شارك الخبر

فافرا سوك**

أصدقائي وزملائي الأعزاء في الكفاح المشترك من أجل الحرية والهوية لجميع الناس في كافة أنحاء العالم. من مجال عملي، أحمل رسالة مختصرة ولكنها مهمة. لقد انخرطُت في العمل ضمن وسائط الإعلام البديلة منذ 20 عاماً، وأنا اليوم رئيس تحرير المجلة السويدية الأسبوعية “نيا تيدر”، التي تعد ترجمة لصحيفة “نيو تايمز” الإنكليزية.

إن التحول بدأ بالوصول حقاً، فالعديد من الدول في أوروبا لديها بالفعل حكومة مستعدة للدفاع عن سيادتها الوطنية ضد العولمة، سواء أتى ذلك على شكل دول إمبريالية تريد أن تكون “شرطي العالم”، أو شركات عملاقة لها اقتصاديات ضخمة أو قوة تشكيل الرأي تفوق بكثير تلك الموجودة في دولة ما.

لقد بدأ الرأي العام يتغير أيضاً حتى في بلدي، السويد، التي كانت لعقود من الزمن الأكثر تطرفاً في العالم خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتطبيق التعددية الثقافية، ونظريات النوع الإجتماعي، ومثليي الجنس، وغيرها من الحملات الصليبية الصحيحة. إنه لأمر عظيم أن نرى المواطنين يطالبون، أكثر فأكثر، بالحق في هويتهم الوطنية، وتراثهم، وليس أقلها الحق في أموالهم الضريبية. إنه تغيير مهم، لكن ليس من الواضح بعد على ماذا سترسو النتيجة النهائية.

اليوم، أستطيع رؤية فرعين رئيسيين في وسائل الإعلام البديلة؛ الفرع الأول، ضد الإسلام أينما كان، في إنكلترا أو باريس أو طهران. دعوني أطلق على هذا الفرع تسمية “المناهض للجهادية”. وهناك أيضاً فرع يدعو إلى “عدم التدخل” من خلال ترويجه لمبادئ سيادة الشعوب وحقها في خلق ثقافتها الخاصة، أياً كان شكلها. دعوني أسمي هذا الفرع “المعادي للإمبريالية”.

بالنسبة لي، إن نظرة الفرع “المناهض للجهادية” سيئة مثل الموقف العالمي المتعدد الثقافات، إن لم يكن أسوأ. لا تسيئوا فهمي، فتنظيم “الدولة الإسلامية”، “داعش”، يشكل تهديداً فظيعاً لكل من أوروبا وسوريا، التي قمت بزيارتها، بحيث يمكننا أن نرى مشاهد الدمار بشكل مباشر فيها. لكن نقد الفرع “المناهض للجهادية” لا يتوقف عند هذا الحد. إنه يريد تصدير ثقافة ليبرالية غربية إلى جميع أنحاء العالم، إلى مجتمعات وحضارات الدول الأخرى، وخاصة المجتمعات الإسلامية. هذا في رأيي “إمبريالية مجردة”.

تشكل الإمبريالية “مرآة” للأجندة العالمية التي تروج للتعددية الثقافية الغربية، وتسعى إلى تدمير دولنا الأوروبية. هم أيضاً يريدون فرض أيديولوجيتهم على كل بلد. يريد “العولميون” فتح كل بلد أمام “مكدونالدز” و”كوكا كولا” وشركات النفط الأمريكية. إنهم يريدون القضاء على جميع الثقافات الفريدة حول العالم، وتحويل شعوب الأمم إلى مستهلكين مطيعين لثقافة الموضة والخلاعة. يثني فرع “المناهض للجهادية” على الحروب التي نشبت ضد الدول ذات السيادة في الشرق الأوسط، فقط لأنها إسلامية.

من خلال وجهة نظر عادلة وأخلاقية، يمكن إيجاد مبدأ مشترك: “عِش ودع غيرك يعيش”. وهناك شعار كان يستخدمه اليسار القديم وهو: “حرية كل الشعوب هي الطريق إلى السلام العالمي”. أود أن أقول الطريق الوحيد. إذا كنا نريد أن ندافع عن قيمنا الغربية في أوروبا، وإذا عارضنا “الأسلمة”، فعلينا ألآ نتدخل بنفس القدر في البلدان الأخرى، والدول الأخرى. ثقافتهم هي ثقافتهم. يمكنهم وحدهم اختيار الثقافة التي يريدون العيش بها؛ وإذا كانوا يريدون تغيير شيء ما، فهذا قرارهم وحدهم.

في الواقع، إذا كنا نريد أن ندافع عن قيمنا الغربية، فعلينا أن نتقبل الإختلافات والتعبيرات الفريدة لهوية كل مجموعة عرقية، ليس فقط هويتنا. لذلك، يسعدني أن أرى أشخاصاً من مختلف البلدان والقارات ممثلة في هذا المؤتمر. هذا صحيح ضد الإمبريالية.

في مجلتنا “نيا تيدر” – Nya Tider، ننشر الأخبار والتحليلات الجيو – سياسية بشكل متكرر من النقاط الساخنة، مثل سوريا وليبيا وأوكرانيا وغيرها، إلى جانب أخبار من السويد حول تزايد الإجرام وانهيار خدمات الرعاية الإجتماعية. هذه المشكلات مترابطة، ومن المهم أن نقوم بشرح هذه العلاقة للقراء.

موقف الفرع “المناهض للجهادية” خطير لأنه يخلق العداء بين الشعوب التي يجب أن تكون متحدة. لقد بدأ “العولميون” بعملية إيقاع الخراب في الشرق الأوسط وخلق الفوضى، وفي الوقت نفسه تنظيم هجرة جماعية إلى أوروبا لم يسبق لها مثيل في تاريخ القارة. فلقد هددوا طريقتنا في الحياة، وفتحوا الأبواب أمام الهاربين والمجرمين والإرهابيين. إن هذا الفرع يأخذ الصراع إلى مستوى جديد يتمثل في إعلانه “الحرب على الحضارات” وإعتبارها مسألة مبدأ.

لقد طفح الكيل لدى الكثير من الأوروبيين الذين سئموا من “سرقة” الرفاهية التي بنوها عبر الأجيال، والشعور بالتهديد الوشيك لأنفسهم وأحبائهم، وباتوا اليوم يبحثون عن الحلول. نحن، في وسائل الإعلام البديلة، تقع على عاتقنا مسؤولية كبيرة تكمن في توجيه هذا “الغضب الشرعي” صوب المذنبين الحقيقيين، وتوضيح أن نضال الشعب السوري هو نفس الكفاح الذي نقوم به اليوم في أوروبا، ولكن بوسائل ووسائط مختلفة فقط.

إن نضالنا المشترك موجه ضد “العولميين”، أولئك الذين يكرهون كل الثقافات الفريدة. لنجعل العالم متنوعاً حقاً؛ فكل دولة حرة في إنشاء المجتمع الذي تختاره. العالم يتغير الآن، في كثير من النواحي، بفضل الوسائط البديلة، والإعلام البديل الذي يبقى في المقدمة.

*ألقيت في “منتدى شيشيناو” الثالث بعنوان: المؤتمر الدولي “بعيداً عن لحظة الأحادية القطبية – توجهات متعلقة بعالم ناشئ متعدد الأقطاب” الذي عقد في سبتمبر/أيلول 2019.

**رئيس تحرير جريدة نيا تيدر – السويد.

مصدر الصورة: منظمو المؤتمر.


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •