شارك الخبر

سامي فرادي**

قبل يومين وعشية انقضاء حظر تجول مدته أربعة أيام، لم يتح خلالها للتونسيين التظاهر في الذكرى العاشرة لثورتهم، حيث وقعت صدامات بين عناصر الشرطة وشبان، تراوحت أعمارهم بين 14 و23 عاماً، في مدن عدة، منها تونس والقصرين وبنزرت وباجة والقيروان وسوسة، وانتهت الاضطرابات باعتقال أكثر من600 شخص، عدد كبير منهم من (الأطفال) القصر؛ حسابياً، هؤلاء فتحوا أعينهم على مرحلة جديدة هي ما بعد ثورة 2011، وستترك السنوات العشر الأخيرة دون شك أثراً كبيراً على هؤلاء الشباب.

تحركات غير معهودة

الملاحظ أن ما حدث من اضطرابات لم يكن من اليسير تصنيفه إن كان مظاهرات احتجاجية عفوية، خاصة وأنه رافقها نهب وتخريب لممتلكات عمومية، كما أنه لم تتبن تنظيمها أية قوى اجتماعية أو حزبية، في حين أنها وقعت في مدن مختلفة وفي وقت متزامن تقريباً، ثم أنها وقعت في جنح الظلام.

والحال أن حق التظاهر مكفول، باستثناء أنه اتخذت إجراءات هذه الأيام بمنع التجمعات الكبرى بسبب تفشي “كوفيد ـ 19″، فالحرية هي تقريباً المكسب الوحيد الذي يعترف التونسيون بأنه تحقق بعد ثورة “14 جانفي” (كانون الثاني/يناير)، والتي كان شعارها “شغل، حرية، كرامة وطنية”.

من هؤلاء؟

الواضح أن تلك التحركات لم يألفها التونسيون، وتثير التساؤلات عمن يكون هؤلاء؟ فهي وقعت في ظرف عنوانه الأساس هو فقدان الناس الثقة بالطبقة السياسية التي طالها الشجار داخل البرلمان نفسه. وتأزم الوضع الاقتصادي وتصاعد حالة الاحتقان في المجتمع، في ظل ارتفاع نسبة البطالة إلى نحو 18%، بعد أن فشلت 9 حكومات متعاقبة على خلق نموذج اقتصادي يفك الخناق عن البلاد، ويحقق النمو الذي تحول إلى انكماش تجاوزت نسبته 7%، حتى أواخر العام 2020.

قرارات سياسية مؤجلة وأحزاب متصارعة

يجمع المراقبون للشأن السياسي في تونس على عدم تكامل الرئاسات الثلاث في سياساتها بسبب تفتت الأصوات الذي أفرز برلماناً “فسيفسائياً” تتصارع فيه الأحزاب وتؤجل فيه قرارات مهمة، كما أن الحكومة نفسها رهينة تحالفات بين كتل نيابية مختلفة في الرؤى والخلفيات الفكرية إلى حد التناقض، فهذه الحكومة التي يرأسها هشام مشيشي يدعمها أساساً “حزب النهضة”، ذو الجذور الإسلامية والممسك بأغلبية المقاعد في البرلمان والذي يرأسه زعيم الحزب راشد الغنوشي، إلى جانب حليفه الإيديولوجي والسياسي “ائتلاف الكرامة”، ويدعمها كذلك حزب “قلب تونس”، برئاسة نبيل القروي الموقوف حالياً بالسجن بسبب قضايا تتعلق بالتهرب الضريبي وتبييض أموال.

قيس سعيّد

أما رئيس الجمهورية قيس سعيد، الذي انتخب بأغلبية ساحقة، فهو لا يبدو في انسجام مع هشام مشيشي بشأن السلطات والتحالفات السياسية، في ظل سلطة تنفيذية برأسين. ويرى العديد من السياسيين، ومنهم الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي من خلال صفحته على موقع “فايسبوك”، أن الحل لاتخاذ القرار السياسي وتفعيله، يكمن في تغيير القانون الانتخابي الذي سيفضي إلى أغلبية برلمانية تشكل منها حكومة تتحمل مسؤوليتها في كنف الاستقرار وتُحاسَب، محذراً من الدعوة إلى الرجوع إلى النظام الرئاسي الذي قد يستحوذ على سلطة القرار ويهدد يوماً الديمقراطية.

وكان رئيس الحكومة، هشام مشيشي، عبّر عن تفهمه لمطالب المحتجين الاقتصادية والاجتماعية، لكنه أكد في المقابل أنه يرفض أعمال النهب والفوضى.

هل هو التغاضي عن جيل كامل؟

تشير دراسات اجتماعية إلى أن الفئة العمرية المشار إليها في الأحداث الأخيرة تعاني من التمييز الاجتماعي، ويقول رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، عبد الرحمن الهذيلي في حديثه للقناة الوطنية الأولى التونسية، إن “وزارة التربية تسجل انقطاع أكثر من مائة ألف تلميذ عن التعليم منذ عشر سنوات، وإن كل المؤشرات كانت تدل على أنه سيكون هناك انفجار اجتماعي، علما وأنه تم تسجيل 8 آلاف حركة احتجاجية العام 2020.”

وتشير دراسة سابقة للمنتدى، من خلال عينة شملت حوالي 800 شاب، إلى أن أكثر من 73% منهم يشعرون أن أصواتهم غير مسموعة من السلطات الرسمية، فيما يعتبر أكثر من 80% أن الدولة لا تنصفهم.

“الجرس يقرع”

في محاولة لتفسير ما جرى، يضع أستاذ علم الاجتماع ووزير الثقافة الأسبق، مهدي مبروك، المشاركين في الاحتجاجات الأخيرة ضمن الرافضين للدولة الذين “ينظرون إليها كحاكم يحاصرهم ويلاحقهم فحسب”. ولا يرى الأستاذ مبروك، خلال تعليق له في صفحته في موقع “فايسبوك”، أن “هذه التحركات ستكون منتجة، لأنها تفتقد إلى ناطقين باسمها، فضلاً عن غموض مطالبها”، ويضيف القول إنه رغم ذلك فإنها “تشكل لنا جميعاً جرساً يقرع…” وقد “فتحوا أعينهم على كل ما هو سيء فينا”.

لقد نجحت تونس في انتقالها السياسي لكن الوضع الاقتصادي متأزم، والشعارات التي تصدح بها حناجر المتظاهرين في كل ذكرى سنوية للثورة ظلت تتردد، وصدى تلك الشعارات لا يزال يرن في الآذان “لا خوف، لا رعب، الشارع ملك الشعب”، في إشارة إلى أن الاحتجاجات ستتواصل، حتى في صفوف طلبة جامعيين، يدفعها إلى ذلك وضعٌ “تنمو فيه تربة التعفن الأمثل”، على حد تعبير السياسي والإعلامي التونسي عمر صحابو لصحيفة “الشارع المغاربي”، في إشارة إلى الفقر والفساد والإفلات من العقاب وتفشي الأمية وكثرة ارتكاب الجرائم.

ويبدو أنه لن تكون هناك فقط حاجة ملحة للنظر في حلول للأزمة الاقتصادية في القريب العاجل، بل سيكون معها ضرورة استيعاب استحقاقات جيل جديد كان عام 2011 طفلاً لم يحلم بالثورة ولا يحمل تطلعاتها، ولكنه اليوم هو شاب يجد الحرية حقاً مكتسباً، بينما الطريق أمامه متشعّب وضبابي، كي يرسم مستقبله.. هذا إذا كان أغلبه يحمل أصلاً مشروعاً.

*العنوان الرئيسي “ماذا يجري في تونس؟ هل الاحتجاجات الأخيرة إرهاصات ثورة شعبية بعيدة عن حسابات السياسة؟”

**كاتب ومحرر في يورو نيوز.

المصدر: يورو نيوز عربية.

مصدر الصور: الحرة.

موضوع ذا صلة: الطرابلسي: تلافي الصعوبات السياسية التونسية رهن بالتحالفات الجديدة


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  • 0
  •