حوار: سمر رضوان
يُعتبَر انحسار الإرهاب في سوريا مؤشّراً على اقتراب طي هذا الملف والالتفات إلى التسويات غير العسكرية في ظل معطيات كثيرة، منها محاولة واشنطن ترميم “خساراتها” عبر الحلول السياسية، كملف الأكراد وإخراج أعضاء “الخوذ البيضاء” من سوريا، لتبقى الكرة في ملعب الروسي، وضبط اللاعب التركي الذي قد يلجأ مرغماً للقبول بالتسويات، ولربما طلب المساعدة من سوريا نفسها.
حول هذه التطورات الدولية والإقليمية المتداخلة بالأزمة السورية، سأل مركز “سيتا”، الدكتور كمال الحفا، الخبير العسكري والاستراتيجي عن أبعاد وتداعيات هذه التطورات على سوريا في المرحلة الحالية والقادمة.
الاستراتيجية الاميركية بعد “هلسنكي“
وضعت قمة هيلسنكي أسس حل وخريطة طريق لصراع دموي استمر أكثر من ثماني سنوات أساسه خلل استراتيجي حول ملفات إقليمية معقدة وأرضيته وشعاراته وصول الربيع العربي إلى سوريا وبعد نجاحه في معظم الدول التي أدخل إليها وتعسره في الميدان السوري.
الخلافات الأمريكية الروسية تشمل بؤر توتر واسعة وصراعات على أكثر من ملف يتعلق بالهيمنة الأمريكية على كل تفاصيل القرارات السياسية لدول العلم ومقدراتها الاقتصادية وسياسية القطب الواحد التي أفرزتها حرب الخليج الأولى هي التي تدفع الولايات المتحدة للتمسك ما أمكن بهذه المكتسبات بغض النظر عن التطورات التي أفرزتها تشعبات الحرب السورية وصمود دول المحور بأكمله وإسقاط المشروع الأمريكي الذي أعد بعناية لتدمير وتفتيت سوريا.
الولايات المتحدة الأمريكية مقدمة على تراجعات ميدانية وسياسية في الملف السوري وستعمل إلى تسليم كل تفرعات الأزمة السورية إلى روسيا وبعهدتها، والتي هي مقبولة من معظم أطراف الصراع، وأولى بوادر هذا التسليم ما يحدث في الجولان السوري المحتل والجبهة الجنوبية وإنهاء التمرد العسكري والوجود المسلح في جنوب سوريا بالكامل.
تطورات الميدان السورية ستنعكس حتما على ملف أوكرانيا والاتفاق النووي مع إيران والصراع التجاري مع الصين، وتزويد أوروبا بالطاقة والملاحة الدولية، وحتى صفقة القرن التي تنتظر إسرائيل لحظة بدء التنفيذ الفعلي لها، وهي أيضا مرتبطة بمخرجات الحرب السورية.
الأزمة ما بعد الجنوب
العين بعد الجنوب على بدء مرحلة عمل عسكري ميداني وسياسي في إدلب، وهذه الجبهة مرتبطة أولا وأخيرا بالتركي وهو شريك أساسي في منصة الحرب على سوريا، ولكن الحليفين الروسي والإيراني استطاعا الوصول إلى قواسم مشتركة مقبولة بالنسبة لتركيا وحتى لسوريا، وبالتالي انحسار الحرب في سوريا وتقليصها إلى ملفين أساسيين وجبهتين فقط لا غير، هما إدلب وشمال شرق الفرات بعد إغلاق الملفات الأصعب ميدانيا وسياسيا وهما الغوطة الشرقية والقلمون الشرقي والمخيمات الفلسطينية والجنوب السوري بالكامل وشمال حمص، وضع القيادة السورية السياسي والعسكري في حالة مريحة جدا هي الأكثر قوة وتوازنا منذ سبع سنوات مما يعزز مخططاتها في استكمال مشروعها لتطهير الأراضي السورية من كل البؤر الإرهابية والاحتلالات الخارجية التي تدعمها.
الشمال بين الكرد والأمريكيين
الملف الكردي مرتبط بشكل مباشر بالولايات المتحدة وهي الوحيدة التي بقيت بجانب هذه المجموعات الانفصالية، وفي حال تم التوصل إلى حلول في موضوع التواجد الإيراني والقوات الحليفة على الأراضي السورية، من الممكن إنهاء الفيتو الأمريكي في تأمين الحماية العسكرية الميدانية للقوات الكردية ورفع الغطاء عنها مما سيجبرها إلى فتح قنوات تفاوض مع الدولة السورية، والأمور الحالية تشير إلى هذه المعطيات وهي الخيار الوحيد المتاح أمام قوات قسد.
لا صراع مباشر مع أمريكا في هذا الملف ولا صدام سوري كردي إلا في نطاق ضيق وعبر قوات رديفة او عشائرية أن تعثّر مسير المفاوضات عبر الوسيط الروسي الأمريكي وهما الطرفان المؤهلان لإدارة هذا الملف المعقد والذي يعتمد أولا وأخيرا على صلابة الموقف الأمريكي في وقوفه إلى جانب الوحدات الكردية أو دفعها للتفاوض مع الحكومة السورية.
حدود التدخل الروسي
ليس هناك طرف مؤهل لإدارة هذا الملف إلا روسيا وهي القادرة على التأثير في مواقف الدول المعنية بالملف السوري، وهي تملك من أدوات الضغط العسكري والسياسي ما يؤهلها لإيصال هذا الملف إلى خواتيمه السعيدة
روسيا أدارت الملف السوري وتشابكات الصدام مع دول الحرب عليها بعناية ولم تصل الأمور ولا مرة إلى مرحلة الصدام المباشر، وبالتالي لن تدع أحد أن يكمل ما بدأته في مشوارها الطويل والذي نضج في إظهار عالم متعدد الاقطاب ترتسم ملامحه في سماء الكرة الأرضية.
تركيا بحاجة للمساعدة
انحسر الدور التركي في ملف محافظة إدلب وأرياف حلب وحماة واللاذقية وأصبح عبء الوجود المسلح لكافة التنظيمات المصنفة إرهابيا من مسؤوليتها مع الوضع الإنساني المتأزم مع تناقضات وصراعات تعيشها كل الفصائل التي تم ترحيلها إلى إدلب وأيضا عودة داعش إلى محافظة إدلب، وحتى تفتت جبهة النصرة وانقسامها ما بين جبهة أنصار الدين وحلف نصرة الإسلام، والخلافات العميقة جدا ما بين الشرعيين السوريين المحليين من جهة والشرعيين العرب والأجانب من جهة أخرى، وتفجر الوضع الأمني واتساع رقعة الاغتيالات والخطف والسرقة والنهب وعجز تركيا عن تامين تحالفات أو إعادة تجميع للقادة في إدلب جعلها في موضع لا يحسد عليه وأصبحت موضع تشكيك وتخوين من قبل عدد كبير من الفصائل وقد نشهد في يوما ما عمليات عسكرية ضد الجيش التركي المتواجد في عشرات النقاط العسكرية في المحافظة.
تركيا لابد لها من قبول مساعدة روسيا وسوريا في تحجيم وقضم ولجم عدد كبير من التنظيمات ودفع هذه المناطق إلى عملية مدنية وتنظيم مؤسساتي على حساب العسكرة والفوضى إن كان هناك حلول سياسية يمكن أن تخفف زخم العمليات العسكرية القادمة أو سيكون هناك عمليات عسكرية مؤلمة للجميع لكن ستكون تركيا هي الخاسر الأكبر لأدواتها العسكرية وللبيئة التي أمنت بها وبتصريحات وتطمينات القادة الأتراك وستتلاشى وتختفي كل البنية التحتية والسمعة الحسنة التي زرعتها تركيا في سكان هذه المناطق وستنقلب العلاقة الحميمة والحب والعشق لكل ما هو متعلق بتركيا وقيادتها إلى عداء تاريخي عند المدنيين والعسكريين من أبناء هذه المناطق لأنها ستتهم بأنها السبب والمسبب الذي دفع كل هؤلاء إلى حافة الهاوية ثم تركتهم يلاقون مصيرهم وجها لوجه مع الدولة والجيش السوري.
ما يهم تركيا الآن هي الضمانات التي حصلت عليها من روسيا وإيران بإنهاء حلم الدولة الكردية وكان لها ما أرادت في عفرين، وبالتالي تعتقد أن خروجها من الأزمة السورية بإنهاء هذا الملف هو إنجاز استراتيجي كبير بعدما قطفت كل المكاسب الاقتصادية والسياسية والعسكرية بترأسها وإدارتها ملف الحرب على سوريا.
مصدر الصور: أرشيف سيتا.