حوار: سمر رضوان

قد لا تبرر الأحداث المأساوية التي يعيشها لبنان أن تكون الساحة الداخلية مسرحاً لتصفية الحسابات لأن الوضع يحتاج إلى تضافر جميع الجهود، وتوفير الدعم الكامل لكل المتضررين من الأوضاع المستجدة، ضمن معايير إتاحة الفرصة للحكومة في إكمال ما بدأت به. فهل تنجح هذه الحكومة في ضوء وجود من يحاول إنهاءها؟ وهل أن الإنقسامات في إزدياد؟ وماذا عن التدخلات الخارجية والضغط الداخلي؟

حول هذه المحاور والإجابة عليها، سأل مركز “سيتا الأستاذ رفعت بدوي، الباحث اللبناني ومستشار رئيس الحكومة الأسبق الدكتور سليم الحص، عن هذه المواضيع.

أزمة مفتعلة

يرزح لبنان تحت وطأة أزمة إرتفاع سياسية مفتعلة للدولار، ومما لا شك فيه أن الناس لم تعد تكترث بتخفيف التعبئة أو بتجديدها، فمعظم اللبنانيين باتوا تحت خط الفقر بسبب غلاء المتطلبات الأساسية بشكل فاحش، الأمر الذي ينذر بإنفجارٍ شعبي وجماهيري كبير في وجه هذا “الإفتعال السياسي” الذي نراه، حيث لم يعد راتب اللبناني يكفي لسد جزء يسير من متطلباته الأساسية.

لكن هناك شيء يجب أن نلتفت إليه وهو ما يجري اليوم من هبّة أو إنتفاضة شعبية محقة، فالوضعين الإقتصادي والمالي أصبحا ضاغطين بشكل كثير، ناهيك عن أن مدخرات اللبنانيين في البنوك كادت أن تتبخر، إن لم نقل تبخرت، وهو ما لم نعهده في أي بلد أن يصار إلى “هضم” حقوق وايداعات المواطنين في البنوك.

تبريرات غير مقنعة

مما لا شك فيه أن السياسات والهندسات المالية لحاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، أدت إلى ما أدت إليه، بالإشتراك مع المصارف التي لم يعد لديها نقوداً تكفي متطلبات السحوبات اليومية بسبب الحصيلة الضخمة من الدولارات التي تم تهريبها إلى الخارج بغرض الإستفادة منها بسنداتٍ خارجية. لذلك، هناك هوة بموضوع الدولار غير الموجود بالإضافة إلى النقد اللبناني الذي بالكاد أن تحصل عليه من البنوك، حيث تقف الناس في طوابير أذلاء على أبوابها من دون أن يستطيعوا الحصول على مدخراتهم أو جزء منها.

إن سعر الصرف الذي فرضه حاكم مصرف لبنان على البنوك، وهو أمر لم نعهده في دولة بالعالم، هو أقل من النصف من تلك التي يتم التداول بها في السوق السوداء. لذلك، أعتقد أن مدخرات اللبنانيين تتبخر شيئاً فشيئاً، وهذا أمر يدعو إلى الإنتفاضة.

وما هو لافت في هذا المجال تصريح لرئيس المجلس النيابي، نبيه بري، الذي أشار فيه إلى أن إقالة حاكم المصرف ستكون كارثية لجهة صرف الدولار، الذي قد يصل عشرة أضعاف ما كان عليه. من هنا نسأل الرئيس بري: أين كنت طوال هذه الفترة؟ ألم تكن مشاركاً في الحقبة التي حكمت لبنان منذ العام 1992 حتى اليوم؟ إنه شريك أساسي فيما جرى، وشريك أيضاً بما جرى في مصرف لبنان من خلال موافقته على سياساته المالية.

خياران فقط

من هنا، على حاكم مصرف لبنان أن يكشف عن سياسات وموجودات المصرف بشفافية حتى يستطيع المواطن اللبناني الإطلاع عليها، وأيضاً المسؤولين لكي يبنى على الشيء مقتضاه، خصوصاً وع وجود محاولات، من قبل قوى خارجية، لوضع البلد أمام خيارين؛ الخيار الأول، أن يكون التمويل المالي تمويلاً سياسياً ما يعني حطف قرار لبنان ليصبح بعهدة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إن أنهم يحاولون إغتيال حرية قرار الدول عبر خنقها إقتصادياً ثم السيطرة عليهم من خلال مد يد المساعدة، لكن لأن يكون هذا البلد مطية تحت إرادة الأمريكي وغيره في المنطقة.

أما الخيار الثاني، فهي المحاولات المستمرة لتمرير ما يسمى بـ “صفقة القرن”، حيث يعتبر لبنان عقبة أساسية لوجود عدد كبير من لاجئين الـ 48 وغيرهم على أرضه، إذ أن هناك محاولات لإخضاع لبنان وإجباره على توطينهم، وأيضاً توطين السوريين، حيث تتجه محاولات كل من البنك الدولي والولايات المتحدة نحو تحقيق هذا الهدف بالتحديد. بالتالي، نحن ذاهبون نحو مزيد من الفوضى والضغوط إلى أن يقبل لبنان شروط واشنطن ومعها صندوق النقد.

ضغوط مزدوجة

داخياً، هناك فرقاء لبنانيين يسعون إلى إسقاط حكومة الرئيس حسان دياب بنفس السيناريو الذي حصل مع الرئيس الراحل عمر كرامي، في العام 1992، علماً بأن الولايات المتحدة لا تهمها حكومة حسان دياب أو سعد الحريري، ولا عودته، ولا أية حكومة في لبنان. ما يهمها هو إثارة الفوضى ودفع البلاد نحوها من أجل إرباك المقاومة داخلياً، وتنفيذ أجندات واشنطن بـ “الفوضى”، كونها عجزت عن تحقيقها بالقوة العسكرية، من خلال الضغط الإقتصادي والإجتماعي القوي.

هنا، يمكننا القول بأن هناك العديد من المستفيدين من تلك الفوضى التي نراها اليوم نظراً لدخول أجندات سياسية خارجية على الخط لا سيما الأجندات الأمريكية وتحركات السفيرة الأمريكية الأخيرة، التي تشي بفرض ضغوط سياسية على المسؤولين اللبنانيين بغية تنفيذ أجندة معينة يجري الحديث عنها، ووضع لبنان تحت الضغوط للوصول إلى إنفجار شعبي هدفه الضغط على المقاومة، وبيئتها الحاضنة، وحشرها في الزاوية. فهناك إعتقاد لدى الإدارة الأمريكية بأنه إذا ما ضغطنا على لبنان وإنفجر الوضع فيه نحو الفوضى، سيفقد حزب الله هيمنته على الدولة وقوته بالتأثير على الداخل اللبناني، وبذلك يتحقق مأرب الولايات المتحدة، خصوصاً وأن هناك أفرقاء سياسيين تتماهى سياساتهم مع تلك الأجندة حيث أعلن البعض منهم أنهم لن يكونوا شركاء في أية حكومة يتمثل بها حزب الله، وهذا موقف جديد.

أيضاً، كان لافتاً إستهداف الجيش اللبناني وعناصره وهو أمر لم نعتده من قبل، وهذا دليل أخر على أن هناك أجهزة خارجية تضغط بهذا الإتجاه لإثارة الفوضى في لبنان.

خطوة أولية

إن قرار وزير الإتصالات، طلال حواط، بإسترجاع القطاع الخلوي للدولة اللبنانية هي خطوة مهمة، لأن كل الذين تعاقبوا على هذه الوزارة لم يستطيعوا إسترداد هذا المرفق الحيوي الكبير والذي يعتبر “بترول لبنان” فهي تشكل خطوة مهمة على طريق إستعادة مكاسب الدولة اللبنانية. وفي حال قررت الحكومة إعادة التلزيم، يجب أن يصار إلى وضع دفتر شروط شفاف تشرف عليه هيئة المناقصات ضمن القوانين واللوائح المعمول بها.

من هنا، يمكن القول بأن هذه خطوة تعتبر متقدمة جداً وتسجل لكل من الوزير ورئيس الحكومة، على أمل أن تستعاد أموال الدولة ومرافقها لتستفيد منها الخزينة، من خلال الضرائب، بعدما أفقرت عقود الـ B.O.T الدولة اللبنانية، بالإضافة إلى الكثير من عقود التلزيم بالتراضي، على مدى ثلاثين عاماً الماضية، إن كان لجهة النفايات أو المشاريع العمرانية أو “الفيول اويل” وغيرها. لذلك، نحن ضد تخصيص أي مرفق للخارج ما لم تعود منفعته للدولة اللبنانية على أن يعاد بعد إنتهاء فترة التلزيم إلى أملاكها أياً يكن هذا المرفق.

في هذا الشأن، أريد أن أشير إلى أن إسترداد مرفق حيوي، كالإتصالات، لن يخفف من الإحتقان الشعبي فالشارع إنفجر نتيجة أزمات أخرى أكبر، كالدولار وغلاء المعيشة، حيث يشعر اللبناني بأن عملته الوطنية لم يعد لها أية قيمة حقيقة، هذا مع الحفاظ على حق الشعب بالتعبير السلمي عن مطالبه كافة.

وعي للمرحلة

فيما يخص مسألة الغاز، هي موضع خلاف بيننا وبين العدو الإسرائيلي، فالولايات المتحدة تريد ترسيم حدود البحرية بحسب “خط هوف” ما يحرم لبنان من إستعادة 850 كلم2 والتي يقع ضمنها البلوك رقم 9. إن العدو الإسرائيلي لا يريد الترسيم بحسب القواعد الدولية، فهو يريد الإستيلاء على البلوك رقم 9، بمساندة واشنطن التي تضغط على لبنان من أجل القبول بذلك كخطوة أولى لمساعدته مالياً.

أما بالنسبة للدعم المالي، فلا يجب أن نتوقع أية مساعدات، عربية أو أجنبية، ما لن تكن مرتبطة بمطالب سياسية، وهو ما نرفضه لأننا نطالب بحرية القرار اللبناني والحفاظ على المقاومة، بالتأكيد، حتى لو كلفنا هذا الرفض أن نضغط على أنفسنا ونعيد برمجة حياتنا من جديد.

مصدر الصورة: موقع المدى.

موضوع ذا صلة: لبنان.. بين الإفلاس والكورونا