شارك الخبر

د. حسن مرهج*

لا شك بأن مسار التطورات في سوريا يلقى بظلاله على المشهد الدولي، ولا شك أيضا بأن الحرب على سوريا في هدفها الأول إسقاط الدولة السورية وكسر محور المقاومة، و لكن ما نتج عن هذه الحرب لجهة الاصطفافات الدولية وسياسة المحاور، سيكون له تأثير مباشر في رسم المسارات الميدانية و السياسية ليس في سوريا فحسب، بل في الشرق الأوسط كاملا، من هنا سعت الدول صاحبة التأثير في الشأن السوري إلى قراءة التطورات بنظرة استراتيجية تتناسب وطبيعة المصالح المشتركة، إضافة إلى الحد من التأثير المباشر لخطط الغرب الاستعمارية في سوريا والمنطقة ، ورغم ذلك نشاهد تضارب في المصالح الاستراتيجية بين أطراف المحور الواحد، ولكن هذا التضارب لا يرقى إلى مستوى الخلاف أو التصادم ، نتيجة الكثير من الرؤى الاستراتيجية ذات الاهتمام المشترك.

إن حقيقة التطورات في سوريا تشي بالنصر على الإرهاب الأمريكي والسعودي والتركي، فالمتابع للشأن السوري يعي تماما أن ما ينجزه الجيش السوري في الميدان سيكون له تداعيات كثيرة كفيلة برسم معالم الشرق الأوسط الجديد، خلافا لشرق أوسط روجت له الإدارة الأمريكية، ومع توالي سنوات الحرب في سوريا،  انكشاف الخطط الأمريكية الرامية إلى تقسيم سوريا وإنهاكها لتصبح تابعة لإسرائيل، تشرق المنجزات الميدانية والسياسية كاسرة معها خطوط واشنطن التي باتت تعاني من مأزق جراء انكسار جبروتها وإرهابييها من حلب إلى دير الزور مرورا بالبادية السورية وصولا إلى الغوطة الشرقية لدمشق، فنداءات واشنطن اليوم خير دليل على  انكسار مشروعها وانتصار الدولة السورية قيادة وجيشا وشعبا، واليوم تؤكد هذه التطورات أن زمن الحرب بالأدوات انتهى، وبات لزاما على دول العدوان التدخل مباشرة في محاولة منها للحد من تأثير المنجزات التي حققتها الدولة السورية والجيش السوري.

يمكن القول إن العلاقات الروسية الإيرانية هي نتيجة حتمية للسياسات الأمريكية في سوريا، ومحاولة فرض نظام عالمي جديد وحاجة ملحة لكل من موسكو وطهران، وبالرغم من كل تلك التعقيدات في المشهد الدولي إلا أن العلاقة الإيرانية الروسية تخضع للمراقبة الدقيقة وتبرز أخبارا وتحليلات تغزو وسائل الإعلام لقراءة مستقبل العالم، وبدأ الحديث عن ما سمي خلافات إيرانية روسية بعد القضاء على داعش في سوريا، وبشكل خاص بعد رفض إيران للاتفاق الروسي الأمريكي لخفض التوتر في الجنوب السوري، والتسريبات الصحفية المتناقضة التي تتحدث عن ضمانات روسية بعدم اقتراب اي قوات إيرانية من حدود الأراضي المحتلة، وصولاً إلى الأنباء التي تنشر وبشكل شبه يومي في الصحف العبرية والتي تتحدث عن نية روسيا تعزيز قوة إيران في المنطقة، ومن هنا يبقى السؤال ما هي طبيعة العلاقة التي تجمع روسيا وإيران وقد وصلت سابقاً بفعل صواريخ اس 300 إلى المحاكم والآن إلى التحالف في سوريا.

وفي جانب يغفل عنه الكثير من المتابعين للشأن السوري لجهة العلاقة بين روسيا وإيران، وفي هذا الجانب لنبتعد قليلا عن نقاط الاختلاف والتلاقي بين البلدين، ولنوضح أكثر الرؤى الاستراتيجية لروسيا حيال التطورات الأخيرة وتحديدا الغارات الاسرائيلية الأخيرة على أهداف في دمشق ومحيطها، هنا بدا الموقف الروسي مبهما وبالتالي تم طرح العديد من إشارات الاستفهام والتي يمكن من خلالها اشتفاف ما يمكن أن تؤول إليه التطورات، روسيا التي صرحت أنها ستقوم بتزويد سوريا بمنظومات صاروخية متطورة بعد العدوان الثلاثي على دمشق، تصريحات لم تتجاوز حدود روسيا، والكثير من الأنباء التي يتم تداولها في الأروقة الدولية بأن هذه المنظومات المتطورة لن يتم استخدمها في المناطق التي من الممكن ان يتم استهدفها في حال تواجد بها مستشارين إيرانيين، وهنا لن نأخذ بما يتم تداوله، ولكن في تحليل منطقي يمكننا القول أن العلاقة بين روسيا وسوريا استراتيجية ذات مصالح مشتركة، فروسيا تبحث عن المياه الدافئة، و تدرك تماما بأن خسارة سوريا لموقعها يعني خروج روسيا من الشرق الأوسط كاملا، وبالتالي تبحث روسيا عن موطئ قدم يُمكنها من تفعيل خياراتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وجدير بالذكر أن روسيا وإيران متواجدين في سوريا بطلب من الدولة السورية.

الآن وفي حال تجاوزنا السلبيات في العلاقة الراهنة بين روسيا وإيران، وانطلاقًا من تعاون البلدين في سوريا في ظل وجود عناوين اشتراك كبرى فإن العلاقة تأخذ شكلًا جديدًا يعتمد شكل الشراكة الاستراتيجية التي ستنحِّي تاريخًا طويلًا من انعدام الثقة بين الجانبين، وذلك من خلال تعويم مقتضيات المصالح الاستراتيجية والجيوسياسية، وهذا بلا أدنى شك يُعتبر مكسبا مهما بالنسبة لإيران ويصب في صالح نفوذها الإقليمي، هذا هو المنطق الذي يدافع عنه شقٌّ مهم من صنَّاع القرار السياسي المخضرمين في إيران ضمن تيار يتصدره وزير الخارجية الأسبق والمستشار الحالي للمرشد الإيراني في مجال الشؤون الدولية، د. علي ولايتي، الذي لا يرى حرجًا في الحديث عن علاقات استراتيجية مع روسيا لابد من دعمها وتدعيمها ويحمل قناعة راسخة بأن التعاون بين روسيا وإيران ودول أخرى في المنطقة هو ما سيحدِّد مستقبل وشكل المنطقة، لكن هذا التفاؤل الإيراني يصطدم أحيانًا بإمكانية بروز شكل ما من تضارب المصالح في سوريا اعتمادًا على أن لكل من موسكو وطهران مشروعها الخاص في سوريا، لكن من الواضح أن صانع القرار الإيراني لا يرغب في العودة إلى الوراء والتفريط بما تحقَّق من شراكة استراتيجية بين طهران وروسيا انطلاقًا من سوريا.

إيران  وروسيا تشتركان في العناوين الكبرى الخاصة بشكل وآليات الحل للأزمة السورية، وفي أن التباين في التفاصيل ربما يكون سببًا في بروز تضارب في المصالح بينهما، لكنها ترى أن هذا الصراع على المصالح لن يكون كافيًا لإحداث خلافات استراتيجية حادَّة بين الجانبين على الأقل في المرحلة الراهنة، ويمكن القول بأن الأهداف متقاربة والطرق متوازية، ويبدو هذا الوصف هو الأكثر دقة حين نتحدث عن حدود التعاون الروسي الإيراني في سوريا، وكأن البلدين يتفقان على هدف مشترك في وقت يختار كل طرف طريقًا موازيًا لطريق الطرف الآخر لتحقيق ذلك، فأكثر ما يميز التعاون الروسي الإيراني في سوريا أنه جاء على قاعدة أن لكل منهما مصالح مختلفة عن الآخر لكنها ليست متضاربة بشكل حادٍّ وهذا مكَّن الطرفين من تحييد مصطلح التنافس بمعناه التصادمي وتغليب مصطلح الشراكة بوجهيه الاستراتيجي والجيوسياسي.

إن  أكثر ما يميز التعاون الإيراني الروسي في سوريا هو أنه تطوَّر خطوة خطوة بوتيرة تتناسب مع طبيعة التحديات وأهداف التدخل العسكري المباشر التي تبدو متقاربة إلى حدٍّ بعيد بين طهران وموسكو، ولأسباب تاريخية وجيوسياسية وأخرى تتعلق بالصراع على مناطق النفوذ يعارضان بشكل واضح توسع النفوذ الغربي في الشرق الأوسط، ويعملان معا سواء كان ذلك اختيارا أو اضطرارا ضد أن تدخل سوريا دائرة النفوذ الغربي، وانطلاقًا من هذا العنوان يتقاطع البلدان عند نقطة مفادها أن سقوط النظام السوري سينقل سوريا من حليف وساحة نفوذ مهمة إلى سوريا جديدة أقرب إلى الغرب، وهذا لا يتناسب وطبيعة المصالح الجيوسياسية لكل من روسيا و إيران.

متخصص بالشؤون الشرق أوسطية*

مصدر الصور: الجزيرة.


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •