شارك الخبر

ازدادت حدة التصعيد بين إيران وإسرائيل عبر توسيع عمليات الاستهداف العسكرية والاستخباراتية من قبل كل طرف لمصالح تابعة للطرف الآخر في المنطقة، وتحديداً مع مطلع شهر أبريل/نيسان 2021، ما بين استهدافات متبادلة للسفن في مياه الخليج العربي والبحر المتوسط، وتخريب إسرائيلي “استخباراتى سيبراني” متعمد لمولدات الطاقة داخل موقع نطنز النووي الإيراني بهدف التأثير على موقف إيران التفاوضى في فيينا بشأن عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي مع إيران الذي تم التوصل إليه، في 14 يوليو/تموز 2015.

ومع حلول منتصف شهر أبريل/نيسان الجاري (2021)، انتقلت المواجهة بين الجانبين الإسرائيلي والإيراني إلى جولة جديدة ساحتها العراق، التي لا تزال تدفع ثمن ارتباطها بإيران في سياق إشكاليات مشروعها الإقليمي متعدد الحلقات في المنطقة، من ناحية، وإشكاليات اتفاق برنامجها النووي على وقع الانسحاب الأمريكي منه في مايو/أيار 2018، من ناحية ثانية.

هذه المواجهة تمت تحديداً في إقليم كردستان، حيث قامت مجموعة مسلحة باستهداف أحد المراكز التي أشيع أنها تابعة لجهاز المخابرات الإسرائيلي -الموساد في العاصمة أربيل، في 14 أبريل/نيسان. ورغم نفي حكومة كردستان وجود مراكز استخباراتية إسرائيلية على أراضى الإقليم وعدم تأكيد إسرائيل، جاءت الإشارات الصادرة عن السلطة في طهران لتشي بأن “أذرعها” في العراق من الميليشيات العسكرية المسلحة هي المسؤولة عن هذا الاستهداف، ما يعنى إقحام إيران للعراق في سياق صراعها مع إسرائيل على خلفية برنامجها النووي ومساعي الأخيرة لتقويضه أو إنهاؤه.

ويتزامن ذلك مع مباحثات أمريكية – إيرانية غير مباشرة تتم برعاية أوروبية في فيينا، تستهدف إنقاذ الاتفاق النووي مع إيران بعد أن انسحبت منه إدارة الرئيس الأمريكى السابق، دونالد ترامب، بصورة منفردة، بل إن هناك تقارير تشير إلى مباحثات سرية جرت بين الطرفين في مدينة فرانكفورت الألمانية قبل انعقاد اجتماعات فيينا.

اتهامات متوالية

الهجوم المسلح على مركز استخباراتي إسرائيلي فى كردستان يأتي كنتيجة للاتهامات المتوالية التي توجهها إيران لحكومة أربيل بفتح الإقليم كساحة استخباراتية أمام إسرائيل بما يضر، وفقاً لها، بمصالحها في العراق، فضلاً عن اتهامات مماثلة لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني العراقي بالسماح لإسرائيل بإقامة مركز استخباراتي فى السليمانية، وهو ما سيضع الإقليم بصورة دائمة في مرمى عمليات الميليشيات العراقية المسلحة التابعة للحرس الثوري الإيرانى خاصة ميليشيا “عصائب أهل الحق” و”حركة النجباء”، وهما أكثر الميليشيات العراقية ارتباطاً بإيران؛ وبهذا، يصبح الإقليم حلقة من حلقات التصعيد الإسرائيلي – الإيراني المتواصل.

وقد حاولت حكومة أربيل إخراج الإقليم من سجال التراشق العسكري والسياسي بين إيران وإسرائيل بنفيها وجود مراكز استخباراتية إسرائيلية على أراضيها تفادياً لمزيد من الاستهدافات الإيرانية للإقليم عبر ميليشيات عراقية مسلحة، وتحديداً تلك التابعة لـ “الحشد الشعبي”، خاصة وأنه شهد على مدار الشهور الماضية عدة استهدافات أمنية من قبل تلك الميليشيات ضد القواعد العسكرية الأمريكية كان أبرزها استهداف مطار أربيل، وذلك فى سياق اتهامات كثيرة توجهها تلك الميليشيات لحكومة أربيل تشير إلى تواطؤها مع الولايات المتحدة ضد المصالح الإيرانية في العراق، وهي اتهامات تزايدت على وقع تكهنات إيرانية بأن يكون الإقليم هو مرتكز القوات الأمريكية حال انسحابها من باقي الأراضي العراقية، وفقاً لقرار البرلمان العراقي الصادر في 5 يناير/كانون الثاني 2020.

وتسعى حكومة أربيل، في هذا السياق، إلى النأي بالإقليم عن تلك المواجهات بأبعادها الإقليمية، في محاولة منها لتقليل حجم الضغوط التى تمارسها إيران ضدها، عبر وكلائها من القوى السياسية العراقية وميليشياتها العسكرية. وتنعكس نتائج تلك الضغوط بوضوح في مواقف تلك القوى السياسية داخل البرلمان ومحاولاتها تعطيل حصول الإقليم على مخصصاته المالية فى موازنة الدولة، وفي مواقف أذرعها العسكرية التى تستهدف مصالح الإقليم بضربات أمنية من حين لآخر، وهي ضغوط لا تنفصل واقعياً عن عدم استحسان إيران لنمط العلاقات الوطيدة التي تربط بين حكومة كردستان العراق وبين الولايات المتحدة.

ويلاحظ في هذا السياق أن حكومة الإقليم، وإن كانت لا تقيم علاقات دبلوماسية مباشرة مع إسرائيل، إلا أنها – حسب تقارير عديدة – تتعاون فعلياً على أرض الواقع معها في ملفات متعددة وهو ما ترصده طهران جيداً، حيث تعد كردستان العراق “بيئة ملائمة” لأنشطة إسرائيل الاستخباراتية.

فعلى المستوى الجغرافي، تعد كردستان قريبة لخصم إسرائيل اللدود إيران؛ وبالتالي، فإن إمكانية الرصد والمتابعة تصبح من السهولة بمكان. كذلك، فإن لإسرائيل علاقات تعاون أمنية كثيرة مع قوات الشرطة الكردية المعروفة بـ “البيشمركة” من حيث التدريب والتسليح. هذا بخلاف التعاون المتعدد الجوانب في مجالات الطاقة والنفط. بالإضافة إلى محاولات التطبيع السرية التى جرت خلال عامي 2018 و2019 من خلال زيارات سرية قامت بها وفود عراقية إلى إسرائيل، وهي عوامل ترفع – إلى جانب إشكاليات البرنامج النووي – من حدة التوتر لدى إيران بما يدفعها إلى “استباحة” الأراضي العراقية بدورها، ولكن عبر وجود فعلي على الأرض من خلال الولاء المتنامي الذي تبديه ميليشيات “الحشد الشعبي” العراقية لها.

ضغوط مزدوجة

من هنا، فإن العراق تبدو، في ضوء المصالح الإسرائيلية في كردستان والمصالح الإيرانية في المشهد السياسي والأمني العراقي، واقعة تحت ضغوط إيرانية – إسرائيلية مزدوجة تجعلها ساحة فعلية لمواجهات الجانبين خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع تزايد ضغوط القوى السياسية تجاه الوجود الأمريكي، لا سيما بعد العملية العسكرية التي شنتها واشنطن وأسفرت عن مقتل قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، قاسم سليماني، ونائب أمين عام ميليشيا “الحشد الشعبي” أبو مهدي المهندس، في 3 يناير/كانون الثاني 2020.

إذ ترى إسرائيل أن الانسحاب الأمريكي الكامل من العراق سيفرض فراغاً عسكرياً كبيراً فى ظل عدم الاستقرار الأمني، بما سيزيد من الفرص المتاحة أمام إيران لإحكام سيطرتها على المشهدين السياسي والأمني العراقيين؛ وبالتالي، تتحسب إسرائيل جيداً لهذا المسار، وتسعى إلى رفع وتيرة تدخلها فى الشأن العراقى من خلال تعزيز وجودها الاستخباراتى في كردستان كإحدى آليات الحفاظ – من وجهة نظر تل أبيب – على المصالح الإسرائيلية في المنطقة، لا سيما مع السياسة الأمريكية الجديدة التي تتبناها إدارة الرئيس جو بايدن، وخاصة فيما يتعلق بمحاولة العودة إلى الاتفاق النووي لما كان عليه الوضع قبل الانسحاب منه، العام 2018.

من الواضح إذن أن المصالح الإسرائيلية في العراق عبر كردستان هي مصالح أمنية بالأساس، وهي مصالح تترجمها إسرائيل عبر عدة وسائل بعضها يتعلق بتقويض المشروع الإقليمى الإيراني في حلقته العراقية، وبعضها يتصل بإحباط المشاريع العسكرية الإيرانية في العراق عبر استهداف أذرع طهران من الميليشيات العسكرية العراقية التابعة لها لإجبار الحكومة العراقية على كبح جماح التدخلات الإيرانية في المشهد السياسي، بما يوفر لإسرائيل فرصاً سانحة نحو مزيد من تفعيل التعاون مع حكومة كردستان.

المصدر: مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

مصدر الصور: رويترز – العرب.

موضوع ذا صلة: تطوير الصواريخ الإيرانية في الخطاب الإسرائيلي

صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة في الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل / مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية – مصر.


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •