئاسية الأخيرة.

ربط المحيطين الهادئ بالهندي

الاجتماع الذي عقدته البلدان المعروفة بـ “مجموعة الحوار الأمني الرباعي” يظهر الأهمية التي يوليها الرئيس بايدن لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. فبالإضافة إلى مسالة الأمن، سيتم التركيز على سُبل مكافحة فيروس “كورونا”، والتعاون في النمو الاقتصادي وأزمة المناخ، إلى جانب تعزيز علاقات الولايات المتحدة مع الحلفاء والشركاء في ظل تنامي نفوذ الصين في آسيا وخارجها، إذ تقول واشنطن إن طاقة الإنتاج الإضافية للقاحات ستستخدم في جهود التطعيم في جنوب شرق آسيا، حيث تنافس بكين على النفوذ.

الجدير بالذكر هنا أنه وقبل نحو شهر، أجرت حاملتا طائرات أميركيتان تدريبات مشتركة في بحر جنوب الصين، بعد أيام من إبحار سفينة حربية أميركية بالقرب من جزر تسيطر عليها الصين في المياه المتنازع عليها، وأصبحت نقطة ساخنة أخرى في العلاقات المتوترة بين بكين وواشنطن، وقالت البحرية الأميركية وقتها إن حاملتي الطائرات يو.إس.إس ثيودور روزفلت – USS Theodore Roosevelt ويو.إس.إس نيميتز – USS Nimitz ومجموعتيهما القتاليتين “أجريتا العديد من التدريبات بهدف زيادة التوافق العملياتي بين القطع، فضلاً عن قدرات القيادة والتحكم”، وذلك في أول عمليات ثنائية لحاملتي طائرات في الممر المائي المزدحم منذ يوليو/تموز 2020.

جاءت تلك التدريبات بعد أيام من تنديد الصين بإبحار المدمرة الأميركية جون إس. ماكين -John S. McCain، بالقرب من جزر باراسيل الخاضعة لسيطرتها، حيث وصفت واشنطن إبحار مدمرتها بأنها عملية لضمان حرية الملاحة، وهي أول مهمة من نوعها للبحرية الأميركية منذ تولي الرئيس بايدن منصب الرئاسة.

أحقية بكين؟!

يعد بحر جنوب الصين الذي تمر عبره تجارة بتريليونات الدولارات كل عام، نقطة خلاف منذ مدة طويلة بين واشنطن وبكين، الصين تؤكد على أحقيتها في كل مساحة بحر جنوب الصين تقريباً، وقد أقامت قواعد عسكرية على جزر صناعية بالبحر الغني بموارد الطاقة، وتؤكد أن نحو 95% من هذا البحر ملك خاص لها، وأن لها حقوقاً تاريخية فيه، في حين تحتج جاراتها (تايوان – فيتنام – الفلبين – ماليزيا – بروناي)، وتطالب بما تعتبره حقوقاً لها في تلك المياه يكفلها قانون البحار.

وفي السنوات الأخيرة، صعّدت الصين من مطالبتها بالسيادة على أغلبية بحر الصين الجنوبي، من خلال بناء جزر صناعية مجهزة لاستقبال طائرات حربية، مما أثار غضب الدول الأخرى التي تخوض معها نزاعات.

أهداف الاجتماع

بحسب الرواية الأمريكية، يهدف الاجتماع إلى الالتزام بالتعاون الرباعي، بين أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة، وتقديم وجهات نظر متنوعة ومتحدة في رؤية مشتركة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث أكدت واشنطن عن دعمها لسيادة القانون، وحرية الملاحة والتحليق، والحل السلمي للنزاعات، ووحدة منطقة الآسيان ومركزيتها، ونزع السلاح النووي لكوريا الشمالية بشكل كامل وفقاً لقرارات مجلس الأمن، إضافة إلى ضرورة الحل الفوري لقضية المختطفين اليابانيين.

من جهته قال رئيس الوزراء الياباني، يوشيهيديه سوغا، إنه يريد من الدول الأربع “المضي بقوة نحو إقامة (منطقة) حرة ومفتوحة في المحيطين الهندي والهادئ وتقديم إسهامات واضحة للسلام والاستقرار والرخاء في المنطقة بما في ذلك التغلب على فيروس كورونا”. وشددت الهند وأستراليا أيضاً على أهمية التعاون الأمني في المنطقة، الذي تعزز عبر اجتماعات سابقة على مستويات أدنى بين الدول الأربع.

وكان قد صرح مسؤول أمريكي كبير، قبيل بدء الاجتماع، أنه سيتضمن “نقاشاً نزيهاً ومفتوحاً حول دور الصين على الساحة العالمية”، مشيراً إلى “تحديات بالمنطقة” أمام التجارة الحرة والمفتوحة، حيث تقول إدارة الرئيس بايدن إن دول مجموعة الحوار الأمني الرباعي ستعلن عن ترتيبات مالية لدعم قدرات تصنيع اللقاحات المضادة لفيروس “كورونا” في الهند، الأمر الذي حثت عليه نيودلهي لمواجهة “دبلوماسية اللقاحات” الصينية الآخذة في الاتساع.

النوايا الأمريكية

قال مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، خلال مؤتمر صحافي له في البيت الأبيض، إنه “ستدخل الولايات المتحدة اجتماع آلاسكا مع الصين من موقع قوة”، مضيفاً “توصلنا إلى اتفاقيات استضافة جديدة للقواعد الأميركية في كوريا واليابان خلال الأيام الأخيرة”، لافتاً إلى أن “اجتماع المجموعة الرباعية بحث الهجمات الإلكترونية الأخيرة”، موضحاً أنه “ما زلنا نحاول تحديد نطاق وحجم الهجوم الإلكتروني الأخير، إنه أمر خطير، كما سنوضح للصين أننا ستتخذ خطوات ملموسة في القضايا الملحة”.

المسؤولون الأمريكيون يقولون إن المجموعة الرباعية ليس تحالفاً عسكرياً وليس ناتو جديد، بل الهدف منها منع إيران من امتلاك سلاح نووي عبر اتباع الطرق الدبلوماسية، بموجب وثيقة استراتيجية للأمن القومي الأمريكي بأن مشاكل المنطقة لا تحل باستخدام القوة العسكرية، وبحسب هذه الوثيقة، فإن واشنطن ستعزز الوجود العسكري الأميركي في المحيطين الهندي والهادئ وأوروبا، بينما سيكون هذا الوجود كافياً في الشرق الأوسط لتلبية احتياجات معينة.

أخيراً، إن الولايات المتحدة لا تريد مواجهة الصين لوحدها، بل تعمل على تشكيل جبهة لإستهداف الدول التي تقف خلفها أيضاً، وهذا ما توضّح من تصريحات الرئيس بايدن بعد الاجتماع حيث قال “اتفقت الدول على التصدي للتحديات في المحيطين الهادئ والهندي وخارجه بشكل مشترك، إضافة إلى التصدي للتحديات المحتملة في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي”، إلا أن واقع الأمر يبين أن بكين هي الملف الرئيس لقلق واشنطن، خاصة في ظل انهيار دخلي في أمريكا، فالقمة تشكل محاولة لتقويض القدرات الصينية من محيطها، دون أن يكون للولايات المتحدة دور مباشر فيها، يكفي أن تفتح الملفات المغلقة لإشغال العدو الاقتصادي الأول، لكن العبرة في تحقيق الهدف.

في هذا الشأن، يقول الدكتور روبرت كابلان، في كتابه “إنتقام الجغرافيا”، إن إنتقال النظام العالمي من الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية لن يحدث طالما أن الصين “محبوسة” خلف تجمعات الجزر الأربع (اليابان – تايوان – إندونيسيا – أستراليا)؛ من هنا، نرى لماذا تهتم واشنطن كثيراً بدعم تايبيه، حيث تعتبر الدولة الوحيدة تقريباً التي تبيع لها السلاح وتزودها به، إذ ترى الأولى بأن خروج “التنين” الصيني عبرها سيؤدي حتماً إلى تغيير في النسق الدولي؛ بالتالي، إنفلاته من عِقال التحكم والسيطرة الأمريكيتين.

مصدر الأخبار: سيتا + وكالات.

مصدر الصور: روسيا اليوم – أرشيف سيتا

موضوع ذا صلة: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تستعيد مصداقيتها في آسيا؟


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •