شارك الخبر

إعداد: يارا انبيعة

في تلك الصحراء الشاسعة التي لم يكن يرغب بها نابليون بونابارت، وجد القادمون من روما طريدتهم، فلقد كانت ليبيا بالنسبة لهم، كما كانت الجزائر لفرنسا، “إيطاليا الجديدة” بكل تأكيد. استمرت الأمور على هذا المنوال والحال مروراً ببطولات نعلمها عن مجاهدي ليبيا، وأبرزهم على الإطلاق “شيخ المجاهدين” عمر المختار، وصولاً إلى معركة العلمين التي طُرد فيها الإيطاليون والألمان، على يد الجنرال الإنكليزي المحنك برنارد مونتغمري، من سواحل أفريقيا الشمالية مما وضع حداً لطموحات بنيتو موسوليني التوسعية بل أدت إلى نهايته أيضاً.

علاقات متقلبة

تتسم العلاقات الليبية – الإيطالية بمحطات خاصة وهامة نسجت ملامحها العلاقات التاريخية لفترة الإستعمار وما بعد خروج الإيطاليين من ليبيا العام 1943، ثم عودة الدفء إليها مع تطور الروابط الإقتصادية بعد اكتشاف وتصدير النفط، مطلع عقد ستينات القرن الماضي، حين أصبحت إيطاليا الشريك التجاري الأول لليبيا في العقود الأربعة الماضية. إضافة إلى ذلك، ساهم نظام العقيد معمر القذافي بتوطيد العلاقات أكثر خصوصاً مع دعمه المادي للعديد من الشخصيات في الانتخابات، وليس أقلها رئيس الوزراء السابق سلفيو برلسكوني.

كما شهدت علاقات طرابلس بروما فترات توتر اقتربت من القطيعة لاسيما في المرحلة التي أيدت فيها روما السياسة الأمريكية – الأوروبية المتشددة ضدها، في الثمانينات. بالإضافة إلى أنها سمحت لقوات “الناتو” بإستخدام أجوائها وأراضيها لإنطلاق الطائرات التي قصفت طرابلس وبنغازي. وعلى الرغم من اتفاق الأجنحة السياسية الرئيسية المتناوبة على الحكم في إيطاليا على حيوية العلاقة مع ليبيا، فإن السياسة الليبية في عقد الثمانينات وردود الفعل الغربية تجاهها لم تترك للحكومات الإيطالية مساحة للمناورة، وظل التذبذب سمة العلاقات المشتركة.

صراع على النفوذ

تأتي أهمية مؤتمر باليرمو كونه أول اجتماع بهذا الحجم ينظم في إيطاليا منذ وصول الحكومة الإيطالية الجديدة، المكونة من حزبي “الرابطة” و”حركة النجوم الخمسة” اليمينين، إلى سدة الحكم والتي لم تخف رغبتها في تعزيز الدور الدبلوماسي لإيطاليا خصوصاً بعد أن قامت فرنسا بتنظيم مؤتمرين بشأن الوضع في ليبيا.

وفي الوقت الذي استضافت فيه مدينة باليرمو الإيطالية مؤتمراً دولياً، كان من المفترض أن ينتج تسوية للأزمة الليبية، يبرز التجاذب الإيطالي – الفرنسي حول من عليه أن يلعب الدور الأبرز في إنهاء هذه المسألة، فالبلدان يتنافسان على النفوذ. فلقد شعرت إيطاليا بنوع من التهميش، بعد تدخل حلف “الناتو” لإسقاط نظام العقيد القذافي العام 2011، وبدأت تتوجس من أي تحرك فرنسي بإتجاه ليبيا وترى فيه سعياً للاستحواذ على حصة أكبر من موارد طرابلس التي تتحكم فيها تاريخياً شركة الطاقة الإيطالية العملاقة “إيني”.

تحاول باريس التقليل من أهمية هذا الخلاف، ويقول مسؤولون فرنسيون إنهم لم يردوا أبداً على الهجمات الكلامية الإيطالية، إذ علق مستشار في قصر الإليزيه على هذه القضية بالقول “بالنسبة لنا لا يوجد نزاع فرنسي إيطالي”، لكن جريدة “لوموند” نقلت عن أحد الدبلوماسيين الليبيين قوله إن للخلاف الفرنسي الإيطالي في الأزمة الليبية أثراً كارثياً.

في المقابل، يشترك الطرفان في رؤية موحدة مفادها أن الوضع الليبي يعتبر أحد أكبر العوامل المساهمة في انعدام الإستقرار الإقليمي، حيث أصبحت ليبيا “جنة” لمجموعات التهريب والإرهاب، ما أثر على استقرار المغرب والساحل، غرب أفريقيا الفرنسي أساساً، من خلال إغراق المنطقة بالأسلحة والمساهمة في صعود “داعش في الصحراء الكبرى” وغيرها، حيث ساهم عدم الإستقرار هذا في إثارة انتفاضة 2012 في مالي، التي أجبرت فرنسا على التدخل العسكري في نهاية المطاف، كما تطرح ليبيا كذلك مخاطر أمنية جدية على جيرانها الذين تفصلهم عنها حدود هشة، مثل تونس وتشاد والنيجر وجميعهم حلفاء مقربون من فرنسا.

كذلك، لا تريد فرنسا القبول بأي تسوية لا تضع الميليشيات الليبية تحت سلطة رجل قوي يتبنى أهدافاً معادية للإرهاب بشكل واضح. ومن خلال دفعها إلى إجراء انتخابات في أسرع وقت ممكن، تراهن باريس على قوة المشير خليفة حفتر على أمل أن يلعب الأخير دوراً قيادياً من الناحية الأمنية، إذ من خلال ربط استراتيجيتها به يمكن لفرنسا التركيز على هدفها الأساسي: كبح الإرهاب في أماكن مثل بنغازي وفزان.

بالنسبة إلى روما، فهي وإن كانت منشغلة بمسألة التطرف، واحتمال تحول ليبيا إلى حاضنة لشن هجمات على الأراضي الأوروبية، إلا أن اهتمامها الرئيسي يبقى مرتبط بمسألتي الهجرة والإقتصاد.

في هذا الشأن، يرى العديد من المحللين بأن كلاً من الإيطاليين والفرنسيين لديه نهجه المختلف في مقاربة الشأن الليبي إذ تركز فرنسا على دعم بعض المؤسسات، أبرزها المؤسسة العسكرية وتشدد على أن الأولوية تكمن في مكافحة الإرهاب؛ فيما تعتمد إيطاليا على الجماعات المحلية من بلديات وزعامات قبلية وقادة مجموعات مسلحة في الحفاظ على مصالحها الجوهرية.

“مكافحة” الهجرة

تدرك العواصم الأوروبية أن تطويق موجات الهجرة غير الشرعية المتدفقة من ليبيا مهمة شاقة للغاية في الوقت الراهن وذلك لأسباب عديدة؛ منها أن سواحل ليبيا التي تمتد لأكثر من 2000 كلم لا تقع كلها تحت سلطة حكومة فايز السراج، المعترف بها دولياً، وحتى في نطاق سلطتها في المناطق الغربية من البلاد وتحديداً من سواحل سرت إلى سواحل زوارة القريبة من الحدود التونسية. فمهربي المهاجرين يفلتون، في حالات كثيرة، من المراقبة بسبب قلة تدريب قوات خفر السواحل الليبية، أو بسبب النزاعات الداخلية بين الميليشيات المتعدد. كما أن الحرب التي تخوضها القوات الحكومية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” في تلك المناطق لم تحسم بشكل نهائي، وما يزال التنظيم الإرهابي ينفذ من حين لآخر عمليات انتقام ضد القوات الحكومية التي طردته من معقله سرت.

أما سواحل شرق ليبيا، أي من منطقة رأس لانوف حتى طبرق القريبة من الحدود المصرية، فهي ما تزال مسرحاً لصراع مسلح مفتوح بين قوات الجيش الوطني، بقيادة الماريشال حفتر، والجماعات الجهادية المتشددة، وتشكل الموانئ جزءاً أساسيا من المواجهات بين الطرفين، إلا أن مراقبة السواحل تظل على الهامش.

من هنا، تشكل إيطاليا “المُستقْبِل الأول” للمهاجرين بسبب قرب الشواطئ بين البلدين، وهذه المشكلة تصب في خانة ضرب عصب الإقتصاد الإيطالي الذي يعاني من أزمات حقيقية سبق وأن اطاحت برئيس الوزراء السابق برلسكوني، وتسببت بكوارث اقتصادية في البلاد فيما انطلقت حملات شعبية تدعو لإعادة اللاجئين إلى ليبيا.

الدخول إلى إفريقيا من الباب الليبي

من الواضح أنه من مصلحة إيطاليا العمل على الدبلوماسيّة والتعاون في حوض البحر الأبيض المتوسط لأسباب جغرافية وتاريخية جلية خصوصاً مع التاريخ الطويل للبحر المتوسط في نقل البشر. اليوم، استعاد هذا الحوض دوره كمحور للهجرة، لكن أزمة اللاجئين جعلت منه مكاناً للموت واليأس حيث لقى الآلاف حتفهم فيه بسبب غرق القوارب التي كانوا يستقلونها.

وبينما يبقى حل النزاع السوري متأخراً، فإن التركيز الأوروبي على ليبيا يعد ضرورة لتفادي أي انهيار آخر أو أزمة لاجئين جديدة، إذ قامت الدولة الإيطالية، والإتحاد الأوروبي بشكل عام، بخطوات من أجل تطوير حل لهذه الكارثة الإنسانية الهائلة. فطلب من ليبيا إغلاق حدودها مقابل المساعدة على النهوض مجدداً، فلقد باتت روما مقتنعة بأن التدخل العسكري في ليبيا هو الحل، حيث أنه لا يمكن النجاح في محاربة توسع تنظيم “الدولة الإسلامية” أو أزمة الهجرة من خلال الجهود العسكرية الخارجية.

من هنا، يمكن العمل على وقف الهجرة من خلال إيجاد حالة من الإستقرار وتحقيق نوع من التنمية المستدامة تنتجها حكومات ديمقراطية.

الذهب الأسود

من المعروف أن شركة “إيني” تعد من كبار الشركات العالمية في مجال النفط والغاز، ويبرز دور هذه الشركة بعد المعلومات عن وجود كميات ضخمة من الغاز والنفط، علماً بأن النفط الليبي يعد الأكثر جودة إضافة إلى أن تدني كلفة استخراجه بسبب قربه من السطح، مما يفتح “شهية” الشركات العالمية إلى التقاطر نحوه والسعي للحصول على امتيازاته.

من هنا، تم التوقيع على اتفاق ضم مصطفى صنع الله رئيس المؤسسة الوطنية للنفط الليبية، وبوب دادلي، الرئيس التنفيذي لمجموعة بريتيش بتروليوم، وكلاوديو ديسلالي، الرئيس التنفيذي لشركة “إيني” الإيطالية، يتم خلاله توزيع هيكل ملكية حقوق امتياز 3 حقول نفط بواقع 42.5% لصالح شركة “إيني”، التي ستقوم بدور المشغل أيضاً، و42.5% لشركة “بي.بي”، بدلاً من 85% قبل الصفقة، وتحتفظ المؤسسة الوطنية للنفط الليبية بـ 15%.

وسيستفيد هذا المشروع المشترك من مرافق مشروع متاخم تابع لـ “إيني” الإيطالية، كما سيدعم شركة نفط الشمال في تلبية احتياجاتها المحلية من إمدادات الطاقة وتعزيز تنمية القدرات الليبية من خلال التدريب وبرامج المسؤولية المجتمعية. فقلد أكد كلاوديو ديسلزي أن هذه الإتفاقية تعد حدثاً هاماً سيساعد على فتح إمكانيات التنقيب الليبي عن طريق استئناف عمليات الإستكشاف، التي ظلت معلقة منذ العام 2014، وستساهم في خلق بيئة استثمارية جذابة في البلاد تهدف إلى استعادة مستويات الإنتاج وقاعدة الإحتياطي في ليبيا من خلال تحسين استخدام البنية التحتية الحالية.

معبر إلى إفريقيا

باتت الأنظار تتجه نحو القارة السمراء بوصفها “أرض الأمل المرتجى” كونها تمتلك كميات هائلة من الموارد المائية التي لم يتم استخدامها بعد على نحو رشيد أو سليم وكثير منها يلقى مصير التبدد أو التبخر أو الإهدار، علاوة على أنها تمتلك أكثر من نصف ما يملكه كوكب الأرض من الأراضي الصالحة للزراعة التي يمكن استغلالها بغير توان، كما لا يمكننا أن ننسى أهمية عنصر الغطاء النباتي الإفريقي، خاصة الأدغال والغابات.

فأفريقيا بتربتها الغنية وأراضيها البكر، التي لم تستثمر بعد ما فيه الكفاية، ومصادر مياهها المتجددة وأمطارها الغزيرة وتركيبتها الإجتماعية غير المعقدة، والتي لم تتجذر فيها الرأسمالية المتوحشة بعد، يمكن أن تقدم الحل لأزمة غذائية عالمية بدأت معالمها تلوح في الأفق، وتنذر بجوع يتهدد مئات الملايين من البشر في مختلف قارات العالم حتى تلك المتقدمة صناعياً.

وفي هذا السياق، تتقاطر الإستثمارات الزراعية عليها بشكل كبير لا سيما من الدول الكبرى، كالصين على سبيل المثال والتي استثمرت ما يربو على 1.5 مليون هكتار من الأراضي الزراعية في الكاميرون وموزنبيق وأوغندا وتنزانيا، الحال نفسه بالنسبة للعديد من الدول، كالهند واليابان اللذين يستثمران على التوالي 1.6 مليون هكتار 0.9 مليون هكتار.

إضافة إلى موضوع الغذاء، لا تزال كثير من المناطق الإفريقية غير مكتشفة فيما يخص قطاع الطاقة والمعادن، وهذا الأمر يجعل مسألة الدخول إلى أفريقيا أمراً حيوياً بحيث تبحث الدول على منفذ لها للدخول، فيما تقوم الدول التي قسمت أفريقيا، مؤتمر برلين في العام 1884، بالعمل على استعادة هذا التواجد، فإيطاليا مثلاً لديها تاريخ مع كل من ليبيا والحبشة، من أجل فتح أسواق جديدة أو الإستثمار في القطاعات الربحية، كالغاز والنفط والمعادن.

مؤتمر “باليرمو”: إخفاقات وخلافات

“لم نأت إلى هذه القمة للبحث عن صورة جماعية بل لتقديم إضافة لمبادرة الأمم المتحدة الخاصة بليبيا” هكذا كان تقييم رئيس الحكومة الإيطالية لمؤتمر باليرمو الذي اختتم أعماله وسط مطالب أممية بمنح الليبيين حياة أفضل بالإضافة إلى احترام سيادة أراضيهم، والعمل على اغتنام الفرصة التي يتيحها المؤتمر الوطني للتخلي عن استخدام القوة لتسوية النزاعات واعتماد مبادئ وجدول زمني واضح لتحقيق تقدم في توحيد المؤسسات كان أكثر أنواع الإلزام.

كما بحث المؤتمر قضايا الأمن بإعتبارها ضامنة لتحقيق السيادة وأولوية شعبية ملف لا يقل أهمية عن الإصلاحات الإقتصادية التي تجب متابعتها لتأمين الموارد وتحسين الأوضاع المعيشية لكل الشعب الليبي. من هنا، دعا البيان الختامي إلى نشر قوات عسكرية وأمنية نظامية في العاصمة الليبية، وخروج الميليشيات ونزع أسلحتها وفق الترتيبات الأمنية التي وضعتها الأمم المتحدة.

في مقابل كل ذلك، اعتبر الكثير من المحللين أن المؤتمر قد فشل لعدد من الأسباب؛ فلقد كشف عن الخلافات العميقة وتضارب المصالح بين الأطراف الليبيين، وكذلك الخلافات بين الدول المعنية بالملف، ورفض بعض أطراف النزاع الجلوس على الطاولة نفسها مع خصومهم، في حين رفض المشير حفتر المشاركة في أعمال المؤتمر الأمر الذي أفقده وزنه لكون الرجل أحد أهم القوى الليبية الفاعلة.

إضافة إلى ذلك، شهد المؤتمر انسحاب الموفد التركي لعدم دعوة تركيا للمشاركة في الإجتماع غير الرسمي، فيما اعتبر اللواء أحمد المسماري، المتحدث بإسم الجيش الوطني الليبي، أن كلاً من تركيا وقطر حضرتا إلى المؤتمر من أجل حماية مصالح المجموعات الإرهابية التي تدعمها.

مصدر الأخبار: سيتا – وكالات.

مصدر الصور: سبوتنيك – المصري اليوم – روسيا اليوم.


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •