شارك الخبر

مصطفى أبو عمشة*

أبدى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، رغبته في تحسين علاقات بلاده مع الإتحاد الأوروبي، واصفاً استئناف المحادثات بين أنقرة وأثينا بشأن الحدود البحرية والتنقيب عن الطاقة بأنه “يبشر بحقبة جديدة”، حيث تشهد العلاقات بين البلدين توتراً بسبب احتياطات الغاز الطبيعي والحدود البحرية.

تأتي تصريحات الرئيس أردوغان في أعقاب عام من التوترات المتعلقة بالسياسة الخارجية التركية الحازمة في شرق المتوسط، وكذلك في ليبيا، وملفات أخرى. ونتيجة لذلك، توترت علاقات تركيا بشكل خاص مع اليونان وفرنسا.

إعادة تموضع

يبدو أن التصعيد الذي تقوم به تركيا تجاه الإتحاد الأوروبي “كان بالدرجة الأولى من طرف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وحكومة حزب العدالة والتنمية”، وهذا ما يؤكده المحلل السياسي والخبير في الشؤون التركية، نواف خليل، الذي يرى أن تركيا هي التي كانت تصعد الأمور، وهي التي كانت في حالة صدام مع الإتحاد وذلك على قاعدة “إما ستخضعون لرغباتي، وإما سأفعل ما أريد”، وهذا ما تترجم عبر التهديد بورقة ملايين اللاجئين السوريين، وغير ذلك من القضايا التي يخشى منها قادة الإتحاد، مشيراً إلى أنه تارة يتهم ألمانيا بـ “النازية”، وتارة يوجه اتهاماته إلى هولندا، حتى وصل الأمر إلى أنه إتهم الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بكونه “فاقد الأهلية”.

وبعد تأجيل العقوبات الأوروبية إلى شهر مارس/آذار المقبل (2021)، فإن تركيا تقوم، حسب رؤية خليل، بعملية إعادة تموضع ليس فقط مع الإتحاد الأوروبي، فتخفيف لهجة الخطاب بات يتبعه الرئيس أردوغان مع دول أخرى، مثل مصر والسعودية والإمارات وحتى مع إسرائيل.

بالإضافة إلى حركة السفراء الأتراك، حيث سيكون هناك سفير تركي جديد في الولايات المتحدة، وسيكون هناك سفير تركي آخر في فرنسا يوصف بأنه مقرب من الرئيس ماكرون وهو السفير علي أونانار وذلك خلفاً لإسماعيل حقي موسى، في خطوة اعتبرت بادرة لتحسين العلاقات بين البلدين، ومن اللافت أيضاً أنه سيتم تعيين سفير لتركيا من خارج الوسط الدبلوماسي التركي المعروف في إسرائيل.

النهج الجديد الذي يتبعه الرئيس أردوغان وحزبه، حسب ما يراه الخبير خليل، جاء بعد سقوط حكومة الرئيس محمد مرسي في مصر، فلم يعد ذلك الحزب الذي كان يعول عليه الغرب كنموذج لـ “الإسلام السياسي” المعتدل، مشيراً إلى أن الصحافة الغربية باتت تصف حزب “العدالة والتنمية” بأنه حزب سلطوي، وأن الرئيس أردوغان شخصية مستبدة، كما وصفه الرئيس الأمريكي جو بايدن، أثناء الدعاية الانتخابية، مؤكداً أن واشنطن ستدعم المعارضة التركية.

فما يقوم به الرئيس أردوغان، سواء على مستوى العلاقات مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو على مستوى العلاقات مع الإتحاد الأوروبي حسب رؤية خليل، هو عبارة عن حزمة من المتغيرات في السياسة التركية التي تتزامن أيضاً مع صعود الرئيس الأمريكي الجديد.

وهناك رسالة جديدة، اعتبرت “إيجابية” بعث بها مؤخراً الرئيس ماكرون إلى نظيره التركي شدد فيها على أهمية تركيا بالنسبة إلى أوروبا، وأبدى رغبته في تطبيع العلاقات مع أنقرة ولقاء الرئيس أردوغان.

علاقات متذبذبة

على الرغم من توتر العلاقات التركية مع الإتحاد الأوروبي، فإن تلك العلاقات لم تنقطع حتى هذه اللحظة. وهنا يشدد المحلل السياسي نواف خليل، على ضرورة ألا نخدع أنفسنا ونقول إن العلاقات قد انقطعت بين تركيا والإتحاد الأوروبي، فهناك البنوك الأوروبية التي لها مستحقات قروض على تركيا تتجاوز الـ 200 مليار دولار، والتي لم يتم سدادها حتى اللحظة.

بدوره، يؤكد المحلل السياسي التركي، فراس رضوان أوغلو، أن تصريحات الرئيس أردوغان الأخيرة تعود إلى أن تركيا تريد أن تعيد التوازن للعلاقات ورفع التشنج، خصوصاً أن تركيا لديها التزامات تجاه الإتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي.

إضافة إلى ذلك، يريد جزء كبير من أعضاء الإتحاد إستيعاب تركيا في ما يتعلق بالصراع البحري في منطقتي بحر إيجه والبحر الأبيض المتوسط، وهذا سينعكس بالمقابل على العلاقات مع مصر، ودول الخليج العربي.

بالتالي، فإن تصريحات الرئيس أردوغان تعمل على صياغة محددات المرحلة المقبلة في المنطقة والمتعلقة بالنفوذ التركي؛ خصوصاً صراعها مع اليونان والدول الأخرى، مثل قبرص وإسرائيل. أما محور الصراع القادم، حسب أوغلو، فسيكون على منطقة جزر إيجه، المعروفة بمسمى كارداك – Kardak حيث عملت اليونان على تسليح العديد من الجزر في بحر إيجه، لا سيما جزيرة ليمنوس- ساموثريس، منذ العام 1960، وفق معاهدة “مونترو” لعام 1936 كأساس يعطيها الحق في ذلك.

لكن المحلل السياسي فراس أوغلو، يستبعد فرضية حدوث مواجهة عسكرية مباشرة بين أنقرة وأثينا على تلك الجزر. وفي المقابل، لا يبدي الطرفان أية مرونة للوصول إلى حل حقيقي، منوهاً بأن الوضع القائم لا يشير إلى أن أحد سيتنازل، مشدداً على أن التغيرات الجديدة في المنطقة جعلت تركيا بقيادة أردوغان تسعى إلى التوجه نحو الحلول السياسية للوصول إلى المكاسب دون استخدام القوة، ولكن وجود تسوية قادمة بين أنقرة والإتحاد الأوروبي يبقى مسألة يصعب التكهن بها في المرحلة المقبلة.

*كاتب – تركيا.

المصدر: كيو بوست.

مصدر الصور: روسيا اليوم – صحيفة البلاد.

موضوع ذا صلة: تركيا و”أوراق التوت” الأخيرة


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •