طائرة بدون طيار؛ تكنولوجيا امتلكتها طهران منذ قرابة 40 عاماً، لا تتطلب صناعتها سوى كلفة ووقتاً أقل بكثير مقارنة بتكلفة تصنيع الطائرات المقاتلة الهجومية المأهولة، كما أنها أرخص في البناء والصيانة.

وبالرغم من استهداف العقوبات الأمريكية لإيران لتحجيم أنشطتها في الشرق الأوسط، بتجفيف منابع العملات الصعبة التي تأتيها من القطاع النفطي، النبع الذي يغذي خزينة طهران، فإنّ الدرونز تجاوزتها ولعبت أدواراً في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهو سلاح تفشل واشنطن وحلفاؤها، حتى الآن، في ردعه أو السيطرة عليه في الدول التي تشهد حروباً بالوكالة بين أطراف مختلفة منها إيران.

نظام صمد أمام سبعة رؤساء أمريكيين وعقوبات كثيفة، فكيف تمكن من صناعة طائرة بدون طيار؟ وكيف استخدمها لفرض نفوذه في عدة دول بالمنطقة؟

عقيدة الحرب غير المتكافئة.. كيف طورت طهران أول درونز مقاتلة؟

في العام 1988، انتهت حرب الخليج الأولى التي استمرت ثماني سنوات، بتوقيع إيران مضطرةً هُدنة “كأس السمّ”، كما يسميها الإيرانيون، لوقف الحرب الطويلة التي خلّفت وراءها نحو مليون قتيل، وكلّفتها أكثر من مليار دولار، كان نصيب العراق منها 561 مليون دولار، ونصف مليون من القتلى، واجتذبت الحرب دعم واشنطن، والاتحاد السوفيتي، والصين، وفرنسا، وبريطانيا، وأغلبية الدول العربية، ومنها الكويت التي فتحت موانئها للجيش العراقي، حتى أن الأمم المتحدة لم تعترف بأنّ العراق هو من أشعل فتيل الحرب.

واجهت إيران في الحرب أزمة كفاءة بشرية، خاصة أن الحرب جاءت بعد عامٍ واحدٍ من الثورة الإيرانية عام 1979، التي خلعت نظام الشاه، وأقالت معه أغلب الضباط رفيعي الرتب من الجيش الإيراني وأعدمت عدداً كبيراً منهم.

وواجهت أزمةً ثانية في القوة العسكرية؛ فإيران الإسلامية باتت أمام حقيقة مفادها أنها غير قادرة على الوصول إلى أحدث التقنيات العسكرية الأجنبية للتسليح، وأنّ أية مواجهة مستقبلية ستضطر فيها لدخول حرب غير متكافئة، لذا كان الاهتمام بالصناعة المحلية هو الحل الوحيد للنظام الوليد.

ولأن وصول طائرات الرافال الفرنسية لمواقع القوات العراقية أثناء الحرب صار خطيراً، فقدَ الإيرانيون أهم وسيلة موثوقة للحصول على المعلومات والاستطلاع، فإتجه الحرس الثوري للاستفادة من الكفاءات المحلية في صناعة طائرات مسيرة بدائية بسيطة تطير على ارتفاع منخفض ومزودة بكاميرات عادية وجرّبتها في جبهات القتال.

هل وصلت إيران لتقنيات صناعة طائرة محلية بدون طيار في الثمانينيات؟ ما زال الأمر سراً غير معروف حتى اليوم، ولكن شواهد عدة تؤيد رواية حصولها عليها بطرقٍ سرية أو غير مشروعة في سنوات العقوبات والقيود التي طالتها، وتمكنت من تصميم وبناء أجزاء الدرونز بدون اعتماد على الموردين الأجانب، ويُعتقد أنّ طهران ربما تمكنت من الوصول إلى نموذج إسرائيلي، مع استفادتها من برمجية طائرة تجسس أمريكية أسقطتها العام 2011 أثناء تحليقها في مهمة للتجسس على المنشآت النووية.

واللافت أنّ إيران أرسلت العام 2018 طائرة مسيرة هجومية لإسرائيل، وبعد إسقاط جيش الاحتلال الإسرائيلي للمسيّرة تبيّن أنها تحمل نفس الهندسة الأمريكية للطائرة التي أرسلتها واشنطن للتجسس على طهران. وقبلها بأربعة أعوام، أعلنت القوة الجوية والفضائية للحرس الثوري الإيراني أن قواتها أسقطت طائرة إسرائيلية بدون طيار من طراز “هيرمس 450″، بالقرب من منشأة نووية، ما منح إيران كنزاً معلوماتياً دفعها فيما بعد لتجهيز نسخة خاصة من الطائرة.

رفع حظر التسليح عن إيران في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 بعد أن إستمر منذ العام 2007 بقرار أممي، ومنذ رفعه سعت إيران رسمياً لإبرام اتفاقات مع روسيا والصين تشمل تقديم خصومات كبيرة على أسعار النفط مقابل الاستثمار في الطاقة والوصول إلى الأسلحة، بما في ذلك الطائرات بدون طيار، وهو التهديد الذي دفع واشنطن لحشد الدعم الدولي لتمديد الحظر المفروض على طهران، ولكنها أخفقت بسبب معارضة روسيا والصين، العضوين الدائمين في مجلس الأمن الدولي.

ما الذي نعرفه عن حجم ترسانة الدرونز الإيرانية؟

تنتج إيران رسمياً كل عام إصداراً جديداً من الدرونز تُخضعها بصورة مباشرة للجيش الإيراني، وليس الحرس الثوري، وفي أواخر 2019، كشفت طهران عن آخر إصداراتها وإنجازاتها العسكرية في الدرونز المقاتلة؛ طائرة “كيان”، والتي صممت وجربت خلال عام واحد للطيران لأكثر من ألف كيلومتر، ونجحت في ضرب أهداف خارج البلاد بدقة عالية، وتقول الجمهورية الإسلامية إنها قادرة على حمل ذخائر مختلفة ويمكنها الصعود على ارتفاع 5 آلاف متر.

وتمتلك إيران عائلتين من الطائرات بدون طيار، أولها التقليدي، خاص بالمراقبة والهجوم الأرضي، ويستخدم لجمع المعلومات الاستخبارية الخاصة بالاستطلاع قبل بدء الهجوم باستخدام العائلة الأخرى من نوع “كاميكاز”، ذات الاستخدام الفردي للهجوم الأرضي الدقيق، وتسمى في وسائل الإعلام الأجنبية بصواريخ “كروز”.

وفي عام 2006، ظهرت في حرب لبنان طائرات مسيرة إيرانية من نوع “أبابيل”، تمكن بها حزب الله اللبناني من إسقاط طائرتين إسرائيليتين من طراز “إف-16″، واستهداف اثنتين أخريين، و”أبابيل” هي واحدة من أوائل الطائرات الإيرانية المسيرة التي طورتها طهران على عدة أجيال بداية من حرب الخليج الأولى، وكانت في إصداراتها الأولى صالحة للاستخدام مرة واحدة ومجهزة لحمل 40 كيلوجراماً من المواد المتفجرة.

ولكن تعتبر الطائرة المسيرة “شاهد 129” فخر الصناعة المحلية الإيرانية، وتبلغ قيمة الواحدة منها 7.5 مليون دولار، وهي قادرة على حمل صواریخ موجهة مضادة للدبابات، وبإمکانها حمل ثمانية صواريخ موجهة وتنفيذ مهام المراقبة والرصد وتدمير الأهداف في آن واحد، والأخطر أنها مصممة بمحرك نفاث قادر على التحليق لمدة 24 ساعة متواصلة، وقطع مسافة قدرها ألف و700 كم، دون أن ينقطع توجيهها عبر الأقمار الصناعية.

ويُنظر لهذا الجيل بأنه مُرشح ليكون الأكثر فتكاً بين الطائرات الإيرانية بدون طيار، خاصة أن تعزيزاتها المتطورة المستمرة جعلتها الأكثر إزعاجاً للقوات الأمريكية الموجودة في الخليج العربي، وتعتمد عليها إيران في تنفيذ تهديداتها بإغراق السفن النفطية، باعتبارها من أوراق الضغط التي استعملتها لمحاولة إقناع الإدارة الأمريكية بالعودة للاتفاق النووي الذي انسحب منه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مايو/أيار 2018.

تمتلك طهران أيضاً الطائرة “مهاجر” بعدّة إصدارات آخرها وأحدثها بإمكانها حمل 600 كجم، ومداها يبلغ 2000 كلم، وتبلغ سرعتها القصوى 200 كلم/ساعة، وتستخدمها إيران في مراقبة الحدود ورصد المناخ، كما أنها قادرة على حمل قنابل ومدفع آر بي جي وإرسال مقاطع مصورة، واستخدمها الحرس الثوري لقصف مواقع لتنظيمات يصنفها “إرهابية” بمحاذاة باكستان، ومناطق بالقرب من كردستان العراق.

وخلال معرض “ماكس 2019” الجوي الدولي في روسيا، كشفت إيران عن طائرة جديدة من طراز “مبين” الإنتحارية.

ولم تعلن إيران رسمياً عن حجم ترسانتها من الطائرات المسيرة، ولا كيف استطاعت الوصول إلى نسخها الخاصة في صناعتها التي استغلّتها بكفاءة، لكنّها ما زالت تواجه خطراً لعدم قدرتها على التخفي من الرادارات، كما أن العقوبات المفروضة على إيران منعتها من استيراد المحركات الخفيفة لإنتاج طائرات مسيرة كبيرة الحجم وبعيدة المدى، ويُعتقد أنّ قرار رفع حظر التسليح المفروض على طهران سيمنحها فرصة ذهبية لتطوير صناعتها التي تصدرها لحلفائها الإقليميين.

أين استُخدمت الدرونز الإيرانية في الشرق الأوسط؟

في يناير/كانون الثاني 2019، تمكنت طائرة مسيرة لجماعة الحوثي من الوصول إلى أهم القيادات العسكرية في الجيش اليمني، واستطاعت تخطي الرادارات لتصل فوق منصة عرض عسكري أقيم في قاعدة “العند” الجوية بمحافظة لحج جنوبي اليمن، وانفجرت حاصدة أرواح ستة جنود وضابطين منهم رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، اللواء محمد صالح طماح.

ويسيطر الحوثيون اليوم على العاصمة اليمنية صنعاء ومعها 10 محافظات يمنية من أصل 21 منذ سبتمبر/أيلول عام 2014، وعلى إثره شنّت السعودية حرباً لإعادة “الشرعية اليمنية”.

وحتى وقت تاريخ استهداف أهم القيادات الأمنية في الجيش اليمني، لم يكشف الحوثيون كيف امتلكوا طائرة بدون طيار من هذا النوع، ولم تعترف إيران هي الأخرى بأي دور لها في الحرب، ولكنّ الانتصارات الأخيرة التي حققتها جماعة الحوثي في شمال اليمن دفعت طهران للاعتراف لأول مرة على لسان المتحدث باسم القوات الإيرانية بتزويد الحوثيين بتقنيات طائرات مسيرة وصواريخ مدفوعة الثمن.

الطائرات المسيرة الإيرانية كانت أيضاً سلاح الحوثيين الفعال في استهداف العمق السعودي وضرب منشآت نفطية واستراتيجية، وهو ما دفع دولاً مثل ألمانيا لفرض حظر على بيع محركات طائرات لإيران، بعدما اكتشف أنها تُستخدم في الطائرات المسيرة الحوثية، والتي تهاجم بها السعودية التي ردّت بإعلان تدشين منظومات طائرات بدون طيار، على أن تُطلق ستة أنظمة في العام 2021، و40 نظاماً خلال خمس سنوات.

وكان أبرز استخدام إيراني للدرونز عملية استهداف معامل نفط شركة “أرامكو” السعودية العام 2019، التي تبناها الحوثيون رغم أن تقارير أمريكية أكدت أن الطائرات انطلقت من إيران.

العراق أيضاً، وهو أهم ساحات النفوذ الإيراني في العالم العربي، يشهد امتلاك فصائل وميليشيات لتلك الأسلحة المتطورة، وبحسب ما نقلته وكالة رويترز العام 2014 عن قادة كتائب حزب الله العراقي، ذات الصلة الوثيقة بإيران، قدّم النظام الإسلامي لتلك الفصائل تدريباً متقدماً على تشغيل الطائرات المسيرة التي كانت تستخدم في أغلب الأحيان لاستهداف مواقع تنظيم الدولة الإسلامية – “داعش”.

وتنفذ الطائرات المسيرة الإيرانية بانتظام هجماتٍ لاستهداف حزب العمال الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، الموجودين في الأراضي العراقية، وتعتبرهم تركيا وإيران منظمات “إرهابية”.

وفي سوريا التي تشهد حرباً أهلية منذ العام 2011، تدخلت طهران بترسانة ضخمة من الدرونز الخاصة بها، وأشعلت مواجهات جوية مع إسرائيل التي سبق واستهدفت طائرات مسيرة كانت تخطط لضرب أهداف داخل الأراضي المحتلة.

أما في فلسطين والأراضي المحتلة، تغيّرت قواعد المواجهة بين حركة المقاومة الإسلامية – “حماس” وإسرائيل، ولم تعد المواجهة قاصرة على قصف مستوطنات غلاف غزة بهجمات صاروخية محلية الصنع، بل دخلت الطائرات المسيرة على خط العمليات العسكرية بين الطرفين، وأجرت طائرات حماس مهاما استطلاعية، عدت ناجحة في وقت تشير فيه تقارير إسرائيلية إلى أنّ لإيران أيادٍ خفية في قدرات المسيرات التي تمتلكها حماس.

تحقق الإستراتيجية العسكرية للطائرات بدون طيار أهدافاً عسكرية بكلفة قليلة لا تستدعي الدخول في مواجهات مباشرة مع خصوم إيران، وتمكّن الجمهورية المكبّلة بالعقوبات من التحرك وفقاً لقواعد الحروب غير المتكافئة محاولةً توسيع نفوذها في الشرق الأوسط، أو على الأقل تثبيته.

*العنوان الرئيسي “مشاريع الدرون الإيراني.. سلاح طهران المراوغ في حرب غير متكافئة”

المصدر: نون بوست.

مصدر الصور: سبوتنيك – إرم نيوز.

موضوع ذا صلة: الطائر القاتل: سلاح حروب الجيل الخامس الفعال