شارك الخبر

هاني الظليفي*

يوم مثير آخر للدولة الرومانية، وما أكثرها. قبل أيام، انطلقت مسيرات المعارضة في وسط العاصمة، وبالتزامن معها انطلقت مسيرات صاخبة في المدن الرئيسية ومراكز المقاطعات الرومانية للتنديد بإجراءات الأغلبية الاشتراكية في مجلس النواب التي تنوي إجراء تعديل على بعض مواد قانون الجنايات، تسهل من خلالها محاكمة بعض المتهمين بقضايا الفساد التي تطال عدد من كبار المسؤولين في الدولة، وعلى رأسهم رجل رومانيا القوي، رئيس مجلس النواب، ورئيس الحزب الديمقراطي الاشتراكي السيد “ليفنيو دراغنيا”، ورافعين شعارات تدين “دراغيا” وجماعته، واصفين إياهم باللصوص، حيث قامت قوات الدرك بإعتقال العديد من المحتجين، ثم جاء يوم الخميس، 21 يونيو/حزيران 2018، ليكون اليوم الأكثر إثارة، إذ صدر قرار شجاع  للجنة من ثلاثة قضاة يدين الرجل القوي اليساري “دراغنيا”، ويحكم عليه هذه المرة بالسجن ثلاث سنوات ونصف مع التنفيذ.

ليفينيو دراغنيا، البالغ من العمر 55 عاماً، هو رئيس الحزب الاشتراكي الحاكم، ورئيس مجلس النواب حالياً، وهو قيد التحقيق أيضاً في قضية اتهم فيها بإصدار وثائق بقصد اختلاس أموال الاتحاد الأوروبي، وهو كذلك قيد التحقيق بقضية غسيل أموال  في البرازيل، ولكنه سبق وان حُكم عليه فعلياً بسنتي سجن مع وقف التنفيذ في قضية تزوير نتائج الانتخابات البرلمانية، وهو السبب الذي أتاح لرئيس الجمهورية، الذي يتصدى له دوما ويتصادم مع  حكومته السيد “كلاوس ايوهانيس” المنتمي لوسط اليمين المعارض لدراغنيا، الى عدم منحه الثقة ليتمكن من أن يصبح رئيساً للوزراء، غير أن دراغنيا بنفوذه، هو من يعين رئيس الحكومة كالسيدة فيوريكا دانسيلا، هو الحاكم الفعلي من وراء حجاب.

صحيح أن قرار المحكمة قابل للطعن والاستئناف، لكنه يعتبر ضربة قوية لطموحات أقوى رجل في السلطة اليسارية في رومانيا، ومن المتوقع أن يضعف قدرة دراغنيا على التأثير في السياسات الوطنية، بحيث لا يبقى سيد اللعبة على المسرح السياسي الروماني، كما اعتاد منذ سنوات بعيدة بحكم نفوذه فوق العادي داخل البلاد، وأن يتحكم بمجريات الأمور فيها.

ومن جملة الإثارة الرومانية أن دراغنيا خطب في الحشود من مناصريه، يوم 9 يونيو/ حزيران، في تجمع كبير يفوق الـ 120 ألف شخص وسط العاصمة بوخاريست مندداً بما أسماه “الذراع الطويلة الضاربة للدولة الموازية” التي تعيق جهود قيادته في تحقيق برنامج الحزب الذي يهدف إلى تحقيق التنمية والازدهار لشعب رومانيا، وهو يقصد  بذلك السلطة القضائية ومدعي هيئة مكافحة الفساد والمتواطئة مع جهاز المخابرات، والذي يتهم دوما بالتآمر عليه، مطالباً بالضغط على رئيس الجمهورية للإطاحة برئيسة هيئة مكافحة الفساد المرتبطة مع المخابرات، السيدة لورا كوفيسي، حيث استطاعت الحكومة أن تلتمس إلى المحكمة الدستورية أن تأمر الرئيس بعزل المدعية العامة للهيئة، كما هددت أن تعمل على عزل الرئيس نفسه حال رفضه ذلك، كما أعلن الحزب عن نية رئيسه دراغنيا للترشح لمنصب رئيس الجمهورية. 

الأمر المثير الأخير يكمن في تصويت البرلمان الروماني، الذي يسيطر عليه ائتلاف يساري يقوده الحزب الاشتراكي بزعامة دراغنيا خلال هذا الأسبوع، على عدد من التغييرات المثيرة للجدل في القانون الجنائي، كمحاولة من تحالف دراغنيا لإضعاف التشريعات المتعلقة بمكافحة الفساد ومصممة خصيصاً على قياس دراغنيا نفسه، كما يقول النقاد والمعارضة، وإنها تعرقل مكافحة الفساد وتشجع المجرمين والفاسدين على الإفلات التام من العقاب، وذلك في تطور مثير آخر يكشف هشاشة الديمقراطيات الإقليمية في مرحلة ما بعد الشيوعية. 

هذه المرة، اتهم المدعون العامون في هيئة مكافحة الفساد، دراغنيا بإستخدام نفوذه حين كان يعمل رئيس مجلس مقاطعة تيليرومان، عام 2008، لتعيين وإبقاء امرأتين من كوادر الحزب الذي يرأسه على كشوف رواتب مديرية التنمية الاجتماعية وحماية الطفل، التابعة للحكومة اللامركزية، وهما لا تعملان فيها فعلياً، مطالبين بإيقاع أشد العقوبة عليه، أي بالسجن عشر سنوات  بتهمة التحريض على إساءة استخدام السلطة. القضية شملت العديد من الموظفين المتورطين الذين تلقوا أحكاماً مماثلة بما فيهم زوجته السابقة، والتي برأتها المحكمة شريطة دفع تعويض، وقد نفى دراغينا مراراً ارتكاب أية مخالفات، منكراً معرفته بهاتين الموظفتين وتفاصيل الموضوع، وبكون عمل رئيس مجلس المقاطعة، من العام 2006 ولغاية العام 2010، والذي يعمل فيها أكثر من 2000 موظف، هو عمل تنسيقي واستشاري لا تنفيذياً، وليس من صلاحياته التعيين، كما جاء في دفعه أمام المحكمة.

وبالتأكيد تبدو المعارضة السياسية الرومانية الآن في غاية السرور لهذا الحكم التاريخي، لكن الاتحاد الأوروبي، الذي يراقب عن كثب رومانيا ويريد أن يرى جهود ملموسة على تحسن أداء القضاء الروماني، سيكون بدوره مسروراً أيضاً من هذا الحكم “الشجاع” الذي يدعم بقوة ويثبت جهود مكافحة الفساد في واحدة من دول الاتحاد الأكثر تضرراً من هذه الآفة المهيمنة على الحياة السياسية منذ انضمام البلاد إلى الاتحاد الأوروبي، أي منذ أكثر من عشر سنوات، التي غالباً ما يشكو فيها القضاة من الضغط السياسي عليهم. غير أن السيد دراغنيا، المعروف بحنكته والمهدد الآن بالسجن واعتزال جميع مناحي الحياة السياسية بحكم القانون، لن يقف مكتوف الأيدي ولن يعدم وسيلة في التخلص من هذا المأزق.

الشارع السياسي في رومانيا يترقب الموقف وما يمكن أن يصدر عن دراغنيا والحزب الاشتراكي الديمقراطي من ردود أفعال، ويترقب أيضاً مستقبلاً زاهراً مستحقاً لشعب رومانيا الكريم. يترقب رومانيا قوية وديمقراطية قوية خالية من الفساد السياسي.

*باحث سياسي أردني

مصدر الصورة: RTV.net.


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •