شارك الخبر

إعداد: مركز سيتا

إستضافت العاصمة الألمانية – برلين مؤتمراً دولياً يهدف لتأسيس وقف إطلاق نار دائم وبدء مسار سياسي لحل الأزمة الليبية، بمشاركة 12 دولة و4 منظمات دولية وإقليمية، وبحضور طرفي النزاع في ليبيا. فهل يمثل هذا المؤتمر بداية حقيقية لحل النزاع؟ سؤال ربما تبدو الإجابة عليه صعبة إلى إيجاد صيغة دولية موحدة يتفق عليها جميع المنخرطين في هذ الملف.

إهتمام أوروبي

تعكس قائمة الحاضرين دولياً لـ “قمة برلين”، ومستوى الحضور، مدى الأهمية التي توليها أوروبا والعالم للموضوع الليبي، إذ ضمت القائمة قادة كل من روسيا وتركيا وفرنسا وإيطاليا ومصر والجزائر، بالإضافة إلى رئيسة المفوضية الأوربية، أورسولا فون دير لاين، وغسان سلامة، مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، حيث أجمع المراقبون على أن القمة لن تأتي بالحل الكامل للأزمة الليبية لكنها، وكما أشار عدد من المسؤولين الألمان، تمثل مجرد بداية لحل الأزمة، وكما قال وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، لصحيفة “بيلد أم زونتاغ” فإن الأوربيين والألمان يعولون بقوة على نجاح هذه القمة كـ “خطوة أولى من أجل السلام في ليبيا”.

لقد طالبت الدول المشاركة في المؤتمر كافة أطراف الصراع بالإلتزام بحظر تصدير السلاح إلى ليبيا، والعمل على الوصول لتسوية سياسية للأزمة القائمة؛ لكن على المقلب الآخر، يبدو الهدف الأساسي من القمة هو التعامل مع مواقف الدول الإقليمية الداعمة لطرفي النزاع في ليبيا، وليس التعامل مع مواقف طرفي النزاع نفسيهما، ويبدو ذلك واضحاً من خلال السعي الألماني للخروج بضمانات لتفعيل اتفاقية حظر بيع السلاح للأطراف المتنازعة في ليبيا، والتي لم يلتزم بها أحد حتى الآن، وهو موقف يتناغم مع موقف الأمم المتحدة الداعي مراراً لوقف كافة التدخلات الخارجية في الساحة الليبية.

بالنسبة إلى أوروبا أيضاً، لا شك بأن مسألة تدفق المهاجرين غير الشرعيين إليها تمثل مشكلة كبيرة؛ فبدون وجود نزاع في ليبيا، لم تتوقف سفن العابرين إلى القارة العجوز يوماً، ووجود نزاع في إحدى الدول الأقرب إليها سيكون عاملاً مساعداً على تدفق المزيد من اللاجئين مما قد ينعكس سلباً على الدول الساحلية التي تعاني أصلاً من أزمات إقتصادية خانقة، ناهيك عن أن ألمانيا قد توقفت عن إستيعاب المزيد منهم وبدأت فعلاً بعمليات ترحيل طوعية للعديد من الأسر الموجودة هناك.

آراء متباينة

تباينت الآراء حول فرص نجاح المؤتمر نظراً لتعقد الأوضاع على الأرض بين البرلمان الليبي في طبرق والجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، من جهة، وحكومة الوفاق التي يقودها، فائز السراج، المعترف بها دولياً، من جهة أخرى، حيث يرى عدد من الكُتاب أن فرص نجاح مخرجات “مؤتمر برلين” قد تكون ضعيفة، بينما يعتبره آخرون بمثابة “الفرصة الأخيرة” لحل الأزمة، فيما تمنى فريق ثالث أن تحدث “معجزة ويلتزم الجميع بضرورة الحل السياسي”.

ويرجع ذلك إلى انعدام المصداقية من الأمم المتحدة ومن بعثتها في ليبيا، إضافة إلى تضارب المصالح بين الدول المدعوة إلى المؤتمر؛ بإستثناء ألمانيا، إن كل الدول الأخرى متورطة بشكل أو بآخر في الأزمة الليبية الحالية، منها من يؤيد أحد أطراف النزاع المسلح، ومنها من له مطامع في ثرواتها الطبيعية وفي موقعها الجغرافي المميز، ومنها من يطمع في استعادة السيطرة عليها لأسباب تاريخية أيضاً.

غياب تونسي

عكس غياب تونس عن المؤتمر تساؤلات عديدة، إذ أنه من المرفوض وقوفها على الحياد خاصة لأنها تتجاور مع ليبيا وتتأثر حتماً بما يجري على الأرض، حيث يبدو أن دبلوماسية تونس القائمة على “مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول فضلاً عن رفضها الدخول في سياسة المحاور.. لا يبدو أن طريقها سالكة نظراً إلى أن هذه السياسات هي مرفوضة بالكامل من كل القوى السياسية والحزبية الأخرى وبالخصوص من منظمات المجتمع المدني بقيادة الإتحاد العام التونسي للشغل.”

في هذا السياق يقول الصحفي التونسي، هاشم نويرة، إن “التونسي لا يطلب من دولته غير البقاء على مسافة من النزاع الليبي تساعده على لعب دور وسيط الخير ما دام هذا النزاع داخلياً لأنه إذا تشابكت مصالح بعض الأطراف الداخلية مع مصالح وأجندات خارجية فإنه يصبح لزاماً على الدولة التونسية دعم الموقف الوطني الليبي.”

في المقابل، تعتبر مشاركة الجزائر أول اختبار دبلوماسي للرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، وسوف يمنح بلا شك للجزائر ولرئيسها فرصة تثبيت خيار حل الأزمات بالأدوات السياسية ليس في الأزمة الليبية فحسب، بل في بقية الأزمات الإقليمية التي صنعتها القوى العظمى، حيث أن الجزائر تمتلك من أوراق القوة التفاوضية الكثير.

لا للحل العسكري

توصل المشاركون في المؤتمر إلى أن لا حل عسكري للنزاع القائم في ليبيا، تترجم ذلك من خلال إحترام حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة، العام 2011 على ليبيا، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية سعياً منها إلى إعادة السلم إلى هذا البلد الذي تمزقه حرب أهلية؛ برغم ذلك، فإن تداعيات هذا الالتزام على الميدان لا تزال هشة وغامضة بين طرفي النزاع خاصة وأن رئيس حكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، والمشير حفتر رفضا أن يلتقيا خلال هذه القمة الدولية.

وفي أبرز المواقف الدولية حول هذه النقطة بالذات، إعتبر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن هذه القمة كانت “مفيدة جداً”، غير أنه أقر بأن الفجوة بين الرجلين لا تزال واسعة، متابعاً “واضح أننا لم ننجح حتى الآن في إطلاق حوار جدي ودائم” بين الطرفين. كذلك، تحدثت المستشارة الألمانيّة، أنجيلا ميركل، عن “خطوة صغيرة إلى الأمام”، وسط الإقرار بأنه لا يزال هناك عمل كثير ينبغي إنجازه قبل الوصول إلى السلام.

من جهته، طلب السراج إرسال “قوة عسكرية دولية”، برعاية الأمم المتحدة في حال استأنف المشير حفتر القتال، تكون مهمتها “حماية المدنيين”، وقد أعرب رئيسا الوزراء الإيطالي والبريطاني، بشكل خاص، عن استعدادهما للمساهمة في مراقبة وقف إطلاق نار دائم في حال تم التوصل إليه، وسيتوجب على الإتحاد الأوروبي أن يبدأ نقاشاً قريباً حول مساهمته في هذا المجال.

نقاط التقدم

أما أبرز تقدم سجلته القمة أن مسؤولي 11 دولة، بدءاً من روسيا وتركيا اللتين تلعبان دوراً محورياً في ليبيا، أشاروا إلى أن “لا حل عسكرياً للنزاع”، وفق ما قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش.

من جانبه، طالب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون الذي يتهمه حلفاء أوروبيون بدعم المشير حفتر، بالكف عن إرسال مقاتلين سوريين موالين لتركيا وجنود أتراك إلى طرابلس دعماً لحكومة الوفاق، فيما أملت الأمم المتحدة بأن تعزز هذه القمة اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ عند أبواب طرابلس، في 12 كانون الثاني/يناير 2020، بمبادرة روسية – تركية.

غير أن الخبير في “معهد الشرق الأوسط” للأبحاث، عماد الدين بادي، إعتبر أن نتائج القمة “مخيبة” نوعاً ما، وذلك بالنظر إلى “أهمية المسؤولين” الذين شاركوا”.

أخيراً، يبدو أن القمة التي عقدت لم تركز على مسألة الإعتراف بشرعية الطرف الآخر، أي المشير خليفة حفتر، ولم تطالب بوقف تدفق المقاتلين الأجانب، بإستثناء فرنسا، في إشارة واضحة أن القبول بإستمرار تدفق مقاتلين أجانب سيضع ليبيا على سكة النزاع العسكري لا الحل السياسي. ما هو واضح تماماً بأن الحرب لا تزال مستمرة ومفتوحة على كل الإحتمالات وخاصة بعد تحديد الأطراف المنخرطة  في هذا الملف، والواضح أن لا رغبة حقيقية للدول المشاركة في إيجاد حل للأزمة القائمة على الأقل في الوقت الحالي.

مصدر الأخبار: سيتا + وكالات.

مصدر الصور: سي.إن.إن عربية – الجزيرة – فرانس 24.

موضوع ذو صلةنقل “الجهاديين” إلى ليبيا… رسالة تركية لأطراف متعددة


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •