مدير مركز منظورات للدراسات الجيوسياسية – المغرب
بعد عملية تفجير أجهزة الاتصال اللاسلكية “البيجر”، والتي قتلت أعداد كبيرة من المدنيين اللبنانيين وبعض قيادات حزب الله، واصلت الطائرات الحربية الإسرائيلية قصف المدن والقرى والمباني السكنية والبنية التحتية في لبنان. وفي واحدة من أكبر الهجمات الجوية، أسقطت إسرائيل 80 طناً من المتفجرات المخترقة للتحصينات، مما أسفر عن مقتل مئات المدنيين وتدمير العديد من المباني واغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله مع اثنين من مستشاريه. وكانت هذه الضربات بداية لتصعيد دراماتيكي للقصف الجوي والبحري، وخاصة في الضاحية الجنوبية لبيروت ووادي البقاع والجنوب.
وقد اتسع نطاق الهجمات الإسرائيلية لتشمل منطقة جبيل شمال بيروت، وحي الباشورة ومنطقة الكولا. والواقع أن هذه الضربات، التي استهدف بعضها مناطق مكتظة بالسكان، هي الأكثر تدميراً في تاريخ لبنان وما زالت مستمرة حتى كتابة هذه السطور. في الثلاثين من سبتمبر/أيلول 2024، أعلن الجيش الإسرائيلي بدء الغزو البري للبنان، وقتلت و أصابت الهجمات الإسرائيلية الآلاف من اللبنانيين وشردت أكثر من مليون شخص في لبنان.
يمكن اعتبار أن الهجمات الاسرائيلية هي جزء من آلة حرب موسعة تواصل ارتكاب إبادة جماعية في غزة، وتستهدف في هذه العملية دول الاسناد والطوق معا لبنان، سوريا واليمن وإيران، وتهدد بحرب إقليمية واسعة النطاق، هي الأحدث في تاريخ طويل من العنف الإسرائيلي في لبنان، والذي تبرر الدولة الإسرائيلية أنه “مستهدف” لجماعات تعتبرها إرهابية، حيث استهدفت في الماضي منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية اليسارية، واليوم تستهدف حزب الله اللبناني.
يذهب البعض أن آلة الحرب الاسرائيلية، تستفيد من الواقع الجيوسياسي للمنطقة، لتغيير اليقينيات الخرائطية فيها من خلال الاحتلال الكامل لفلسطين و لبنان وجزء كبير من سوريا و الاردن ومحاصرة مصر و إسكات بنادق وكلاء ايران في المنطقة وضرب المواقع الحساسة لطهران و القضاء على ما يسمى بمحور الممانعة، وذلك باستغلال الدعم الامريكي غير المشروط والذي يثمن الخطوات الاسرائيلية ويعبر ما تقوم به حكومة الحرب الاسرائيلية بمثابة دفاع عن النفس، مما قد يعزز سيناريو الحرب الاقليمية الذي شككت فيه واشنطن واعتبرت أن الحرب في قطاع غزة هي حرب على حركة حماس فقط ولا تروم إسرائيل منها تحقيق أهداف استراتيجية أخرى. و يرى اتجاه آخر أن الاهداف الاسرائيلية تكمن في ضرب العدو القريب و البعيد على حد سواء من خلال استهداف جماعات المقاومة في غزة ولبنان و سوريا و اليمن وصولا الى توجيه ضربات الى إيران وتحجيم النفوذ الايراني في المنطقة. فهل تريد إسرائيل تنفيذ مخطط التمدد وفرض الحرب الاقليمية في الشرق الأوسط؟
أولا: موقع لبنان الجيوسياسي وتقاطع المصالح
تمثل الحرب على لبنان، أكثر الحروب دموية تقودها الآلة العسكرية الاسرائيلية منذ نهاية الحرب الأهلية في عام 1990، كما يحدث هذا التطور الدراماتيكي في سياق سلسلة من الأزمات التي تعصف بالبلاد بدأت بالانتفاضة الشعبية في عام 2019 واستمرت خلال جائحة كوفيد 19، وانفجار ميناء بيروت، وفراغ السلطة الرئاسية، والانهيار الاقتصادي الذي بدأ لبنان للتو من التعافي منه بشكل نسبي. ترتبط هذه الأزمات ارتباطاً كبيرا بموقف لبنان في مواجهة قوى متعددة في المنطقة وخارجها.
منذ عام 1920، كان لبنان و لا يزال مركزا استراتيجيا بامتياز، بناء على تداخل مصالح الدول الإقليمية التي دفعت إلى تدخلات متوالية. ومنذ الحرب العالمية الثانية، اعتبرت بيروت ــ ولبنان على نطاق أوسع ــ بمثابة ملاذ سياسي وثقافي واجتماعي للمواطنين والشخصيات السياسية العربية، كما اعتبرت عاصمة الثقافة العربية بدون منازع.
ونظرا لأهمية موانئ لبنان واقتصاده الإجمالي، فقد كان بمثابة بوابة اقتصادية إلى سوريا، و لعب النفط دورًا بارزا في هذا السياق الجيو-قتصادي، حيث استخدم الغرب لبنان لضمان الوصول إلى النفط والقواعد العسكرية والنقل الجوي والتوسع التجاري في المنطقة. و في ظل الطفرة النفطية في السبعينيات من القرن الماضي، ازدهرت الاستثمارات الخليجية في لبنان خاصة في مجال الصناعة المصرفية، والتي كانت تتباهى منذ الخمسينيات بقوانين السرية. و توسع أيضا قطاعي السياحة والخدمات في الستينيات من القرن الماضي، ويرجع ذلك جزئيًا إلى مركزة وتوجيه الدينامية الخليجية نحو لبنان، وما صاحب هذا الأمر من توظيف الطبقة العاملة اللبنانية، بل وأيضاً تشغيل العمالة الفلسطينية والسورية وغيرها من العمالة المهاجرة. كما تدخلت الولايات المتحدة لدعم إسرائيل، التي ألحقت العنف بانتظام بالمدنيين، بل و حتى قبل إنشاء الدولة الإسرائيلية، كانت الرؤى الصهيونية لحدودها تشمل جنوب لبنان ومياه نهر الليطاني.
بعد أحداث 2011، عرف لبنان العديد من التحديات الوجودية، أهمها الفراغ الرئاسي، وضعف أداء المؤسسات الدستورية وعدم تناغم الفصائل والطوائف في حل الأزمات الاقتصادية التي يعاني منها هذا البلد الصغير مساحة والكبير من حيث الأهمية الاستراتيجية، واستمر حزب الله في المشهد السياسي كمكون يناقض وينافس باقي الفرقاء السياسيين في لبنان، مع مواصلة الحروب والمقاومة في الجنوب اللبناني. يمكن اعتبار الحرب الحالية، من أعنف المواجهات بين إسرائيل وحزب الله، و بالتالي يفرض الامر موقفا صارما للدولة اللبنانية خاصة الدور الذي قد يلعبه رئيس الحكومة و رئيس مجلس النواب في التفاوض لإنهاء الهجمات الاسرائيلية على لبنان العمل على وقف إطلاق النار بالتعاون مع قوى المنتظم الدولي.
ثانيا: الغزو البري الاسرائيلي للبنان والمحاذير الأمنية
تتعلق الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية في لبنان بالدوافع الأمنية في المقام الأول، ويمكن القول إن إسرائيل لا ترغب في إسقاط طموحاتها الاقليمية في لبنان، وخاصة أنها تسيطر بالفعل على الموارد المائية التي تحتاج إليها، حيث أن احتلال جنوب لبنان هو خير مثال على ذلك، فبالرغم من احتلال إسرائيل لجنوب لبنان من عام 1978 إلى عام 2000، إلا أنها لم تقم أي مستوطنات، كما هو الشأن بالنسبة لمرتفعات الجولان والضفة الغربية وقطاع غزة وحتى شبه جزيرة سيناء.
لقد كان الهدف الواضح من الغزو العسكري الاسرائيلي في الثمانينيات من القرن الماضي هو طرد مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من منطقة الحدود. و في مايو/أيار 1983، اقترحت إسرائيل على الفصائل اللبنانية الانسحاب الكامل من لبنان مقابل إنشاء منطقة عازلة في الجنوب تديرها عسكرياً حركة أمل الشيعية، والتي كان من المفترض أن تبقي الفلسطينيين بعيداً عن الحدود، لكن هذه الخطة فشلت، بسبب الرفض والمعارضة السورية.
انسحبت اسرائيل من جنوب لبنان في العام 2000، وبدأ احتلال الجنوب يصبح مزعجا ومكلفا للأمن القومي الاسرائيلي بسبب عمليات حزب الله، وفي داخل اسرائيل، كانت الضغوط تتصاعد من قبل فئات من الشعب الاسرائيلي للانسحاب من جنوب لبنان، ولعبت الضغوط الخارجية من الدول الغربية دورا فارقا لثني اسرائيل عن الاستمرار في احتلال الجنوب، ومع ذلك واصلت اسرائيل احتلال مزارع شبعا وتلال كفر شوبا، وهي مناطق متنازع عليها بين لبنان وسوريا.
بعد السابع من أكتوبر 2024، أصبح أمن الحدود الشمالية لإسرائيل أولوية قصوى، فقد أدى الصراع المستمر إلى تقويض الضمانات الأمنية التي حصلت عليها تل أبيب بعد حرب يوليو 2006 من خلال قرار الأمم المتحدة رقم 1701، الذي نص على انسحاب حزب الله شمال نهر الليطاني. ونتيجة لذلك، تم إخلاء عشرات المواقع في شمال إسرائيل (كما هو الحال في الجنوب، بالقرب من قطاع غزة). فهل يكفي هذا لتبرير غزو بري جديد لجنوب لبنان؟
ثالثا: تمدد إسرائيل: استراتيجية احتلال أم آلة ردع
كتب رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت على موقع التواصل الاجتماعي “إكس: “هذه هي أعظم فرصة منذ خمسين عاما لتغيير وجه الشرق الأوسط”، مقترحاً أن تستهدف إسرائيل المنشآت النووية الإيرانية “لإصابة هذا النظام الإرهابي” وهو سيناريو مدمر غير مسبوق حقا للمنطقة.
ومنذ بداية الحرب في غزة، تعثرت الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التصعيد، وأثبتت القوى الكبرى إما تواطؤها مع إسرائيل أو عجزها عن كبح جماح القتال أو حتى التأثير عليه بشكل كبير. ويسلط هذا الفشل المستمر الضوء على النظام العالمي المنقسم إلى حد كبير، والذي لا يستطيع أن يتحد لفرض القانون الدولي أو حتى قواعد اشتباك واضحة على الأطراف المتصارعة ــ وهو الانقسام الذي يبدو أنه سوف يتعمق بشكل كبير، و يهدد بعواقب مروعة على المنطقة وشعوبها مع إصرار إسرائيل على اغتنام الفرص السانحة للسيطرة على قطاع غزة بالكامل واحتواء لبنان والقضاء على المقاومة.
تتزايد المخاوف من اندلاع حرب شاملة في البلدان المجاورة، بما في ذلك سوريا وإيران والعراق واليمن، وربما الأردن. وقد تصاعدت هذه المخاوف كثيراً بعد تبادل الهجمات الصاروخية بين إسرائيل وإيران، وسط احتمالات وقوع المزيد من الهجمات الإيرانية، مما قد يفسح المجال للتدخل الامريكي و الغربي لدعم إسرائيل، ما يزيد من احتمالات اندلاع هذه الحرب. ويبدو أن الموقف الرسمي اللبناني يركز على محاولة منع اندلاع الحرب، و بدل كل الجهود الرامية الى تنفيذ قرار مجلس الامن الدولي رقم 1701، وتمكين الجيش اللبناني ودعمه ونشره في جنوب لبنان. وعلى الصعيد الداخلي، هناك جهود متواصلة للدفع بالأمور في اتجاه تلافي الفراغ الرئاسي و انتخاب رئيس فعلي وتفعيل المؤسسات الدستورية اللبنانية.
رابعا: وحدة الساحات و مسارات الحرب الإقليمية
وبالنظر إلى السوابق التاريخية في المواجهات المسلحة بين إسرائيل و حركة المقاومة في لبنان، نستنتج أن الحرب ضد إسرائيل في 2006 استمرت 34 يوماً فقط، وكان ذلك في ظروف مختلفة، حيث لم تكن هناك حرب في غزة، ولم تكن هناك أحداث مثل التي تشهدها سوريا والعراق وإيران واليمن في الوقت الراهن. وعلى النقيض مما حدث أثناء حرب 2006، فان عدد كبير من الفواعل الإقليمية دخلت معادلة الحرب اللبنانية اليوم، في حين أنه على المستوى الرسمي، يبقى لبنان دولة ضعيفة وجيشها غير قادر على السيطرة و التحكم في زمام الامور. و تسعى الأطراف الإقليمية عادة إلى منع مثل هذه الأحداث من إشعال شرارة حرب إقليمية، كما تلعب الولايات المتحدة دوراً هاماً في عملية التوازن الاقليمي.
من جهة أخرى، يمكن اعتبار أن ما تقوم به إسرائيل في لبنان هو سياسة تقليم أظافر إيران في المنطقة، حيث أن ما بين إيران وإسرائيل ليس حرباً بمفهوم المواجهة المباشرة بل تبادل قصف موسمي، ذلك أن آلة القتل والدمار الإسرائيلية التي اجتاحت غزة ولبنان لم تدفع الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى الانخراط المباشر في الصراع. وعلى الرغم من الدعم الذي تقدمه طهران لحركات مثل حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله وأنصار الله الحوثيين، لم تُبادر إسرائيل إلى مهاجمة العمق الإيراني، وهذا ما يفهم منه وجود عوامل توازن تضبط تحركات إسرائيل إزاء طهران، بينما تسعى إيران لتجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
رغم الضربة الكبيرة التي تعرض لها حزب الله فمن المستبعد جدًا أن تؤدي لخروجه من المواجهة، كما تواصل المقاومة اللبنانية رفض فك الترابط بين جبهتَي غزة ولبنان والتمسك بشعار “وحدة الساحات”، وهو خط يصعب على أي قيادة مستقبلية تجاوزه مهما كانت الظروف أو المسوغات، وإذا كان من شبه المستحيل وقف جبهة لبنان دون غزة، فإن احتمالات توسع الحرب لتشمل أطرافًا أخرى في المنطقة تزداد بشكل كبير مع استمرار العدوان على لبنان.
فيما يتعلق بدولة الاحتلال الاسرائيلي، فهي ترى أنها أمام فرصة تاريخية وغير مسبوقة للقضاء مع مجمل المخاطر و التهديدات الأمنية التي تواجهها. فهي تحاول محو فشلها الذريع أمنيًا وعسكريًا في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وتسعى لاستعادة الردع الذي تآكل مع العملية وما تبعها في غزة والجبهات الأخرى. لذلك تسعى إسرائيل لمواجهة وتقويض كل من يهددها من المقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتها حماس والجهاد الإسلامي، و المقاومة اللبنانية، وفي مقدمتها حزب الله والجماعة الإسلامية، لأنصار الله/الحوثيين في اليمن، للمجموعات المقربة من إيران في العراق، وصولًا لإيران نفسها. وهنا لا يفترض النظر لتصريحات نتنياهو المتكررة بـ “تغيير خرائط الشرق الأوسط” على أنها مجرد تهديدات، ففي ظل هذه الفرصة التاريخية وضغط شركاء الحكومة المتطرفين وحالة شبه الإجماع في المجتمع الإسرائيلي على ضرب حزب الله، واستغلال الانتخابات الامريكية للضغط على إدارة بايدن ورفع فرص دونالد ترامب للفوز بزيادة التصعيد في المنطقة، يبدو أن تهديدات نتانياهو لكل من يستهدف “إسرائيل” تبدو جدية، وليست مجرد رصاص في الهواء.
خاتمة
لقد فتحت عملية طوفان الأقصى قبل أزيد من عام والحرب على لبنان، مرحلة جديدة في المنطقة بأسرها، وما زالت تداعياتها تتكشف يوما بعد أخر، والخطر يواجه الجميع في ظل الخطط “الإسرائيلية” – الأميركية، وهو خطر معلن وجدي لا يمكن الاستهانة به في ظل الاصرار الاسرائيلي على مواصلة الحرب مهما كان الثمن، وتعطيل الألة الدبلوماسية بالاتفاق مع واشنطن و إفشال المفاوضات بشكل متعمد ومقصود.
إن ما يحدث في غزة و في الساحة اللبنانية قد يغير بشكل كبير مفردات الصراع في المنطقة بعد الهجمات الاسرائيلية في العمق اللبناني، وبالرغم من محاولة إيران تجنب التصعيد الإقليمي والحرب الشاملة بالتنسيق مع الولايات المتحدة الامريكية، قد تصبح مع الوقت واقعًا يفرضه نتنياهو ومن يقف خلفه، ولعل نفس المنطق ينطبق على كامل المنطقة التي يراد إعادة رسم خرائطها وتشكيل معالمها لصالح إسرائيل و واشنطن.
مصدر الصورة: وكالة ريا نوفوستي