إعداد: يارا انبيعة
إختتمت أعمال منتدى “فالداي” الدولي للحوار في موسكو، 19 – 20 فبراير/شباط 2018، والتي استمرت على مدار يومين ناقش فيها مشاركو اكثر من 30 بلداً أبرز ما يواجه الشرق الأوسط من أزمات وتحديات، والخيارات والسبل المتاحة لتجاوزها، والانتقال بالمنطقة إلى مرحلة أكثر أمناً واستقراراً، بدءاً من الأزمة السورية، والحرب الجارية في اليمن، مروراً بالصراع العربي – الإسرائيلي، ومصير الأكراد في المنطقة، وصولاً إلى الدور المتصاعد لإيران على المستوى الإقليمي.
خلال المنتدى، الذي حمل عنوان “روسيا في الشرق الأوسط.. لاعب في كل الساحات”، ركز المسؤولين الروس على إرسال إشارات ورسائل تحذير إلى واشنطن في معظم الأزمات والتحديات التي تواجه الشرق الأوسط، حيث استحوذ الملف السوري على جلسات اليوم الأول من “فالداي”، فيما كان الملف الليبي الأبرز من جلسات اليوم الثاني.
لافروف: تجنبوا اللعب بالنار
حذر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، من محاولات تقسيم سوريا، داعيا الولايات المتحدة الى عدم اللعب بالنار على الساحة السورية، مشيراً الى ان السبب الجذري للكارثة السورية هو التدخلات الخارجية المنفلتة الحدود، التي شهدها الشرق الأوسط، والتي أدت بنظره إلى “تعزيز قوة الجهاديين”.
كما اشار لافروف الى أن نقطة التحول الجذرية في الحرب على الإرهاب هي المشاركة الروسية في الازمة السورية، لافتاً إلى أنه بفضل الدعم الذي قدمته قوات الفضاء الروسية، نجح الجيش السوري في تطهير معظم أراضي البلاد من الإرهابيين، في وقت أتاح فيه التفاعل السياسي مع إيران وتركيا تهيئة ظروف أكثر ملائمة لحل المشاكل الإنسانية، وتوفير الانتقال إلى تسوية سياسية. هذا وشدد لافروف على أن إقامة مناطق تخفيف التصعيد، وعقد مؤتمر حوار وطني شكلا عنصرين مهمين في جهود روسيا لتحقيق المصالحة داخل سوريا.
في المقابل، بدا الوزير الروسي حذراً في رفع منسوب التفاؤل إذ تحدث عن مشكلة جديدة تختمر في سوريا، وهي محاولات تقسيم البلاد، موضحاً أن “هذه المخاوف تنشأ عندما نتعرف إلى الخطط التي بدأتها الولايات المتحدة على الأرض في المقام الأول إلى الشرق من نهر الفرات، وعلى الأراضي الشاسعة بين هذا النهر والحدود الدولية لسوريا مع العراق وتركيا.” واعتبر لافروف أن تأكيدات واشنطن بأن هدفها الوحيد في سوريا، هو محاربة الإرهاب، تتناقض مع تصرفاتها العملية، حيث قال “أعتقد أن تصريحات الزملاء الأمريكيين بأن هدفهم الوحيد هو محاربة داعش والحفاظ على وحدة الأراضي السورية بحاجة إلى إثبات بأفعال ملموسة.”
وفي الموضوع الكردي، أكد لافروف أن روسيا تؤيد المصالح المشروعة للكرد، ولكنها تعارض بشكل قاطع محاولات القوى الخارجية استخدام هذه التطلعات لتحقيق أهدافها.
وحول امكانية قيام مواجهة بين إيران وإسرائيل على خلفية التطورات الجارية في سوريا، قال لافروف بأن روسيا تعتبر أن التصريحات بمحو إسرائيل عن وجه الأرض غير مقبولة، ولكنها لا تقبل في الوقت ذاته بمحاولات فرض مقاربة للأزمات الإقليمية من خلال منظور الصراع مع إيران، مضيفاً “نريد أن يشعر الزعماء الإسرائيليون بالأمان تماماً، ولكننا نحتاج إلى إجراء حوار”، رافضاً محاولات القوى الخارجية استخدام “المواد الأكثر تفجيراً”، والمتمثلة بالتناقضات بين السنة والشيعة، لتحقيق الأهداف السياسية، ومشدداً على ضرورة الشروع في إجراءات بناء الثقة، ومن ثم الأمن، في منطقة الخليج، بمشاركة دول مجلس التعاون الخليجي وإيران.
ظريف: لا نمتلك قواعد عسكرية في سوريا
من جهته شدد وزير الخارجية الايراني، محمد جواد ظريف، على ضرورة تشكيل منظومة للأمن الجماعي في الشرق الأوسط، لكنه رأى أن أمراً كهذا لا يمكن أن يحصل من دون التخلي عن الأفكار القديمة حول الأمن الإقليمي، موضحاً “نحن في حاجة إلى منطقة قوية، وليس إلى رجل قوي وبالتالي إن محاولات لعب دور الهيمنة الإقليمية غير مقبولة.” وأقر الوزير ظريف بأن إحدى العقبات الرئيسية أمام إنشاء نظام أمني شامل في الشرق الأوسط تتمثل في المواجهة بين إيران والسعودية، معرباً عن اعتقاده بأن مثل هذه المواجهة لا لزوم لها بل وخطيرة.
اما بخصوص الصراع السني – الشعي، اتفق الوزير ظريف مع موقف لافروف القائل بأن الحديث عن صراع بين السنة والشيعة غالباً ما يكون مبالغاً في تقديره وخاصة من قبل القوى الخارجية التي تسعى إلى تحقيق أهدافها الجيو – سياسية، مشدداً على أن روسيا تمتلك مواقف استراتيجية قوية في المنطقة، وبالتالي يمكنها أن تلعب دوراً أساسياً في إطلاق نموذج جديد.
وعن التواجد الامريكي في سرويا، اعتبر ظريف أنه يشكل تهديداً استراتيجياً للمنطقة عبر دعمها للأقليات بغية تحقيق أهدافها. في المقابل، نفى ظريف امتلاك بلاده قواعد عسكرية في سوريا، مشيراً الى أن إيران أرسلت مستشارين عسكريين إلى سوريا لمساعدة النظام السوري في حربه ضد تنظيم “داعش”.
شعبان: “الأتراك إنتهكوا القوانين”
كرست المستشارة السياسية والإعلامية للرئاسة السورية، بثينة شبعان، جل مشاركتها بالحديث عن الحرب التركية على الأراضي السورية، والمتجسد في عملية عفرين التي شنتها أنقرة ضد وحدات حماية الشعب الكردية شمالي سوريا. وقالت شعبان إن النظام التركي ساعد على دخول الإرهابيين إلى سوريا، وعندما أدرك أنهم خسروا، انتهك القوانين الدولية وبدأ تدخله شمالي سوريا، مضيفة “ان استمرار العدوان التركي على الأراضي السورية يعيق تقدم الحل السياسي، ويزيد من وجود الإرهابيين في سوريا ويعيق الانتصار الكامل عليهم.”
وختمت شعبان حديثها بتوجيه شكر إلى كل من روسيا وإيران على جهودهما المتواصلة لحل الأزمة السورية.
ليبيا بين مقاربتين متناقضتين
احتل الملف الليبي عناوين اليوم الثاني من المنتدى حيث تم الكشف عن تناقضات حقيقية بين المقاربتين الأميركية والروسية للصراع المستمر منذ سبعة أعوام.
السفيرة الأميركية السابقة في ليبيا، ديبورا ك. جونز، تساءلت عن قدرة ليبيا على ممارسة سيادتها، في ظل غياب البنية التحتية للدولة، ولا سيما البيروقراطية مشيرة الى ما قاله لها احد “الأصدقاء” الليبيين: “قبل عام 2011، كان يحكمنا شخص يدعي أنه غير مسؤول عن شيء، اليوم صار يحكمنا عدة أشخاص يدعون أنهم مسؤولون عن كل شيء.”
كلام السفيرة جونز عكس بوضوح الإطار العام للتعامل الأميركي مع الملف الليبي، وعنوانه العريض أن ليبيا هي عبارة عن قبائل وواحات انضوت في إطار دولة غير مكتملة. ووفقاً للسفيرة الأميركية، فإن الحديث يدور عن دولة لم يكن لها وجود قبل عام 1949، فالدولة الليبية تأسست لأهداف محددة، وقد شارك في ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا، بعدما وجد النفطٌ والمال ومع ذلك لم تكن هناك رغبة في إنشاء جهاز للدولة، بما في ذلك البيروقراطية الداعمة، ومبدأ تداول السلطة. وتساءلت جونز “في هذه الحال، كيف يمكن أن تنشأ في ليبيا دولة تتمتع بسيادة القانون وضمان الأمن للمواطنين والحصول على الثروة وتوزيعها بنحو متكافئ على كل أفراد المجتمع؟ وكيف يمكن التنسيق والتواصل مع الجيران؟”
على نحو مغاير، تحدث رئيس مجموعة الاتصال الروسية بشأن ليبيا، ليف دينغوف، مشيراً إلى وجود رغبة داخلية ليبية في الوصول إلى حلول سياسية، في مقابل تدخلات خارجية تعرقل أية اتفاقات في هذا الشان، حيث قال “إذا أردنا التطرق إلى الأوضاع الحالية في ليبيا، فإن الحديث من منطلق أن (العقيد معمر) القذافي كان سيئاً أو صالحاً، هو ثرثرة سياسية غير مفيدة”، مشيراً إلى أن الشعب الليبي كان مستعداً للثورة “ولكن هل الشعب الليبي نفسه كان صاحب قرار إسقاط القذافي؟”
وتطرق دينغوف إلى جهود تحقيق السلام حيث يبدي الليبيون استعداداً كبيراً في التوصل إلى اتفاق، وهو ما أظهرته تجربة مدينة مصراتة التي شهدت جهداً مشتركاً في ضرب إرهابيي “داعش”، ولكنه أشار إلى العراقيل الأساسية المتمثلة بالجهات الخارجية التي تعرقل كل الاتفاقات، بما في ذلك “اتفاق الصخيرات”، اذ اقترح تفعيل الجهود المبذولة من قبل الأمم المتحدة التي تسير بخطى بطيئة، مشدداً على أنه حان الوقت لكشف اللاعبين الخارجيين، فهناك بلد يقوم بتسليح ثلاث جهات، حيث تصل الأسلحة إلى طبرق، ثم إلى طرابلس، وغيرها. كما استشهد دينغوف بكلام الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين حول ليبيا، بإعتبارها “بلد فيه الكثير من العقد، التي لا يمكننا قطعها، ولذلك يجب العمل على تفكيكها، ونحن نسير في هذا الاتجاه.”
“قمة” فلسطينية – اسرائيلية؟!
تطرق الوزير لافروف إلى تسوية النزاع في الشرق الأوسط، حيث قال “إن موسكو تسعى للمساعدة في منع انهيار المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية بعد قرار واشنطن الاعتراف بالقدس عاصمة للدولة اليهودية”، مؤكداً على ان لا سبيل نحو التسوية سوى بالحوار المباشر بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مشيراً الى أن الاقتراح الذي تقدمت به روسيا قبل سنة ونصف حول ترتيب لقاء على الأراضي الروسية بين الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، ورئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، من دون شروط مسبقة، لا يزال قائماً، وأن موسكو في انتظار رد الطرفين.
من جانبه، قال ميخائيل بوغدانوف، مبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى الشرق الأوسط، إن الولايات المتحدة لم تعلن عن مضمون “صفقة القرن” بشأن النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، مشيراً إلى أن هذا الامر مثير للقلق. وأكد بوغدانوف أن واشنطن لا تعطي المجال للرباعية الدولية للعمل بكامل طاقتها كما يجب، مضيفا أنها تخلق حالة من عدم اليقين، ومحذراً من أن التسوية في الشرق الأوسط، القائمة على مبدأ التعايش بين دولتين، معرضة لتهديد خطير، مشدداً أن “نقطة اللا عودة” باتت قريبة جداً و”في هذه الحالة هناك خيار واحد فقط، دولة واحدة، لكنه لا يتناسب مع الفلسطينيين أو الإسرائيليين.”
اليمن لم يَغب
لم يغب اليمن عن فعاليات المنتدى بل كان حاضراً بأزمته المتواصلة منذ 3 أعوام في مداخلة للرئيس الجنوبي الأسبق، علي ناصر محمد، الذي درجت العادة على مشاركته. مداخلة أثارت الكثير من الجدل على الساحة اليمنية الجنوبية، خصوصاً، كونها نسخت مطلباً لطالما شدد عليه الرئيس ناصر في جميع النداءات التي أطلقها لوقف الحرب، ألا هو الاستفتاء على الاستمرار في الوحدة الاندماجية من عدمه.
وأكد الرئيس ناصر أن الحل يكمن بإيقاف الحرب، وتوفير مناخ سياسي ملائم للحل، والشروع بعد وقف اطلاق النار بخطوات لاستعادة الثقة بين المتصارعين بموجب الخطوات التالية:
– تشكيل مجلس رئاسي لادارة المرحلة الانتقالية.
– تشكيل حكومة توافقية من كافة المكونات السياسية.
– تشكيل لجان عسكرية محلية واقليمية ودولية لجمع السلاح الثقيل والمتوسط من الجماعات المسلحة ومركزتها تحت سلطة وزارة الدفاع الوطنية، والبدء في حوار بين كافة المكونات السياسية والاجتماعية للتوافق على شكل الدولة الفيدرالية وقيام الدولة الاتحادية من اقليمين.
– تشكيل لجنة دستورية لتنقيح المشاريع الدستورية المطروحة.
– تشكيل لجنة انتخابية لوضع الاسس لاجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، إذ أن الاحتكام الى صناديق الاقتراع ستجنب شعب اليمن المجابهات العسكرية بكافة اشكالها.
الى ذلك، رأى الرئيس ناصر أن عقد مؤتمر دولي لتمويل وإعادة إعمار ما دمرته الحرب مهم جداً، اذ يجب على مجلس الأمن الدولي دعم الخطة بحيث تكون ملزمة وقابلة للتنفيذ تحت إشرافه.
هذه المداخلة، اثارت عدداً من ردود الفعل الرافضة من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي، فيما لقيت ترحيباً من قبل أنصار الله التي رأت فيها مخرجاً جيداً للأزمة، كما برزت مواقف روسية مرحبة بالمبادرة، ومشددة على ضرورة دعم جهود المبعوث الأممي الجديد إلى اليمن.
مصدر الاخبار: وكالات
مصدر الصور: روسيا اليوم – سانا.