شارك الخبر

بعد مرور أكثر من شهرين تقريباً على التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار لإنهاء الأعمال العدائية بين كل من أرمينيا وأذربيجان في المنطقة المتنازع عليها ناغورنو كاراباخ، ركّز العديد من المحللين اهتمامهم على الدور الحاسم الذي لعبه استخدام الطائرات المسيّرة من قبل القوات المسلحة الأذرية في تطور هذا الصراع. ويشير أحد هذه التحليلات، الذي أثار الجدل بين الخبراء، إلى أنه “يجب على أوروبا أن تمعن النظر في الدروس العسكرية لهذا الصراع ولا تتجاهله باعتباره حرباً ضيقة بين دول فقيرة؛ ذلك أن غالبية جيوش الإتحاد الأوروبي، وخاصة جيوش الدول الأعضاء الصغرى والمتوسطة، سيكون أداؤها سيئاً في أية حرب حركية حديثة تماماً مثل الجيش الأرمني. هذا أمر يجب أن يجعلنا نفكر ونقلق”.

صحيح أن الطائرات المسيّرة مستخدمة في ساحات القتال حول العالم منذ عقود سواء في مهام الاستخبارات أو المراقبة أو تحديد الهدف أو استطلاع، ولكن شرعت بعض الشركات في الآونة الأخيرة في تطوير طائرات مسيّرة مقاتلة تُعرف عموماً بإسم “مركبات القتال الجوي دون طيار”، لترتقي بهذه الأنظمة إلى مستوى جديد.

إعتُبِر التأثير المشترك للطائرات المسيّرة ومركبات القتال الجوي دون طيار على الصراع الأذري – الأرمني في بعض الدوائر على أنه أشبه باللحظات التاريخية التي سجلت دخول سلاح جديد إلى إحدى ساحات الحرب ما أدى إلى تغيير كبير في فن الحرب، كما حدث سابقاً مع الدبابات والطيران العسكري أو سلاح الفرسان في القرن التاسع قبل الميلاد. لكن يبدو أنه من السابق لأوانه وربما من المبالغة استخلاص استنتاجات بناء على ذلك.

يشير التحليل الكمي والنوعي للقدرات العسكرية لكلا المتنافسين إلى تفوق عسكري واضح لصالح أذربيجان، وهذا يعني أنه حتى دون مساعدة الطائرات المسيّرة من الصعب تصور نتيجة مختلفة. لا شك أن الطائرات المسيرة ومركبات القتال الجوي دون طيار كانت من بين تلك القدرات الحاسمة التي كان لها تأثير حاسم في نتيجة المواجهة بين الطرفين مادياً ومعنوياً، ناهيك عن أنه لا يمكن إنكار الدور المحوري الذي لعبته تركيا في هذا الصراع.

إن الهدف من هذه الدراسة هو تقييم هذه المسألة. بعد تحليل مساهمة الطائرات المسيرة ومركبات القتال الجوي دون طيار في نزاع ناغورنو كاراباخ، سنتعمق في كيفية تطوير تركيا لقدراتها العسكرية والقيمة الإستراتيجية التي اكتسبتها الصناعات الدفاعية التي تمثل مصدر قوة وطني.

ناغورنو كاراباخ

إن محاولة تحديد التأثير الحقيقي للطائرات المسيّرة على الصراع وتحديد عدد الأهداف الأرمينية، التي ضُربت بالتدخل المباشر لهذه الأنظمة، يعتبر مهمة شبه مستحيلة في الوقت الحالي. فالبيانات الرسمية التي يقدمها طرفا النزاع شحيحة ومبالغ فيها بشكل ملحوظ. وتزعم بعض المصادر أنه باستخدام الطائرة المسيّرة التركية “بيرقدار.تي.بي – 2” فقط، استطاعت أذربيجان تدمير ما مجموعه 660 هدفاً عسكرياً أرمينياً (138 دبابة قتال – 49 مركبة مدرعة ـ 31 نظام دفاع جوي – 16 راداراً – 257 قطعة مدفعية – 10 مراكز اتصالات – 386 مركبة مختلفة) بقيمة مادية تقارب ملياري دولار. ومهما كانت الخسائر، فإن استخدام الطائرات المسيّرة كان بلا شك عاملاً حاسماً، مع ذلك يظل تفوق أذربيجان واضحاً.

تصدّر عناوين الأخبار الدولية نوعان من نماذج الطائرات المسيّرة: الطائرة الانتحارية “هاروب” المعروفة بإسم “الذخيرة المتسكعة” إسرائيلية الصنع التي طُورت لتنفيذ هجمات لقمع دفاعات العدو المضادة للطائرات، والطائرة المسيّرة التركية “بيرقدار.تي.بي – 2” التكتيكية التي دخلت قيد التشغيل ضمن عمليات القوات المسلحة التركية، منذ العام 2014، ومنها إصداران أحدهما مقاتل والآخر لأغراض الاستخبارات والمراقبة وتحديد الهدف والاستطلاع.

تشير التقديرات إلى أن أذربيجان كان لديها حوالي 50 طائرة مسيّرة قبل انطلاق الأعمال العدائية، وقد تم الإبلاغ عن مدى فعاليتها في النزاع على نطاق واسع من قبل المصادر الحكومية والإعلام. يبدو أن الطائرات تركية الصنع أكثر انتشاراً إلى حد ما، مع أنه لا تتوفر معلومات رسمية عن حيازتها من قبل القوات المسلحة الأذرية. خلال السنة الماضية، أجريت مفاوضات من أجل استحواذ أذربيجان على عدد غير محدد من الطائرات المسيّرة التركية لكن نتائج هذه المفاوضات ظلت مجهولة. لا يمكن التشكيك في حقيقة استخدام “بيرقدار.تي.بي – 2” التركية في الصراع. وقد نُشرت صور لهذا الجهاز في موكب النصر في العاصمة باكو، 10 ديسمبر/كانون الأول 2020، وكانت عليه ألوان العلم الأذربيجاني، مما يحيل إلى هوية الدولة المالكة له.

تم تداول عدة تكهنات حول ما إذا كانت مركبات القتال الجوي من دون طيّار التي تدخلت في العمليات العسكرية أذرية أو تركية ومن يشغّلها. صحيح أن أذربيجان قد اكتسبت بالفعل بعض الخبرة في الاستخدام التكتيكي لهذه الطائرات قبل النزاع كونها من الدول العشر في العالم التي يُعرف أنها نفذت هجمات بطائرات من دون طيار مقاتلة. لكن المواعيد النهائية بين الاقتناء المزعوم لهذه الطائرات في شهر يونيو/حزيران أو يوليو/تموز 2020 ، حسب تناقلته مختلف وسائل الإعلام، واندلاع النزاع قصيرة جداً من أجل استغلال هذا النظام. ربما وقع تسليم الطائرات ووضعها قيد الخدمة وتوجيه العسكريين الأذريين لتوظيفها بشكل الفعال. وقد دفع هذا الأمر بعض المحللين إلى استنتاج مفاده أنه ربما تم تشغيل أنظمة الأسلحة من قبل الجيش التركي نفسه.

تركيا.. دولة رائدة عالمياً في صناعة الطائرات المسيّرة

إن تقدم تركيا في مجال صناعة الطائرات المسيرة قائم على ركيزتين أساسيتين: تطوير أنظمة بتقنيات محلية إلى أقصى حد ممكن، واكتساب الخبرة في استخدامها التكتيكي في مختلف مناطق النزاع التي شاركت فيها القوات التركية في السنوات الأخيرة.

التطوّر التكنولوجي

دخلت تركيا عالم صناعة الطائرات المسيّرة في منتصف التسعينيات من خلال الاستحواذ على أنظمة الاستطلاع التكتيكي “جنرال أتومكس جنات 750” من شركة “جنرال أتوميكس” الأمريكية، التي استخدمها الجيش بين عامي 1995 و2005.

في معركتها الخاصة ضد حزب العمال الكردستاني، أظهرت الاحتياجات العملية للقوات التركية حدود هذه الأنظمة “البدائية”، لذلك تحولت أنقرة في منتصف العقد الأول من القرن الـ 21 إلى الطائرات إسرائيلية الصنع مع اكتساب خبرة واسعة في استخدام هذه التقنيات. وقّع وكيل وزارة الصناعات الدفاعية التركية عقوداً لشراء 10 طائرات مسيرة “هيرون”. هذه الطائرة، مصنّعة من قبل مجموعة شراكة لصنع الطائرات المسيّرة، وهو مشروع مشترك بنسب متساوية بين كل من شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية وشركة “أنظمة إلبيط”. أضافت العقود اللاحقة المبرمة بين عامي 2007 و2010 أنظمة إسرائيلية أخرى إلى أسطول القوات المسلحة التركية.

في النهاية، طغى المنطق الجيو – سياسي. فالصعوبات التي واجهتها تركيا في تنفيذ هذه العقود، وخاصة تدهور العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بسبب حادثة أسطول الحرية الموجّه إلى غزة، مايو/أيار 2010، جعلت التعاون بينهما في هذا المجال مستحيلاً.

لنفس الصعوبات، لم يكن سوق أمريكا الشمالية ولو بشكل جزئي متاحاً ولم تنجح المفاوضات من أجل الحصول على نظام “بريداتور” من شركة “جنرال أتوميكس”. في الواقع، لم تكن الولايات المتحدة ولا إسرائيل على استعداد لمشاركة تطورها التكنولوجي مع تركيا. ونظراً لأن النظام الكلاسيكي لشراء المنتجات في السوق (البرمجيات التجارية الجاهزة) لم يكن مناسباً لها، قررت الحكومة التركية تطوير أنظمة خاصة بها.

بدأت الصناعة التركية بالفعل العمل على هذه الأنظمة. منذ العام 2004، تعمل الشركة التركية لصناعات الفضاء على تطوير طائرة مسيّرة متوسطة الارتفاع وطويلة المدى. كانت بداية صناعة طائرة “تي.إيه.آي.أنكا” صعبة إلى حد ما. لم يكن القطاع الخاص بعيداً عن الركب ومن بينهم شركة “بايراك ماكينة”، المختصة في تصنيع مكونات السيارات التي أبدت اهتمامها بتصنيع الطائرات المسيّرة، أوائل العقد الأول من القرن الـ 21. وقد فازت هذه الشركة، العام 2006، بأول صفقة لتصنيع “بيرقدار.تي.بي – 2” للقوات المسلحة التركية.

رغم تواضعها، ساهمت هذه التطورات في وضع الصناعة التركية في مكانة تمكنها من الاستفادة على النحو الأمثل من دوافع الحكومة. ووفقاً لما ورد في قائمة رئاسة وزارة الصناعات الدفاعية، تقوم تركيا اليوم بتصنيع ما مجموعه 24 منصة جوية بقدرات مختلفة.

من بين تلك الموجودة في القطاع العام، تبرز المنصات متعددة الأغراض (الطائرات المسيّرة ومركبات القتال الجوي من دون طيار) التي تصنعها الشركة التركية لصناعات الفضاء. تبلغ طاقة حمولتها 250 كلغ وبإمكانها التحليق لمدة 24 ساعة متواصلة على ارتفاع 30 ألف قدم كأقصى حد. تتوفر إصدارات مختلفة لهذه الطائرة، بما في ذلك إصدار متصل بالأقمار الصناعية يزيد مداها عن ألف كلم، وطائرة “أكسنغور” تبلغ طاقة حمولتها 750 كلغ ويمكنها التحليق لمدة 12 ساعة متواصلة على ارتفاع 40 ألف قدم كأقصى حد.

إن كلا الطائرتين قادرتان على حمل ذخيرة ذكية تصنعها شركة “روكيتسان” لصناعة الصواريخ المملوكة للدولة. ومن المقرر تسليم طائرة “أكسنغور” في المراحل النهائية من تطويرها إلى القوات المسلحة التركية خلال العام 2021.

فيما يتعلق بالقطاع الخاص، فإن “بايراك ماكينة”، الشركة المصنعة لطائرة “بيرقدار.تي.بي – 2″، على وشك الانتهاء من تطوير طائرة “بيرقدار آقنجي” التي تبلغ حمولتها 1350 كلغ وبإمكانها التحليق لمدة 24 ساعة على ارتفاع 40 ألف قدم كأقصى حد.

شأنها شأن بقية إصدارات الشركة التركية لصناعات الفضاء، فإن هذه المنصات مسلحة بصواريخ من شركة “روكيتسان” المملوكة للدولة. وتجدر الإشارة إلى أن شركة “فستيل” تعد الجهة المصنّعة لطائرة “كارايف”، وهي طائرة مسيّرة متواضعة إلى حد ما تبلغ حمولتها 70 كلغ وبإمكانها التحليق لمدة 20 ساعة على ارتفاع 22500 قدم كأقصى حد.

التوظيف التكتيكي

يتمثل الأساس الثاني الذي ترتكز عليه صناعة الطائرات المسيّرة التركية في خبرة سنوات من الاستخدام التكتيكي لها في النزاعات التي دخلت فيها. إلى جانب استخدام تركيا لهذه الطائرات في عمليات سابقة، فإنها قامت مؤخراً باستخدامها في عمليات عسكريّة في إدلب، بداية العام 2020، على غرار عملية “درع الربيع”. كانت تركيا أول من استخدمها بشكل مكثف ضد خصم خارجي، ومن قبل قوة عسكرية من الدرجة الأولى مثل روسيا. في هذه العملية، اختُبرت الأنظمة محلية الصنع مثل “تي.إيه.آي.أنكا” و”بيرقدار.تي.بي – 2″، بشكل مكثف مع نتائج جديرة بالملاحظة.

بمساعدة هذه الطائرات المسيّرة، دمرت القوات التركية في ليلة واحدة ما يقرب من 200 هدف عسكري سوري (بما في ذلك 5 مروحيات و23 دبابة قتال و23 قطعة مدفعية وما لا يقل عن 8 قاذفات من نظام “بانتسير- إس 1” روسي الصنع المضاد للطائرات)، وقد خلّف هذا الهجوم 309 ضحية. لقد كان الأداء رائعاً والذي أصبح ممكنا بفضل مجال من الطيف الكهرو – مغناطيسي لساحة المعركة تم الحصول عليه من خلال استخدام نظم الحرب الإلكترونية التي تعمل من الأراضي التركية، وتحديداً من مراكز العمليات في المقر الرئيسي التابع للجيش الثاني المتواجد في ملطية، بمحافظة وسط الأناضول والأركان العامة للدفاع في أنقرة.

استُخدمت هذه الأنظمة في ليبيا وإن كان ذلك على نطاق ضيق، مع العلم أن ذلك لم يسفر عن نتائج أسوأ من عملية إدلب. كان النشر المحدود المعترف به لهذه الطائرات، دون مشاركة القوات البرية، كافياً لاحتواء هجوم المشير خليفة حفتر على طرابلس والسماح أيضاً لحكومة الوحدة الوطنية باستعادة العديد من الأراضي الليبية وإحداث تغييرات جوهرية في ميزان القوى في البلاد. لم يكن هذا الأمر ممكناً في سياق آخر غير ذلك الذي عزز، على مدى عقود، تطوير صناعة الدفاع التركية بشكل عام.

تطوير صناعة الدفاع التركية

لأسباب جيو – سياسية، كان تطوير صناعة الدفاع التركية، منذ سبعينيات القرن الماضي، هدفاً استراتيجياً وذا أولوية لجميع الحكومات التركية التي بغض النظر عن ميولاتها الإيديولوجية نسجت على خطى بعضها البعض. كما أن حظر الأسلحة الذي فرضه الكونغرس الأمريكي، العام 1974 رداً على التدخل العسكري التركي في الأزمة القبرصية، أظهر مدى أهمية وجود صناعة دفاعية قادرة على ضمان الاستقلال الذاتي الاستراتيجي للبلاد.

في ذلك الوقت، وقع وضع أسس الصناعة الحالية، وإرساء ما يسمى بمؤسسات القوات البرية والقوات الجوية والقوات البحرية كهيئات قادرة على الحصول على تمويل لتطوير صناعة الدفاع، العامة والخاصة، بغض النظر عن الميزانيات السنوية للقوات المسلحة.

وفي وقت لاحق، وقع توحيدها في مؤسسة واحدة للقوات المسلحة، ومن خلال هذه المنظمة تدير الدولة الشركات الحكومية الكبيرة التي تشكل اليوم العمود الفقري لهذه الصناعة وهي شركة الأسلحة الدفاعية التركية – أسلسان، والشركة التركية لصناعات الفضاء – تاي، وشركة “روكيستان” لصناعة الصواريخ والتجارة، وشركة البرمجيات والأنظمة التركية “هافيلسان”، وشركة إسبير – ISBIR، وشركة “أسبيلسان انرجي”. وإلى جانب هذه الشركات المملوكة للدولة، يجب إضافة قائمة طويلة من الشركات الخاصة (من بينها الشركة المصنعة للمركبات التجارية والعسكرية بي.إم.سي، إلى جانب شركة “أف.أن.أس.أس” للصناعات الدفاعية)

وفقا لهذه الفلسفة، كان تطوير صناعة الدفاع الوطني في السنوات الأخيرة مذهلا. وفي العام 2020، تمكنت سبع شركات تركية (أسلسان، وتاي، والشركة المصنعة للمركبات التجارية والعسكرية بي.إم.سي وشركة روكتسان وشركة إس.تي.أم وشركة أف.أن.أس.أس للصناعات الدفاعية وهافيلسان) من اكتساب مكانة في تصنيف موقع “ديفينس نيوز” بين أكبر 100 شركة في العالم، وهي حقيقة مذهلة عند مقارنتها بدول مثل المملكة المتحدة (10 شركات) أو فرنسا (4 شركات) أو ألمانيا (3 شركات) أو إسبانيا (شركة واحدة).

في ظل هذه الظروف، جرى تغطية حوالي 70% من احتياجات القوات المسلحة التركية، العام 2019، من الأسلحة المصنوعة محلياً، وهي نسبة من المقرر زيادتها إلى نحو 75%، العام 2023، وفقاً للاستراتيجية الصناعية للفترة المتراوحة بين عامي 2019 – 2023.

ومع ذلك وفي كثير من الحالات، لا يتم تنفيذ هذه المشاريع من قبل تركيا من الصفر، بل تبدأ من النماذج الأولية الموجودة بالفعل في الخارج. في هذه الحالات، يقع اعتماد الإجراء ذاته: بمجرد تحديد الحاجة، يقع البحث عن المنتج الحالي في السوق ويتم وضع اتفاقيات تعاون لإنتاجه في تركيا، هذا من جانب.

من جانب آخر، هناك شركات تركية التي تعد دائماً المتعاقد الرئيسي للمشروع، والتي تتعاقد بدورها مع الشركات الأجنبية التي يجب عليها التعاون معها. في حالة وجود حقوق ملكية فكرية، يجب على الشركة الأجنبية المتعاقد معها نقلها (كليا أو جزئيا) إلى الطرف المتعاقد، الذي يكون إما المتعاقد الرئيسي التركي أو الدولة التركية نفسها.

خير مثال على ذلك، نجد التعاون بين حوض بناء السفن التركي “صدف” و “نافانتيا” الإسبانية لتطوير السفينة الحاملة لطائرات الهليكوبتر، سفينة “أناضولو”، وفقا لنموذج سفينة خوان كارلوس الأول. وقد منحت الصناعات الدفاعية التركية العقد إلى “صدف”، التي تعاقدت بدورها مع نافانتيا (بشكل أساسي للتعاون في التصميم).

على الرغم من ذلك وفي بعض المشاريع، ما زال هناك مكونات ظلت ملكيتها تركية. هذا هو حال محرك دبابة “ألتاي” القتالية، فخر الصناعة التركية. وقد تسببت مسألتي حفظ الحقوق وفرض قيود على الصادرات المستقبلية للمواد، اللتان وقع التخطيط لهما في المشروع الأولي لدمج مشروع أم تي يو للمحركات الجوية الألماني، في التعجيل بسحب التعاون مع هذه الشركة والبحث عن بدائل جديدة.

هذا ليس بالأمر الهين، وعلى الرغم من أن الصناعة الوطنية يجب أن تتمتع بامتياز، إلا أن الوقت الذي يستغرقه تطوير مثل هذا المكون المعقد غير كاف، ولهذا السبب اضطرت تركيا إلى التحول إلى الصناعة الكورية (“هيونداي روتم” ومجموعة “دوسان” وشركة “إس.تي ديناميكس” الكورية)، التي بدأت معها المشروع منذ سنوات. في نهاية المطاف، فإن دبابة “ألتاي” ليس سوى تطوير تركي للدبابة الكورية “ك – 2 بلاك بانتر”.

الاعتبارات الاقتصادية

كما يمكن أن تتخيل، فإن تكتلا صناعيا بهذا الحجم من شأنه أن يحرك مبالغ هائلة من المال. وبحسب رئيس رئاسة الصناعات الدفاعية التركية، إسماعيل دمير، فإن صناعة الدفاع (العامة والخاصة) انتقلت من تطوير 66 مشروعاً بحجم 5 مليارات دولار، العام 2012، إلى أكثر من 700، العام 2020، بقيمة 60 مليار دولار، والتي من شأنها أن ترتفع إلى 75 ألف إذا تم أخذ جميع المشاريع في مرحلة تقديم المناقصات بعين الاعتبار، مع استثمار الدولة حوالي 1.5 مليار دولار في مجال البحث والتطوير في نفس العام .

بالإضافة إلى أرباح الأعمال الخاصة بها، تضخ الدولة موارد اقتصادية في النظام من خلال عمليات الشراء التي تنفذها وزارة الدفاع ومن خلال صندوق دعم صناعة الدفاع، الذي تديره الصناعات الدفاعية التركية ويمول على هامش الميزانية العادية التي، في عام 2016، لديها ثلاث مليارات دولار إضافية متاحة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن معظم نشاط صناعة الدفاع موجه نحو التصدير، حيث وصل إلى حدود ثلاث مليارات دولار في سنة 2020. ولأسباب مختلفة، فإن أسواق أوروبا وأمريكا الشمالية ليست مستقبلة للمنتجات المصنعة في تركيا، ولكن قيمتها مقابل المال تجعلها جذابة للغاية في مناطق مثل الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا وأفريقيا وحتى أمريكا اللاتينية.

إلى جانب ذلك، نظرا للبيئة غير المستقرة التي تقع فيها تركيا، يتم اختبار أنظمتها بشكل روتيني من قبل قواتها المسلحة في مواقف قتالية حقيقية؛ والتي تشكل رسالة تغطية فعالة. وباعتبارها مصدّرة، يمنحها موقعها تأثيرا هائلا في هذه الأسواق، مما يجعل الصناعة أصلا استراتيجيا ذا أهمية كبيرة.

بالإضافة إلى الصادرات، أبرمت تركيا اتفاقيات تعاون صناعي رسمية مع بعض البلدان، كما هو الحال مع أوكرانيا وأذربيجان. مع أوكرانيا، يغطي التعاون مجالات مركبات القتال الجوي دون طيار والأنظمة المضادة للطائرات والمنصات البحرية، بينما مع أذربيجان، فيشمل صناعة أكثر تواضعاً، حيث يقتصر التعاون على تحديث أنظمة معينة. في الأثناء، اكتملت الصورة بمشاركة جورجيا، التي وقعت في العام 2019 اتفاقية تعاون ثلاثية مع تركيا وأذربيجان.

من حيث المبدأ، يستفيد الجميع من هذه الاتفاقيات وإن كان ذلك في بعض الحالات بطريقة غير متكافئة. ولكن قبل كل شيء، يسمح التعاون الصناعي لهذه البلدان بتعزيز مواءمتها الاستراتيجية في المناطق المتوترة في محيط روسيا، مثل البحر الأسود، بما في ذلك شبه جزيرة القرم والقوقاز. كل ذلك يعتبر مهما بالنسبة لروسيا، التي نجحت إلى حد كبير، بعد تدخلها كوسيط في حل النزاع في ناغورنو كاراباخ، في منع توغل تركيا في القوقاز.

في المقابل، تعتبر حالة أوكرانيا بالنسبة لروسيا شيئا أكثر إثارة للقلق. سيتعين على تركيا التصرف بحكمة إذا أرادت الحد من النفوذ الروسي في أوكرانيا والبحر الأسود دون الوقوع أي استفزاز. بالإضافة إلى ذلك، تستجيب عملية الشراء المثير للجدل لنظام “إس – 400″، والذي نناقشه في القسم التالي، جزئياً على الأقل، لهذه الاعتبارات.

الثغرات والعواقب الاستراتيجية

مع ذلك، ما زالت بعض القدرات المعقدة للغاية من الناحية التكنولوجية، والضرورية للقوات المسلحة التركية، بعيدة عن متناول صناعتها. ونظراً لتأثيرها الاستراتيجي، من الضروري ذكر وجهي قصور مرتبطين ارتباطاً وثيقاً كانت تركيا تبحث لهما عن حلول لأكثر من عقد: وهما نظام دفاع جوي متوسط وطويل المدى وطائرة مقاتلة جديدة من الجيل الخامس. لقد تأثرت المسألتان بتدهور العلاقات الأمريكية – التركية، كما أثبت الحلول التي سعت إليها أنقرة كبديل أنها تمثل إشكالية كبيرة.

بالنسبة لنظام دفاع جوي متوسط وطويل المدى، تفاوضت تركيا في البداية مع الولايات المتحدة للحصول على نظام “باتريوت”، على الرغم من أن رفض أمريكا الشمالية نقل التكنولوجيا، باعتباره شرطاً لا غنى عنه للصناعة التركية، حال دون إضفاء الطابع الرسمي على الاتفاقية.

وبعد استكشاف الخيارات المختلفة دون جدوى، بما في ذلك منظومة “سامب – تي”، والشركة الفرنسية الإيطالية لإنتاج الصواريخ المضادة للطائرات “يوروسام”، وشركة “سي.بي.أم.إي.إي.سي” – CPMIEC الصينية لإنتاج صواريخ بعيدة المدى، اختارت تركيا أخيراً منظومة “إس – 400” الروسية. لقد كان قراراً سياسياً ملحوظاً لعب فيه الاهتمام بتعافي العلاقات مع روسيا، التي انهارت عملياً بعد إسقاط طائرة مقاتلة روسية غزت الأجواء التركية، نوفمبر/تشرين الثاني 2015 ، دوراً حاسماً.

في المقابل، كانت معارضة الولايات المتحدة لعمليات الاستحواذ هذه هائلة، وعلى الرغم من أن تركيا قد أجلت دخولها الخدمة إلى أجل غير مسمى، إلا أنها لم تتمكن من تجنب التحول إلى أول دولة حليفة تخضع للعقوبات لقد تم توجيه العقوبات إلى رئاسة الصناعات الدفاعية التركية ورئيسها. وعلى الرغم من أن آثارها لن تظهر على المدى القصير، إلا أنها ستنعكس سلباً على الصناعة التركية على المدى المتوسط أو الطويل، والتي ما زالت تعتمد إلى حد كبير على صناعة أمريكا الشمالية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن وصول جو بايدن إلى رئاسة الولايات المتحدة لا ينذر بتحسن العلاقات بين البلدين. وعلى الرغم من أن رئاسة الصناعات الدفاعية التركية وصفت هذه العقوبات بأنها فرصة للتقدم في البحث عن حلول تكنولوجية وطنية، فمن المرجح أن ينتهي الأمر بجعل تحقيق الأهداف المحددة في خطتها الاستراتيجية 2019 – 2023 أكثر صعوبة، هذا من جانب.

من جانب آخر، تتمثل ثاني عواقب منظومة “إس – 400” في إخراج تركيا من البرنامج المشترك للطائرة “إف – 35″، وهي طائرة مقاتلة من الجيل الخامس تعتزم تركيا دمج 100 طائرة منها لتجديد سلاحها الجوي. هذه مسألة ذات أهمية استراتيجية كبيرة؛ وبالتالي، إن ذلك لن يزيد سوى من التوترات في منطقة البحر الأبيض المتوسط وسيكون دمج أجهزة الجيل الخامس أمراً ضرورياً للحفاظ على توازن القوى مع منافسيهم في هذه المنطقة، ولا سيما إسرائيل ومصر واليونان.

من جهتها، تمتلك إسرائيل بالفعل سربين (33 وحدة) من طراز “لوكهيد مارتن إف – 35 لايتنيغ”، وهي النسخة الإسرائيلية المعروفة بإسم “أدير”. من جانبه، أضافت مصر مؤخراً حوالي 21 طائرة فرنسية الصنع من جيل 4.5 من طراز “رافال” إلى مخزونها. كما تعاقدت على شراء 24 طائرة روسية الصنع من طراز “سو – 35 إس”، التي تعتبر أيضاً من الجيل 4.5.

ليست اليونان أيضاً متخلفة عن الركب، وعلى الرغم من وضعها الاقتصادي الصعب، فقد تعاقدت مؤخراً مع شركة “داسو” الفرنسية لشراء 18 طائرة من طراز “رافال”، كما أظهرت اهتماماً بالحصول على ما بين 18 و24 طائرة من طراز “إف – 35”.

في ظل عدم وجود خيارات للطائرة “إف – 35″، عززت تركيا التطوير المحلي للطائرة المقاتلة من الجيل الخامس “تي.إف.إكس”، التي كان من المقرر أن يحلق نموذجها الأول العام 2023، في الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية. إنه مشروع طموح للغاية سيكون من المستحيل على تركيا عملياً تنفيذه بمفردها. ولهذا السبب، سعت إلى التعاون مع صناعة الطيران البريطانية، المتحمسة لإيجاد شركاء تجاريين لفترة ما بعد خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، لكن هذا التعاون لم يكن خال من الصعوبات.

مع ذلك، ما زالت الصناعة التركية تعتمد تكنولوجيا على الخارج، مما يجعل هذا البرنامج عرضة بشكل خاص لعقوبات أمريكا الشمالية. في الوقت الحالي، وقع الإعلان عن تأخير في الموعد المحدد لرحلاتها الأولى إلى العام 2030 ولا يمكن أن نستبعد فشل المشروع في نهاية المطاف. في هذه الحالة، ستضطر تركيا للبحث عن بدائل، وهنا تظهر الصناعة الروسية مرة أخرى كاحتمال حقيقي.

أتاح التدخل في النزاعات في ليبيا وسوريا ومؤخراً في ناغورنو كاراباخ لتركيا فرصة إظهار القدرات العسكرية العالمية التي تشهد على امتلاك البلاد صناعة دفاعية قوية وفاعلة في خدمة الدولة. بمرور الوقت، اكتسبت هذه الصناعة، التي بدأت رحلتها عمليا من نقطة الصفر منذ أكثر من 40 عاماً بقليل، قدرة ومعرفة تكنولوجية تسمح لها بمعالجة المشاريع التي تغطي مجموعة واسعة من مجالات الأمن القومي.

اليوم، يقع تلبية 70% تقريباً من احتياجات القوات المسلحة من خلال صناعتها الوطنية، وهو أمر في متناول عدد قليل جدا من البلدان. هذا التطور المذهل ليس مجرد صدفة، وإنما نتيجة لتخطيط دقيق والاندفاع الحاسم من طرف أعلى هرم الدولة من أجل تقليل الاعتماد الأجنبي في مثل هذه الأمور الحساسة.

منذ أن فرضت الولايات المتحدة حظراً صارماً على توريد الأسلحة إلى تركيا، العام 1974، كان البحث عن حكم ذاتي استراتيجي أحد الإجماعات السياسية القلائل التي تشترك فيها الحكومات المتتالية. في نظر المخططين الأتراك، كشفت التوترات الجيو – سياسية، خلال العقود الماضية، صحة هذه السياسة ولم يساهم فرض عقوبات جديدة من أجل الاستحواذ على منظومة “إس – 400” الروسية من قبل الكونغرس الأمريكي إلا في تأكيد ذلك.

بالإضافة إلى ذلك، تعد المزايا الاستراتيجية لامتلاك “الاكتفاء الذاتي” الصناعي واضحة، ولكن بالإضافة إلى ذلك، تسمح الصناعة القوية لتركيا بممارسة تأثير كبير في بيئتها، وهو ما تحققه بطريقتين؛ من خلال الصادرات المباشرة لأنظمة الأسلحة، مع ما يترتب على ذلك من فائدة اقتصادية وخزينة الدولة، وبواسطة التعاون الصناعي لتعزيز الروابط الاستراتيجية.

فيما يتعلق بالصادرات، لا تتمتع الصناعة التركية بسهولة الاختراق في الأسواق الغربية، لكن علاقتها من حيث معيار الجودة والسعر تجعلها تنافسية للغاية في الأسواق الأخرى مقارنة بالموردين الغرب التقليديين. كما يعتبر نجاح الطائرات دون طيار التركية في ناغورنو كاراباخ، الذي لاحظه العالم بأسره، بمثابة خطاب تعريف رائع لهذه الصناعة. هناك العديد من الدول الصغيرة والمتوسطة الحجم التي تهتم بمنتجاتها، مما يمنح تركيا تأثيراً كبيراً، هذا من ناحية.

من ناحية أخرى، من بين الاتحادات الاستراتيجية الأهم نجد تلك التي تم تأسيسها مع أوكرانيا ودول القوقاز، والتي تم تعزيزها مؤخراً من خلال اتفاقيات التعاون الصناعي التي تعود بالنفع على كلا الطرفين والتي تسعى، من بين اعتبارات أخرى، إلى احتواء اختراق روسيا الصناعي في تلك البلدان والحد من نفوذها.

علاوة على ذلك، تتأثر إدارة هذا الاعتماد التكنولوجي بشكل واضح بالتوازن الاستراتيجي التركي غير المستقر بين روسيا، من جهة، والولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى، من جهة أخرى. سيكون للضغط المفروض من أحد الأطراف، قد يأخذ شكل عقوبات على سبيل المثال، تأثيراً غير متوقع بالنسبة لأنقرة.

في تركيا، يُعتبر وصول إدارة بايدن الجديدة على أنه فرصة لتقريب المواقف، وقد أشارت الحكومة التركية، بقدر معين من التفاؤل، إلى رفع افتراضي للعقوبات وحتى إعادة قبول محتملة في برنامج “إف – 35”. من المؤكد أن ذلك سيكون احتمالا، لكن لا شيء يشير إلى أن هذا هو السيناريو الأكثر احتمالا في هذا الوقت.

أيضاً، إذا استمرت العقوبات، ستحفز تركيا عمليات البحث عن حلولها الخاصة، والتي قد تعزز صناعتها على المدى الطويل. لكن في الوقت نفسه، ستميل تركيا إلى التقرب أكثر من روسيا التي تقدم لها بدائل؛ بالتالي، تواجه صناعة الدفاع التركية العديد من الصعوبات. وقد أظهرت البلاد خلال 40 عاماً الماضية طموحاً ومثابرة كبيرين. تعتبر هذه القدرة الاستثنائية لتركيا ضرورية لتعزيز سياستها الخارجية الحازمة ويجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في أي حساب استراتيجي يتم تنفيذه في المنطقة.

المصدر: المعهد الإسباني للدراسات الاستراتيجية – تعريب وتحرير: نون بوست

مصدر الصور: الخليج أونلاين – العربي الجديد – وكالة أنباء الكويت (كونا)

موضوع ذا صلة: الطائرات المسيرة “سيدة الجو والأرض”.. هل من أسلحة تُنهي أسطورتها؟

فيليبي سانشيز تابيا

محلل في المركز الإسباني للدراسات الاستراتيجية


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •