شارك الخبر

سمر رضوان

منذ تدخلها العسكري في الأزمة السورية، تمكنت روسيا وفي زمن قياسي من التحول إلى لاعب أساسي مؤثر في التوازنات الإستراتيجية التي تحكم الشرق الأوسط. وبهذا الشأن، توظف موسكو صناعتها الحربية المتطورة لتكريس نفوذها في المنطقة من خلال إتمام صفقات بيع منظومات دفاعية متطورة، الأمر الذي يعتبر تصعيدا مع الولايات المتحدة بعد شراء تركيا لمنظومة “إس – 400″، مما وضع الأخيرة على مفترق طرق. فكيف ستخرج منه؟

حول خيارات تركيا وأسلحتها في مواجهة العقوبات الأمريكية من تداعيات إستلام منظومة “إس – 400” سأل مركز “سيتا” الأستاذ محمود علي، الباحث في العلاقات الدولية من أنقرة، عن هذا الموضوع.

إختناق إقتصادي

تحبس تركيا، شعباً وحكومة، أنفاسها ترقباً للقرار الأمريكي المتوقع بسبب بدء تسلم أنقرة لمنظومة الدفاع الصاروخية القادمة من روسيا والتي أثارت قلاقل كبيرة في العلاقات بين تركيا وأمريكا طيلة الشهور الماضية بسبب رفض الأخيرة القاطع لها، يقابلها إصرار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على المضي فيها.

على الجانب الإقتصادي، فقد تأثرت العملة التركية كثيراً منذ بدء سريان العقوبات الإقتصادية الأمريكية التي فرضها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على أنقرة بسبب محاكمة القس الأميركي، أندرو برونسون في أغسطس/آب من العام 2018، بدعوى تواطئه مع جماعة الداعية فتح الله غولن، الخصم السياسي اللدود للرئيس أردوغان.

موقف ثابت

تأتي الصفقة الروسية لتضيف المزيد من الهلع والفزع تخوفاً من انهيار كبير قادم على العملة التركية مجدداً خصوصاً وأنها لم تتعافى تماماً، حيث خسرت أكثر من ثلث قيمتها في الشهور القليلة الماضية. ولكن من جانبها، حسمت تركيا موقفها من منظومة الدفاع “إس – 400″، وقالت على لسان الرئيس أردوغان إنه لا رجعة عن تسلم الصفقة بالكامل.

لكن تصريح الرئيس أردوغان، بالأمس القريب، جاء فيه أن اكتمال تسلم الصفقة سيكون مطلع أبريل/نيسان من العام 2020، في إشارة إلى أن أنقرة تقوم بتمديد أمد الإنتهاء من تسلم الصفقة بالكامل رغبة منه في كسب المزيد من الوقت لفتح الباب أمام المفاوضات مع واشنطن حول العقوبات المرتقبة. لكن الخارجية الأمريكية ومعها البنتاغون، لديهما موقف ثابت من العقوبات ولن يتراجعا عنه.

خروج من الناتو

ترى تركيا أن لها الحق في الحصول على منظومة الدفاع الروسية وذلك بسبب مشاكل جوهرية لديها في نظامها الدفاعي الجوي، حيث أنها لا تمتلك نظام دفاعي استراتيجي أرض – جو، وتعتمد على عضويتها في حلف شمال الأطلسي – الناتو التي تمنحها حق الحصول على الحماية من الحلف وهو ما يقلق تركيا بطبيعة الحال التي تخشى تأثر علاقاتها بحلف الأطلسي ومن ثم تظل في مأزق بخصوص دفاعاتها الجوية.

وتتعلل تركيا أيضاً الأمر بأن إدارة الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، رفضت بيعها نظام “باتريوت” الذي يساعدها على تغطية كل أراضيها جواً، ما دفعها إلى اللجوء للصين لشراء منظومات دفاعية، وهو ما رفضته واشنطن أيضاً.

إن تحسن العلاقات مع موسكو، خاصة بعد فشل المحاولة الإنقلابية في يوليو/تموز 2016 وتداول معلومات غير رسمية عن دور لروسيا في كشف مخطط الإنقلاب باكراً، كان دافعاً امام الرئيس أردوغان إلى تحسين علاقاته مع موسكو والبدء في الإتفاق معها على شراء المنظومة، ما أزعج واشنطن بطبيعة الحال.

تهديدات وإلغاء صفقات

من المرتقب أن تواجه تركيا أنواعاً مختلفة من العقوبات الأمريكية، على شاكلة تقليص التعاون العسكري بين البلدين، وهو ما حدث بالفعل حيث خرجت تصريحات وتهديدات غير رسمية بوقف تعاون واشنطن مع تركيا بخصوص طائرات “إف –  35” المهمة لأنقرة.

إن هذه الصفقة بالذات تشكل نوعاً من الحساسية القصوى لدى واشنطن، فالأخيرة ترى أن حصول تركيا على طائرات “إف – 35” بجوار الـ “إس – 400” سوف يدفع إلى كشف ثغرات الطائرات الحديثة الأمريكية ونقل تفاصيل ذلك إلى روسيا، الحليفة القوية لتركيا، ما يهدد مستقبل تلك الطائرات وقيمتها وتسويقها للدول المختلفة التي ترغب بشرائها.

فضلاً عن تقليص التعاون العسكري المشترك، من المرتقب أن تواجه تركيا عقوبات بقانون “جاستا”، حيث يتيح لأمريكا تطبيق ما لا يقل عن 5 عقوبات مختلفة على تركيا تتعلق بالقطاع المالي والمصرفي وبطبيعة الحال سيؤثر ذلك بشكل جوهري على الليرة التركية والإقتصاد التركي المهتز.

تخزين الدولار

وبناء على ما سبق فإن تركيا “الحكومة” ترى أنها مقبلة على عقوبات أمريكية لا محالة، وأن الليرة ستتأثر بطبيعة الحال، لكنها ترى في اعتقادها أن اهتزاز الليرة بات أمراً اعتيادياً لدى المواطن التركي؛ وبالتالي، فهي غير قلقة من حجم العقوبات.

في المقابل، ما يعني المواطن التركي أنه مقبل على مزيد من انهيار العملة وبالتالي فقدان جزء كبير من مدخراته، وارتفاع الأسعار، والضرائب ما دفع الكثير من الأتراك في الأيام القليلة الماضية الى البدء في بيع عقاراتهم ومدخراتهم العقارية واستبدالها بالدولار الأمريكي، ووضعها في البنوك، ضماناً للحفاظ على قيمتها كدولار المتوقع زيادة سعره بعد العقوبات، وتقليل الخسائر التي ستلحق بهم في نفس الوقت.

مصدر الصور: مونتي كارلو – جريدة زمان التركية.



شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •