إعداد: يارا إنبيعة

بعد أن أبلغت المفوضية الأوروبية كل من “غوغل” و”فايسبوك” و”تويتر”، في مارس/آذار 2018، بأن أمامها ثلاثة أشهر كي تقدم ما يظهر أنها تزيل المحتوى المتطرف، إلا أن المنظمين التابعين للاتحاد الأوروبي يقولون إنه لا يتحقق شيء من ذلك في ظل غياب تشريع يرغم الشركات المذكورة على فعل ذلك.

من هنا، اقترح رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، تغريمهم ومنصات إنترنت أخرى، إذا لم ترفع المحتوى المتطرف من على صفحاتها، في وقت صوّت البرلمان الأوروبي لصالح تعديل قانون حقوق المؤلف الذي يثير الخلاف بين فنانين وناشري صحافة من جهة وبين عمالقة الإنترنت من جهة أخرى.

ساعة واحدة

أكدت المفوضية بأن على الشركات إزالة المحتوى الذي يحرض على جرائم التطرف أو يدعو لها أو يروج لجماعات متطرفة أو يشرح كيفية ارتكاب مثل هذه الجرائم من على الانترنت خلال ساعة من إبلاغ السلطات عن ذلك المحتوى. وقال رئيس المفوضية يونكر، في خطابه السنوي عن حالة الاتحاد أمام البرلمان الأوروبي، بأن “ساعة واحدة هي المساحة الزمنية القاطعة التي يمكن ان يحدث خلالها أكبر قدر من الضرر”، وفي الاقتراح الذي سيكون بحاجة لدعم دول الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي، ستكون منصات الإنترنت مطالبة أيضا باتخاذ اجراءات استباقية مثل تطوير أدوات جديدة للتخلص من المحتوى الذي ينطوي على انتهاكات.

من هنا، سيتحتم على الشركات التي تقدم مثل هذه الخدمات تقديم تقارير شفافية سنوية لتوضيح جهودها في التعامل مع المحتوى الذي يتضمن انتهاكات، أما الشركات التي تمتنع بشكل مستمر عن إزالة المحتوى المتطرف قد تواجه غرامات تصل إلى 4% من الإيرادات العالمية السنوية، لكن سيكون لها أيضا الحق في الطعن على أوامر حذف المحتوى.

ميثاق شرف

تطالب القواعد المقترحة حكومات الدول الأعضاء بالإتحاد الأوروبي بوضع خطوات تحدد ماهية المحتوى الذي يوصف بالمتطرف والعقوبات التي يمكن اتخاذها وبإجراءات تسمح بالطعن. ويعمل هذا القطاع، منذ ديسمبر/كانون الأول 2015، على شراكة تطوعية لمنع اساءة استخدام الجماعات المتطرفة الدولية للإنترنت ووضع قاعدة بيانات أكثر قدرة على رصد المحتوى المتطرف، وستبقي المفوضية على ميثاق عمل تطوعي يتعلق بخطاب الكراهية على “فايسبوك” و”مايكروسوفت” و”تويتر” و”يوتيوب”، تم وضعه في العام 2016، وأعلنت شركات أخرى اعتزامها الانضمام إليه.

بناء عل ذلك، أعطى النواب الأوروبيون الضوء الأخضر لإصلاح حساس لحقوق النشر والتي كانت موضوع خلاف حاد غير مسبوق بين فنانين وناشري صحافة من جهة وبين عمالقة الإنترنت من جهة أخرى، إذ عقدت الجلسة بحضور 703 نائباً أوروبياً، ليتم إقرار مشروع القانون بأغلبية 438 صوتاً مقابل 226 وامتناع 39 عن التصويت.

وأقر النواب المشاركون في جلسة بحضور كامل الأعضاء، في ستراسبورغ، نسخة جديدة من النص الذي رفض، في 5 يوليو/تموز 2018، وينشئ خصوصاً لـ “القوانين المجاورة” التي تشمل ناشري الصحف، ويفتح التصويت الباب أمام خوض مفاوضات مع المجلس الأوروبي ممثلا عن الدول الـ 28 الأعضاء والتي توصلت إلى تسوية، في 25 مايو/أيار 2018، والمفوضية الأوروبية من أجل الاتفاق حول نص نهائي.

مخاوف وإنقسامات

المفاوضات المغلقة، التي تسمى بلغة الاتحاد الأوروبي “الاجتماعات الثلاثية”، يمكن أن تستغرق أشهراً قبل التوصل إلى نص مشترك بين جهازي التشريع والسلطة التنفيذية للتكتل الأوروبي، وبعد ذلك يعرض هذا النص مجددا على البرلمان للتصويت عليه.

لقد أراد مؤيديو الإصلاح إقراره قبل الانتخابات الأوروبية، التي ستجري بين 23 و26 مايو/أيار 2019، لأنهم يخشون صعود المشككين في جدوى الاتحاد ووصول نواب جدد لا يؤيدون حقوق المؤلف، وأثار التشريع الجديد انقساماً حتى داخل الكتل السياسية، وقد تم تعديله لتبديد مخاوف معارضي تنظيم الإنترنت الذين يرون أنه قد يفتح الباب أمام شكل من الرقابة.

“معركة” لحماية الإبداع

قبل ساعات من التصويت، كتب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في تغريدة على تويتر “اليوم تدور معركة اساسية لحقوق المؤلف: حماية الإبداع والمعلومات هي ضمان لحريتنا ودفاع عن نموذجنا”، وأكد ماكرون أن “أوروبا يجب أن تكون بمستوى ثقافتها”.

وكانت المفوضة الأوروبية للاقتصاد الرقمي، ماريا غابريال، ذكرت خلال مناقشة في البرلمان الأوروبي عشية التصويت “نحن الآن في مرحلة حاسمة”، مشيرة إلى أن “قواعد اليوم تعود إلى زمن ولّى لم يكن يعرف الإنترنت السريعة أو الهواتف الذكية أو شبكات التواصل الاجتماعي”.

ويستند القانون في المبدأ إلى حض المنصات الرقمية، مثل “يوتيوب” التي تملكها مجموعة “غوغل”، على تحسين مكافأة مبتكري محتوياتها ومراقبة محتوياتها (المادة 13)، لكنه ينص أيضاً على فرض ضريبة جديدة سميت بـ “الرسوم المجاورة” لناشري الإعلام (المادة 11)، يسمح للصحف ووكالات الأنباء بالحصول على بدل مالي عند إعادة استخدام إنتاجها على الإنترنت.

“الوحوش الرقمية”

عبر ثمانية وزراء أوروبيين للثقافة، بينهم الفرنسية فرنسواز نيسان، عن تأييدهم للمشروع في مقال نشر على الموقع الالكتروني لصحيفة “لوسوار” في بروكسل قالوا فيه “علينا ألا نقبل بعالم تستولي فيه حفنة من الشركات المتعددة الجنسيات على الجزء الأكبر من مردود الأعمال التي يؤلفها آخرون في المحيط الرقمي.”

وفي صفوف معارضي التشريع، قالت جوليا ريدا، النائبة الأوروبية الألمانية في حزب القرصان المرتبطة بكتلة المدافعين عن البيئة (الخضر) والتي تعد من أبرز وجوه الحملة ضد الإصلاح، إن “حقوق التأليف لا يمكن أن تعيد اشتراكات الصحف وعائدات الإعلانات.”

بدورها قالت نجمة الهيب هوب الهايتية، وايكليف جين من فرقة فادجيز المقيمة في الولايات المتحدة والتي جاءت خصيصا إلى بروكسل، إن “أفضل فرص النجاح التي يملكها الفنانون المستقلون هي تقاسم ابتكاراتهم”، وأضافت “علينا أن نبقي إمكانية اكتشاف الفنانين مفتوحة، وإذا أغلقناها فسنخسر الكثير من المواهب.”

ووفقًا لموقع “إندبندنت” البريطاني، يحذر الناشطون من أنه من المحتمل أن هذه القواعد الجديدة قد تجبر شركات الإنترنت على إجراء فحوصات تلقائية صارمة جديدة يجب أن يمر بها المحتوى قبل نشره على منصات مثل “تويتر” و”فايسبوك”، مع رفض أي شيء ربما ينتهك حقوق النشر، مما قد يؤدى إلى حظر “الميمات”، على سبيل المثال، وفقًا للناشطين.

فيما جاء الرد من المعسكر الآخر، موسيقياً مع حوالي 100 مؤلف بينهم، المغني البريطاني مواري هيد، الذين تجمعوا أمام مبنى البرلمان بدعوة من جمعية “أوروبا للمبدعين”، وعزفوا النشيد الأوروبي وتلوا نداء إلى أوروبا لتلتزم الحذر من “الوحوش الرقمية”.

روسيا تتحرك

في سياق متصل، أحالت الحكومة الروسية إلى مجلس الدوما مشروع قانون يمنع الجنود والضباط في الجيش الروسي من كشف معلومات عنهم وعن رفاقهم العسكريين على الإنترنت ووسائل الإعلام، ووضع مشروع القانون في وزارة الدفاع الروسية التي نوهت إلى أن استخبارات بعض الدول ومنظمات إرهاب وتطرف تستهدف العسكريين وتبدي دوماً اهتماماً بهم، وقد تستخدم المعلومات التي تنشر على مدونات ومواقع وحسابات شبكة الإنترنت وفي وسائل الإعلام في غير مصلحتهم. كما قد تلحق أضراراً بمصالح الدولة.

ولا تعتبر تلك المبادرة جديدة، علما أن وزارة الدفاع كانت قد أصدرت في وقت سابق تعليمات خاصة بتصرف العسكريين في الشبكة العنكبوتية العالمية، حيث تنصح العسكريين بالتخلي عن استخدام شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها من المواقع الإعلامية.

مصدر الأخبار: وكالات.

مصدر الصورة: العربي الجديد.