شارك الخبر

بعد أكثر من 30 عاماً على تفكك الاتحاد السوفياتي، يعود من جديد صراع الحدود والجغرافيا بين الاتحاد الروسي والغرب، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية. فبعد ما نجح الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في فترة حكمه من تنظيم مراكز القوة داخل الدولة الروسية، جاء الوقت ليحقق مشروع “الأمة الأوراسية” للمفكر والجيو – بوليتيكي المعاصر ألكسندر دوغين، صاحب النظرية الأوراسية الجديدة ورؤية جيو – بوليتكية جوهرها الاعتراض على محاولات تهميش روسيا ورد فعل نظري عن النيوليبرالية المتوحشة والهيمنة الغربية.

المعضلة الجيو – بولتيكية: الاندفاع الغربي نحو الحدود الروسية

تتمثل المعضلة الجيو – بوليتكية في الاندفاع الغربي نحو الحدود الروسية في شكل صراع أو حرب على الجغرافيا ومناطق النفوذ؛ فبعد التدخل الروسي القوي في سوريا، أدرك الغرب أنه يجب أن يكون أكثر صرامة في التعامل مع التمدد الروسي، حيث أن الفكر الإستراتيجي والعقيدة الروسية تمتلكان حسابات وأولويات إستراتيجية لضمان الأمن القومي للبلاد وتحقيق مشروعها، وقد تشكلت هذه العقيدة عبر مراحل:

1. عقيدة إستعادة الدولة 2000 – 2004: وهي عقيدة دفاعية أكثر منها هجومية، سعت إلى تعزيز الأمن والسلم في دول الجوار الجنوبي وآسيا الوسطى وخاصة مع الصين والهند، وإعتبار تمدد حلف شمال الأطلسي – الناتو تهديداً للأمن القومي الروسي.
2. عقيدة فرض الإحترام 2004 – 2005: ركزت هذه المرحلة على بناء الدولة العابرة للقارات، وتحضير البلاد إقتصادياً وعسكرياً وصناعياً، بالإضافة إلى التركيز على بناء جيش قوي وقدرات هجومية ودفاعية نووية.
3. عقيدة التوازن الإستراتيجي 2010 – إلى يومنا هذا: ظهرت في هذه المرحلة مجموعة من الخطابات السياسية أشهرها قول للرئيس بوتين: “إن روسيا مستعدة لمواجهة الولايات المتحدة الأمريكية إن لزم الأمر”، وقوله “يجب على العالم أن يستعد للتعامل مع روسيا قوية”، وهي مرحلة تأكيد المكانة العالمية، وخاصة بعد إستبعاد الولايات المتحدة لروسيا كحليف في محاربة الإرهاب.

لقد تحدث الرئيس الروسي صراحة – في مقالته المنشورة بموقع الكرملين – على وحدة الشعب الروسي والأوكراني، وأنها يشكلان امتداداً جيو – سياسياً وأمنياً لروسيا، وقد تجسد هذا في التعامل بالقوة العسكرية مع شبه جزيرة القرم، فهي تمثل أهمية جيو – سياسية بالنسبة لروسيا كونها تتحكم بمرور السفن التجارية والعسكرية إلى عدة موانئ أوكرانية وروسية، واقتصادياً هي وجهة لكثير من السياح الروس والأوكرانيين والبولنديين والألمان والعديد من شعوب دول البلطيق بحيث يقدّر عدد السياح من 3 – 5 مليون سائح سنوياً ما يعود على الخزينة العمومية بمبلغ يصل حوالي الـ 2 مليار دولار، كما أن شبه جزيرة القرم تعتبر سلة غداء أوكرانيا، فهي تحتوي على من المحاصيل الزراعية بالإضافة الى إحتياطيات من النفط والغاز الطبيعي ومعادن بكميات كثيرة.

فمن خلال هذه المعطيات الجيو – سياسية والجيو – اقتصادية، يمكن تفسير سبب التدخل الروسي العسكري في أوكرانيا بهده القوة؛ فموسكو لن تتعامل بتساهل مع هذا الاندفاع الغربي نحو حدودها، فقد تعلّمت من التاريخ أن الهجوم هو أفضل وسيلة للدفاع، لأن تلك المناطق – وخاصة أوكرانيا وبيلاروسي – تعتبر بمثابة حاجز طبيعي جغرافي بأبعاد جيو – استراتيجية وخاصة بعدما نشر حلف الناتو قواته في دول مثل رومانيا وبلغاريا وليتوانيا ولاتيفيا واستونيا وبولندا، وهو ما يعتبر حصاراً وتهديداً للاتحاد الروسي.

إدارة مسرح العمليات العسكرية وحدود العملية التفاوضية

تسعى روسيا إلى تدمير القوة العسكرية الأوكرانية في أسرع وقت ممكن وبأقل تكلفة، لأنه كلما أنجزت الحرب بشكل أسرع كان هناك تغيير في المواقف الدولية لصالح روسيا، كما أن مسرح العمليات العسكرية شهد استخدام أسلحة متعددة من الجانبين ومن أبرز الأسلحة الروسية دبابات “T-72″ و”T-90” ومقاتلات وقاذفات “سو” ومروحيات هجومية “إم آي”، كما استخدمت القوات الروسية قاذفات القنابل الحرارية الضغطية “توس – 1″، وصواريخ باليستية من نوع “غراد”، كما إستخدمت القوات الاوكرانية صواريخ “جافلين” الامريكية المضادة للدبابات والمركبات وصواريخ “لاو M-72” البريطانية المضادة للدروع، وصواريخ “ستينغر” الامريكية المضادة للطائرات والمروحيات.

إن مسرح العمليات العسكرية يعكس تاريخاً من السباق نحو التسلح والصراع على من يمتلك تكنولوجيا الأسلحة الأكثر فاعلية وكفاءة، ويجب الإشارة أن الجيش الروسي اختار السيناريو الأسوأ والمكلف في العمل العسكري من خلال محاصرة المناطق الإستراتيجية وخاصة العاصمة كييف، فروسيا متفوقة كمّاً نوعاً وذلك أنها تحتل المرتبة الثانية عالمياً كأقوى جيش؛ أما أوكرانيا، فتحتل المرتبة الـ 25 عالمياً. كما أن روسيا لها خبرة في إدارة العمليات العسكرية التقليدية، ولديهم خبراء في الحروب السيبرانية والحروب الهجينة التي تعلموها من تاريخ حافل من الحروب في أفغانستان والشيشان.

ومع هذا، تمتلك أوكرانيا الوضعية الدفاعية في المدن من خلال حرب الشوارع بحيث المدافع له ميزة التخفي والتسيير؛ وهنا يجب أن نميز بين نوعين من المقاومة: المقاومة الشعبية، أولاً، ومقاومة منظومة القيادة والجيش الرسمي، ثانياً. فمن المعركة الرئيسية الكلاسيكية نبحث عن الخطة الثانية المعدة سلفاً للحرب من خلال الدخول في حرب غير متناظرة، وهو ما يدفعنا إلى إلزامية التفريق بين القدرة الروسية على احتلال أوكرانيا والقدرة في السيطرة عليها.

في ظل هده المعطيات الميدانية وحرب المعلومات بين الطرفين، يختار التفكير الاستراتيجي للدول الوقت المناسب لإطلاق العملية التفاوضية، فمن يتفوق في مسرح العمليات العسكرية يضع حدود التفاوض، وهو ما تسعى إليه الدول الأوروبية من خلال العقوبات الإقتصادية على روسيا، والدعمين الاقتصادي والعسكري لأوكرانيا، كما تدرك الدول الأوروبية مدى تبعيتها في مجال الطاقة الروسية خاصة في ظل الارتفاع غير المسبوق لأسعار المحروقات في السوق العالمية.

لقد نجحت روسيا في فرض أمر الواقع على الغرب؛ وكرد فعل، حاولت كييف – قبل الجلوس على طاولة التفاوض – إقناع الغرب بفرض حظر جوي فوق الأراضي الأوكرانية، وهو ما لا يمكن أن يقوم به سوى حلف الناتو مما يعني الدخول في حرب عالمية ثالثة.

من هنا، إن حدود التفاوض سيضعها الطرف القوي والمسيطر على مسرح العمليات، فروسيا ستضع على طاولة المفاوضات عدة أمور أبرزها اعتراف كييف بضم شبه جزيرة القرم واعتبارها منطقة روسية ونزع سلاح الجيش الأوكراني، هذا من جهة. من جهة أخرى، يجب الإشارة إلى أن العملية التفاوضية ستكون معقدة وذلك للحسابات الإستراتيجية للدول، وفي مقدمتها الملف النووي الإيراني والدور الأمريكي الصيني وضمان تأمين إمدادات الطاقة لأوروبا بحيث أن 85% من الغاز الروسي يمر عبر الأراضي الأوكرانية.

ختاماً، إن عاملا الوقت والتكلفة سيعتبران عاملين حاسمين لروسيا أو الغرب؛ فموسكو ستسعى إلى تحقيق أهدافها الإستراتيجية في أوكرانيا بأسرع وقت وبأقل تكلفة لتتجنب الدخول في حرب إستنزاف لا نهاية لها، والغرب سيحاول إنقاد أوكرانيا من “الافتراس” الروسي مع الحفاظ على مصالحه الإستراتيجية مع موسكو وفي مقدمتها ملف الطاقة، كما تسعى واشنطن إلى تحييد وعزل الموقف الصيني والحوؤل دون أية فرصة للتحالف الروسي – الصيني، فكل هذه الحسابات تعكس معضلة جيو – بوليتكية ستكون تداعياتها خطيرة على الأمن الدولي.

مصدر الصور: تاس –إرم نيوز.

موضوع ذا صلة: “أغبياء” أوروبا يحاربون روسيا بالنيابة عن الولايات المتحدة

د. بلقاسمي مولود

باحث متخصص في الدراسات الدولية – الجزائر


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •