شارك الخبر

مركز سيتا

تفاقمت  أزمة المهاجرين المتكدسين بالآلاف في ظل درجات حرارة وصلت إلى التجمد على الحدود بين كل من بيلاروسيا وبولندا، في ظل اتهامات أوروبية لحكومة الرئيس ألكسندر لوكاشينكو، في مينسك، بتشجيع الهجرة عبر بلاده كورقة ضغط ضد الاتحاد الأوروبي.

إتهام خطير

على خلفية هذه الأزمة، اتهم رئيس الوزراء البولندي، ماتيوش مورافيتسكي، بيلاروسيا بممارسة “إرهاب دولة” في أزمة المهاجرين غير المسبوقة على حدود بولندا – العضو في الاتحاد الأوروبي – حيث قال – خلال مؤتمر صحفي مشترك في العاصمة وارسو مع رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال – إن “ما نواجهه هنا ويجب أن نكون واضحين هو إرهاب دولة”، مضيفاً أنه يعتقد أن ذلك هو “انتقام صامت” من جانب الرئيس البيلاروسي بسبب دعم بولندا للمعارضة.

في هذا الشأن، قد تكون أوروبا محقة في قلقها من ازمة تدفق اللاجئين، لكن تراشق الاتهامات، ليس حلاً للمشكلة، فلم تنتهِ بيلاروسيا بعد من أزمة إرغام طائرة على الهبوط لاعتقال معارض على متنها، الأمر الذي أدخل حلف شمال الأطلسي – الناتو في القضية ومطالبة الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على مينسك؛ بالتالي، إن الأزمة أعمق من طائرة وأكبر من مهاجرين هذا إذا ما ربطناه بالدعم الأمريكي العلني لبولندا مؤخراً، واجراء مناورات عسكرية تضم دول الناتو والولايات المتحدة على الحدود مع روسيا وحلفائها، ما يعني أن الأمور أعمق مما هو ظاهر بكل تأكيد.

هذا ويتهم الأوروبيون – منذ أسابيع – الرئيس لوكاشينكو بتأجيج التوتر من خلال إصدار تأشيرات للمهاجرين وإحضارهم إلى الحدود انتقاماً للعقوبات الأوروبية التي فرضت على بلده لقمعه حركة معارضة بعد الانتخابات الرئاسية، العام 2020.

ومن جانبه، أكد رئيس المجلس الأوربي، شارل ميشال، أن المزيد من “العقوبات المحتملة مطروحة على الطاولة مرة أخرى” ضد بيلاروسيا، مشيراً أن الدول الاعضاء في الاتحاد الأوروبي ستجري مشاورات بهذا الشأن الإثنين.

الرد الروسي

رداً على تصريحات الغرب الأوروبي، سارعت موسكو مباشرةً للوقوف إلى جانب الحليف الأقوى لها، فكان ردها، وبحسب وزارة الدفاع ما مفاده “إن قاذفتين استراتيجيتين روسيتين نفذتا طلعات فوق بيلاروسيا، وسط تصاعد التوتر بين مينسك ووارسو بشأن أزمة المهاجرين على الحدود بينهما”.

وقالت الوزارة، إن قاذفتين من طراز “تي.يو – 22 إم.3” قامتا بدوريات في المجال الجوي في اختبار نظام الدفاع الجوي المشترك بين البلدين، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، ألقى الكرملين، باللوم على الاتحاد الأوروبي في أزمة المهاجرين على الحدود بين روسيا البيضاء وبولندا، قائلاً إنه تقاعس في التمسك بقيمه الإنسانية، ويسعى “لخنق” بيلاروسيا بخططه لإغلاق جزء من الحدود”، كما وصف تعليق رئيس الوزراء البولندي بأنه “غير مسؤول وغير مقبول تماماً”، الذي قال فيه إن “موسكو هي العقل المدبر للأزمة”.

البحث عن حلول

في المعطيات، يبدو أن الأزمة لا زالت تتعمق، ما دعا مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ميشيل باشيليت، إلى حث الدول المعنية على اتخاذ خطوات عاجلة بغية تسوية أزمة المهاجرين العالقين على الحدود البيلاروسية – البولندية. وفي بيان صادر عنها، أعربت عن دهشتها من وضع الأعداد الكبيرة من المهاجرين غير النظاميين العالقين عند الحدود للعبور من بيلاروسيا إلى بولندا.

كما حذرت باشيليت من أن نشر قوات من كلا البلدين على الحدود واستخدام خطاب تحريضي، من شأنه أن يفاقم وضع أولئك الذين يسعون للهجرة إلى أوروبا، وشددت على وجوب أن تعمل الدول معا لحماية حياة وكرامة كل العالقين على حدودها المشتركة، وطالبت باشيليت أيضاً بالسماح للمنظمات غير الحكومية والصحفيين والمحامين بالوصول فورا إلى هؤلاء المهاجرين.

لكن ما لا تعرفه مفوضية الاتحاد الأوروبي، أن هذه الأزمة لا تقارن بالأزمة التي افتعلتها تركيا، آواخر العام 2019، عندما فتحت حدودها امام مئات اللاجئين الذين دخلوا اليونان ومنها إلى أوروبا، دون تصعيد من جانبها، وهو لا يقارن مع أزمتهم مع بيلاروسيا، هذا من جهة.

من جهةٍ أخرى، تتحدث عن بحث المهاجرين عن طرق بديلة بعد أن انقطعت بهن السبل ووجدوا بعض الثغرات الحدودية، وكان المنشط لهذه الحالة، هم “تجّار البشر” الذين يقبضون اموالاً لإيصال المهاجرين إلى مناطق حدودية، كما في السواحل الإيطالية التي تعاني – إلى اليوم – من أزمة المهاجرين من السواحل الليبية، والأفارقة وغيرهم الكثير.

سلاح العقوبات

من جهتها، طالبت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بفرض عقوبات إضافية على بيلاروسيا بسبب الوضع القائم على الحدود البيلاروسية – البولندية. وقالت إنه يجب على بيلاروسيا أن توقف “الاستغلال المتبلّد للمهاجرين”، موضحة أن الاتحاد الأوروبي يعمل على معاقبة شركات طيران من دول من خارج التكتل بسبب ضلوعها في نقل مهاجرين إلى بيلاروسيا.

ومن جانبه، قال نائب رئيسة المفوضية، ماراغاريتيس شيناس، إنه سيتوجه في الأيام المقبلة إلى الدول التي ينحدر منها هؤلاء المهاجرون والدول التي يمرون عبرها، وغالبيتهم من الشرق الأوسط.

جنسيات متعددة

يتحدر المهاجرون من بلدان مختلفة. ونقلت وكالة الأنباء البيلاروسية – بيلتا عن مهاجر قوله إنهم كرد، وأن حوالي 1500 شخص موجودون في المنطقة التي لا تبعد كثيراً عن معبر بروزجي الحدودي بين بيلاروسيا وبولندا.

ونقلت وكالة أنباء تاس الرسمية الروسية عن سلطات الحدود البيلاروسية قولها إن هناك 2000 شخص على الحدود. وبحسب وكالة “بيلتا”، قال أفراد حرس الحدود بالجمهورية السوفيتية السابقة إنهم اتخذوا “كافة الاجراءات الضرورية ” لضمان الأمن .

تذكير بغزو العراق

في هذا الخصوص، ردت المتحدثة بإسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، على اتهامات بولندا لبيلاروسيا بتنسّق وصول هذه الموجة من المهاجرين واللاجئين، بالقول “من الأجدى بالسياسيين البولنديين الذين يلعنون الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو ويتهمون مينسك بإحداث أزمة المهاجرين العراقيين، أن يتذكرا أن وارسو لعبت دوراً بارزاً في تدمير العراق”.

وأضافت زاخاروفا أن أكثر من ألفي جندي بولندي دخلوا العراق (ضمن قوات الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة) “لإحلال الديمقراطية” في ربوعه، وتساءلت ساخرة عما إذا كانت بولندا مستعدة اليوم لاستقبال “ألفي عراقي على الأقل، من اللاجئين الشاكرين الذين لم يحلم آباؤهم بمثل هذه الحياة”.

أخيراً، بعد دعم الغرب لأوكرانيا في مواجهة روسيا وعدم اعترافهم بشرعية ضم شبه جزيرة القرم، تشكل بيلاروسيا – في هذه اللحظات – نقطة حيوية حدودية مع روسيا “العدو اللدود” لهم وبخاصة الولايات المتحدة، لا سيما مع الجهود السابقة غير الناجحة والمتمثلة في إشعال البلاد من الداخل عبر المعارضة، كذلك أزمة الطائرة الأخيرة التي فشلت أيضاً، بالإضافة إلى التهديد من خلال المناورات على الحدود الروسية والتي لم تلقَ نتائج مثمرة، ناهيك عن العقوبات على مشروع “نورد ستريم – 2” (السيل الشمالي – 2) الروسي وغير ذلك من محاولات غربية واضحة لإضعاف روسيا وحلفائها؛ بالتالي، إن هذه الأزمة يمكن اعتبارها محاولة جديدة – وغالباً ما ستكون فاشلة – من أجل تهديد موسكو التي باتت قادرة على الالتفاف عل الأزمات إلى حد كبير، وهو ما رآه الغرب في كل من الشيشان وجورجيا وسوريا وأوكرانيا وأخيراً ناغورنو كاراباخ.

مصدر الأخبار: سيتا + وكالات.

مصدر الصور: الشرق.

موضوع ذا صلة: أونتيكوف: سيناريوهان أمام بيلاروسيا.. القرم أو أوكرانيا


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •