شارك الخبر

د. رائد المصري*

بهدوء…فقد كَثُرَ الكلام مؤخراً عن خُفُوت حدَّة ثورة الشعب اللبناني التي إنطلقت في 17 تشرين الأول/ اكتوبر وظهر على السَّطح سريعاً بعض الموتورين وأشْباه المثقَّفين والرجال الشامتين بما أصاب الناس الفقيرة والمُعْدَمة من إنعدام الوصول لما هو مطلوب في ثورة الكرامة والعزَّة الوطنية، والتي لا تقلُّ أهميتها التحرُّرية عن أهمية تحرُّرنا وإنعتاقنا من المستعمرين الصهاينة، فمعادلة سارق المال العام وناهب أموال الشعب وتعميم ثقافة الفساد في لبنان لا تختلف أبداً عن التعامل مع إسرائيل والتواطؤ من أجل تسهيل إحتلالها وإستعمارها، وهذا يجب أن يتَّفق عليه الجميع وإلاَّ فنحن أمام مشكلة كبيرة أخطر من أزمة النظام البنيوية بأسلوب ممارساته الطائفية والمذهبية التحاصصية وطريقة نشر الأزلام والمحاسيب والريوع.

لقد تناست هذه الزُّمَر من أشباه المثقَّفين وأصحاب النشاط الإفتراضي القابعين في بيوتهم وحول مدافئهم والمنتظرين إعانات حزبية وميليشياوية بدأت تتسرَّب خشية من عنْفٍ وإنشقاق عن القائد المذهبي والحزبي الأعلى، تناسوا بأنَّ مستجدَّات سياسية على عملية تشكيل الحكومة ومعادلات إنقلبت وتحالفات إنتكست كان بالحلم إمكانية تحقُّقها، فمتى كان هذا التعفُّف لأحزاب السُّلطة الفئويين عن الدخول في حكومة؟ ومتى كان خطابهم وطنياً الى هذا الحدِّ في التسهيل والتَرَف السياسي، ومتى شبِعوا من جوعهم السياسي المزمن؟

 إنه ضغط الثورة وحراك 17 تشرين الذي علَّمَ على جلودهم وجعلهم مطواعين ومتعفِّفين علَّهم يفرُّون بما جمعوه من أموال السَّرقة والنَّهب لمقدرات الشعب اللبناني.

وبغية الردِّ على المثقَّف الشامت من أشباه الرجال والمواقف على ما آلت إليه الثورة وقوة حضورها نورد بإختصار:

نحن في قلب الإنهيار المالي والإقتصادي الذي سبَّبته هذه السلطة السياسية الفاسدة، وأمام رئيس حكومة مكلَّف بتشكيلة وزارية قد تكون مقبولة وتتماشى مع المرحلة الخطيرة كي لا نقول أنَّه يمكنها أن تنقذ البلد، فهذا يتطلَّب الصبر والهدوء والتروِّي وإتاحة الفرصة للكشف عما يخبئه أركان أحزاب السلطة من أرانب سياسية ومكائد.

نحن كذلك أمام معطى سياسي جديد ومستجدّ حول تحرُّكات الرئيس الحريري الأخيرة الذي أخْرَج نفسه من حلبة السِّباق والمعادلة، وبدأ يستحضر العَصَب المذهبي ليشبِّعه من روح ثورة 17 تشرين ومن رحِمِ زخْمها، وهنا تكْمُن مأساة إنتفاضة الشعب بالإستمرار في خلْط الأوراق السياسية التي يُراد فيها دمْج مطالب الثوار المنتفضين مع المطالبة والضغط لإستقالة الرئيس المكَلَّف حسان دياب وعودة الحريري على حصان الإنتفاضة، وهو ما تنبَّهت له الإنتفاضة وأخْلَت الساحات إلاَّ فيما ندر من نشاطات، من أجل إخراج التوتُّر في الخطاب المذهبي وفصله عن الخطاب السياسي لإنتفاضة 17 تشرين وهذه مسؤولية كبيرة قد يُدفع ثمنها في الوقت الحاضر لكن مستقبلاً ستستقيم الأمور وتبقى أهداف الثورة محدَّدة وواضحة.

فالعصابات التي شكَّلتها المصارف في لبنان لا زالت مستمرَّة في التقييد على أموال الناس وتهريبها الى الخارج، وإنتشار السماسرة والمضاربين وسطوة الفساد المستشرية وعقْم وإنعدام الحلول من قبل حاكم مصرف لبنان هي كلُّها كفيلة بإبقاء نار الثورة مشتعلة في قلوب اللبنانيين وفي الساحات وطيلة الوقت، لكن في المقام الأول يجب أن تخرس الألسنة وتصمت عن الهتاف للزعيم الطائفي والمذهبي، فسيتم الآن إخلاء الساحات حتى تتبخَّر أنفاس المأزومين والمتسلِّقين وأشباه المثقَّفين والرجال والأهم الشامتين والهاتفين لعودة زعامات المزارع والطوائف..وساعتئذٍ يكون لكلِّ حادث حديث.

*أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

مصدر الصور: سي إن إن عربية.

موضوع ذو صلةحمدان: لبنان ساحة إشتباك بين الولايات المتحدة والمقاومة


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •