إعداد: مركز سيتا

يحتل إقتصاد المكسيك المرتبة 15 من حيث القيمة الإسمية والـ 11 من حيث تعادل القوة الشرائية وفقاً لصندوق النقد الدولي، حيث انخفضت الديون الخارجية إلى أقل من 20% من الناتج المحلي الإجمالي. بين عامي 2000 و2004، تراجع عدد السكان تحت خط الفقر من 24.2% إلى 17.6% من إجمالي عدد السكان، ومن 42% إلى 27.9% في المناطق الريفية.

وبالنظر إلى أداء أهم مقاييس التقدم الإقتصادي بالنسبة لبلد نامٍ، مثل المكسيك، يشكل معدل نمو دخل الفرد خلال السنوات العشرين، الممتدة بين عامي 1994 و2014، السمة الأبرز حيث نجد أن المكسيك تحتل المرتبة الـ 18 من بين دول أمريكا اللاتينية.

ضخ للإستثمارات

تسعى الحكومة المكسيكية إلى تعزيز البنى التحتية لما لها من تأثير إيجابي على تحفيز الإقتصاد، حيث أشار الرئيس الرئيس أندريس مانويل لوبيز أوبرادور إلى وجود مجموعة عمل مشتركة مكونة من رجال أعمال ومسؤولين حكوميين حيث قال “ستكون هناك 1600 مشروع عموماً، وحالياً تقوم (مجموعة العمل) بإختيار أي المشاريع يمكن تمويلها من الميزانية العامة، وأيها من الاستثمار الخاص، وكيفية عقد اتفاقات بين القطاعات الخاصة والعامة والمجتمع”.

كما أوضح الرئيس المكسيكي إلى “أن الهدف هو إنعاش الاقتصاد، وخلق فرص العمل، وتحسين الرعاية الإجتماعية”، مضيفاً أن تفاصيل هذه الخطة ستتاح قريباً. ووفقا لبنك المكسيك، يتوقع أن ينمو إجمالي الناتج المحلي للبلاد بين 0.2% و0.7%، العام 2019، مقارنة مع 2%، العام 2018.

سبق ذلك حدث مهم أيضاً تمثل في إفتتاح شركة “بي.إم.دبليو” الألمانية للسيارات، يونيو/حزيران 2019، فرعاً لها في ولاية سان لويس بوتوسي المكسيكية حيث قال أوليفر زيبسي، عضو مجلس الإدارة المسؤول عن الإنتاج في مجموعة BMW AG، إن الهدف منه “تحقيق توازن في الإنتاج والمبيعات في مناطق العالم المختلفة، كما نسعى إلى تعزيز تواجدنا في الأسواق الهامة والمتنامية. ولا شك أن مصنع سان لويس بوتوسي سيساهم في تعزيز مرونة الإنتاج الإقليمي في الأمريكيتين بشكل كبير.”

مؤشرات مشجعة

على الصعيد الداخلي، أثمرت الإصلاحات التي تبنتها المكسيك، من خلال الحذر بالتعامل مع الإقتصاد الكلي وتحرير سياستها الإقتصادية، بتحقيق نوع من الإستقرار وزيادة نسب الإستثمار المحلي، وإرتفاع متوسط التحصيل العلمي.

أما على الصعيد الخارجي، ظهرت أبرز المكاسب الإقتصادية من خلال القفز بالصادرات من نسبة 5% إلى نسبته 30% من الناتج المحلي الإجمالي، في العام 2017، كما تضاعفت حصة الإستثمار المباشر الأجنبي المتجه إلى الداخل في الناتج المحلي الإجمالي إلى ثلاثة أضعاف.

إلى ذلك، أشار المعهد الوطني للإحصاء إن الناتج المحلي الإجمالي شهد زيادة بنسبة 1.1 % في العام 2018 مقارنة بالربع الأخير من العام 2017. وفي حالة استمراره على هذه الوتيرة، فمن المنتظر أن يصل إلى ارتفاع بنسبة 4.6 %. أتى ذلك في وقت شهد فيه القطاعين الصناعي والخدماتي نمواً بنسبة 0.9% للقطاع الأول و1.1% للقطاع الثاني، في نفس الفترة من العام 2017.

يأتي ذلك بعد تطور كبير وملحوظ في نمو الإقتصاد المكسيكي. ففي العام 2006، بلغ حجم التجارة مع الولايات المتحدة وكندا ما يقارب من 50% من صادرات المكسيك و45% من وارداتها. خلال الأرباع الثلاثة الأولى من العام 2010، كانت الولايات المتحدة ذات عجز في الميزان التجاري 46.0 مليار دولار لصالح المكسيك. في أغسطس/آب العام 2010، تجاوزت المكسيك فرنسا لتصبح صاحبة تاسع أكبر دائن للولايات المتحدة. في العام 2010، كان في المكسيك ما يقارب على الـ 86 شركة على قائمة “فوربس غلوبال 2000″، إذ تعتبر المكسيك البلد الأول والوحيد في أميركا اللاتينية المدرج في المؤشر العالمي للسندات الحكومية، والذي يعد قائمة بأهم الاقتصاديات العالمية التي تعمم سندات الدين الحكومي.

هذا ويبلغ حجم البضائع التي تصدرها المكسيك إلى الولايات المتحدة الأميركية بحدود الـ 350 مليار دولار سنوياً، وأكثر الشركات المستفيدة من التجارة الحرة مع المكسيك تأخذ مقراً لها الولايات الحدودية، مثل تكساس، حيث تأثير الحزب الجمهوري وهو ما يفسر اعتراض نواب الحزب على قرار الرئيس الأمريكي، دونالد  ترامب، وضع قيود مالية على المكسيك فيما يخص مسألة الهجرة غير الشرعية، حيث تعتبر ولاية ميشيغان من أكثر والولايات التي ستتأثر بالحرب التجارية إذ تتركز فيها صناعة السيارات التي تتخذ من المكسيك مقراً للتجميع والتصنيع، مستفيدة من رخص العمالة وكفاءتها وفرق العملة لمصلحة الدولار. بعد ميشيغان، يأتي دور ولاية تكساس الملاصقة للمكسيك، والتي تعتمد على قطاع الطاقة إضافة إلى اعتمادها على المنتجات المكسيكية، كالأطعمة والبضائع. وفي المستوى الثالث، تأتي كل من ولايتي كاليفورنيا وإيلينوي اللتان تعتمدان على المنتجات المكسيكية والبضائع والأطعمة الطازجة، بحسب تقرير لـ “نيويورك تايمز”.

إستبدال للإتفاقات

في أوائل التسعينيات، عجَّل الرئيس المكسيكي السابق، كارلوس ساليناس، بخطى الإصلاح الإقتصادي ساعياً إلى دمج بلاده في الإقتصاد العالمي، ولكنه خاطر بكل شيء بما في ذلك رأسماله السياسي من أجل الحصول على موافقة الولايات المتحدة وكندا على إدراج المكسيك في اتفاقية أمريكا الشمالية للتجارة الحرة – “نافتا”.

وفي 27 أغسطس/آب من العام 2018، توصلت الدول الثلاث، كندا والولايات المتحدة والمكسيك، إلى اتفاق تجاري جديد، “يوسمكا”، يحل مكان الإتفاق القديم، “نافتا”، بعد أن رأت الإدارة الأمريكية بأن الإتفاق الأخير لم يعد يخدم مصالحها الإقتصادية.

من هنا، كان لدى واشنطن حاجة إلى إعادة ترتيب الوضع مع الطرفين الآخرين، لا سيما مكسيكو، لأنها تعتبرها المؤثر الرئيس. فبموجب الإتفاق الأولي، اتفقت الولايات المتحدة والمكسيك على تصنيع 75% من أي منتج يعفى من الضرائب داخل كلا البلدين. وبالنسبة إلى السيارات، اتفق الجانبان على قواعد تنص على تصنيع ما بين 40% – 45% من كل سيارة بالإعتماد على عمال يحصلون على 16 دولاراً في الساعة، على الأقل. وتستهدف الولايات المتحدة من هذا الشرط الحد من لجوء شركات السيارات إلى افتتاح مصانع في المكسيك استغلالاً لإنخفاض مستويات الأجور في المكسيك.

وفي السياق ذاته، قال الممثل التجاري الأميركي، روبرت لايتهايزر، إنه واثق بأن اتفاقية “يوسمكا” سيجري التصويت عليها وإقرارها، إلا أن الرئيس ترامب أبلغه أنه يعرف على نحو أفضل “هؤلاء الناس”، في إشارة إلى الديمقراطيين الذين يخضون معركة عزله أمام الكونغرس.

جاء ذلك بعد أن حذر الرئيس ترامب من أن فتح تحقيق لمساءلته قد يعرقل موافقة الكونغرس على اتفاقية التجارة الجديدة لأميركا الشمالية، كما وأشار لايتهايزر إلى ثقته، في وقت لاحق، بأن “يوسمكا” سيجري التصويت عليها لأنها اتفاقية جيدة للغاية، محذراً من أنه “إذا لم يتم إقرارها فإن ذلك سيكون كارثة لإقتصادنا”.

على الجانب المكسيكي، قال الرئيس أوبرادور إن الإتفاقية يجب أن يقرها الكونغرس الأمريكي سريعاً، وألا سيتم تأجيلها إلى ما بعد إنتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، في حين علق رئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودود، بالقول “نحن نركز دائماً على التصديق على يوسمكا بطريقة تحاول تجاوز الإختلافات الحزبية في الولايات المتحدة”، لكن لم تشارك كندا في محادثات “نافتا”، منذ يوليو/تموز الماضي 2018، فيما استمرت كل من المكسيك والولايات المتحدة في مفاوضات لحل الخلافات وإصلاح ما تراه إدارة الرئيس ترامب عيوباً في الإتفاقية.

تحجيم أم ضغط؟

بعد حل ملفي الهجرة واللجوء، تكشفت أهمية مكسيكو بالنسبة إلى الاقتصاد الأميركي. فما إن أعلن الرئيس ترامب عن اتجاهه إلى فتح حرب تجارية مع المكسيك، بعد الصين، حتى انهارت أسهم الشركات التي تتخذ من المكسيك مقراً لها. وعلى الفور، تدخلت السياسة في الأزمة التجارية، حيث لقي قرار الرئيس ترامب اعتراضاً من حزبه الجمهوري الذي وصف قراره، من قِبل بعض النواب الجمهوريين، بـ “الأحمق”، قائلين إنهم سيسجلون إعتراضهم عليه.

فعلى عكس الحرب التجارية مع الصين، كان هناك حرب بين أمريكا والمكسيك تمثلت في التعرفة الجمركية على البضائع المكسيكية الواردة بنسبة 5%، إلا أنها إنتهت قبل أن تبدأ بعد التوصل إلى اتفاق مع المكسيك بشأن ملفات الهجرة واللجوء. بالتالي، فإن الرسوم الجمركية تم تعليقها إلى أجل غير مسمى.

في هذا السياق، يرى بعض المراقبين بأن “سيف” التعرفة لا يزال يشكل تهديداً مصلتاً على رأسه المكسيك، حثيث يرون بأن خضوعها لسياسيات الرئيس ترامب لن يعفيها من ذلك، وفيما يتعلق بمسألة الهجرة، هنا تخوف كبير من أن يساهم استخدام الجيش في قمع المهاجرين إلى سبب لتصاعد العنف داخلياً، وهو ما أشارت إليه العديد من التقارير عن زيادة في أرقام جرائم القتل العمد، وأن العنف مستمر في التصاعد في مختلف أنحاء البلاد.

أخيراً، إن المكسيك، وبإنضمامها إلى “نافتا” وموافقتها على شروطها، قد ربطت مصيرها بمصير الإقتصاد الأمريكي تتأثر به إلى حد كبير، وهناك عدة أمثلة وأبرزها رفع الفيدرالي لأسعار الفائدة في العام 1994، وانهيار سوق الأسهم الأمريكي خلال عامي 2000 و2002، والركود الإقتصادي في العام 2001، وفقاعة الإسكان في العام 2008. كل هذه الأحداث، تأثرت بها المكسيك أكثر من أي بلد آخر بالمنطقة.

مع سعى الولايات المتحدة إلى تثبيت إتفاق “يوسمكا”، هل ستستطيع المكسيك فك هذا الربط، أو على الأقل التقليل من تأثيراته، خصوصاً وان إستبدال الإتفاق الأول حصل بسبب عدم تناسبه مع مصالح واشنطن وليس بسبب تضرر مصالح الشريكين الآخرين؟

مصدر الأخبار: سيتا+ وكالات.

مصدر الصور: سعودي أوتو – صحيفة “عاجل” – مونتي كارلو الدولية.