شارك الخبر

د. عبدالله الأشعل*

سُئل أدولف هتلر “من أحقر من رأيت في حياتك؟” فقال بلا تردد “الذين تعاونوا معي على غزو بلادهم”.

على الرغم من أن إسرائيل تدرك قطعاً أنها كيان مزروع وأن المبررات التي زرعتها في المدرك اليهودي لا تصمد أمام المناقشة، إلا انها شكلت أساساً لعقيدة أصلها “الكذب ثم الكذب حتى تصدق كذبك” ويصل إلى مرتبة اليقين الذي يرتبط ببقائك، فإن مت في سبيله فأنت شهيد.

وقد لاحظنا في متابعة إسرائيل وسلوكها منذ قيامها أنها تكذب بثبات ولا تتراجع وتمثل الدور كأنه حقيقة. وقد تهكم رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، مؤخراً على الحكام العرب بأنهم يكذبون على شعوبهم، والصحيح أن اليهود يكذبون على أنفسهم أولاً ثم على المخدوعين من أتباع المشروع الصهيوني، لتنتقل “العدوى” إلى الحكام العرب بدليل أنهم، قبل قيام إسرائيل، لم يكونوا على هذا القدر من المهارة في الكذب، إذ باتوا يتنفسون كذباً ولا يطرف لهم جفن وهم يسوقون أعتى الأكاذيب.

والملاحظ أن إسرائيل لا تعول على أحد، وإنما تعرف كيف تحقق ما تريد ولو بعد حين. هي تعمل بالمثل العربي، الذي لم يطبقه العرب يوماً، القائل “إذا لم تستطع أن تقطع يد عدوك فقبِّلها” إذا تتنبه فجأة لمؤامرتك.

أيضاً، تعرف إسرائيل مصادر الخطر على وجودها وأهدافها؛ لذلك، لا فرق بين وجودها وأهدافها، فهي عندما ترفع شعار “المحافظة على الوجود” فإنه يشمل تأمين أهدافها المرتبطة بوجودها. ومن أهم مصادر الخطر على وجود إسرائيل هو حصول العرب على السلاح؛ فإن حصلت دولة عربية على السلاح دون إعتراض إسرائيل، فإعلم أنها تضمن عدم إستخدامه ضدها بل لمصلحتها وبأيدي العرب ومن أموالهم وضد بعضهم البعض حتى يفنى بعضهم بعضاً ولا يتبقى إلا آثارهم.

بالإضافة إلى ذلك، تبادر إسرائيل إلى الإحاطة بمصادر الخطر قبل أن يبدأ تنفيذها؛ فإذا خططت دولة ما سراً أن تبني مصنعاً للسلاح (على سبيل المثال)، فإن مجرد التفكير به يصل فوراً إلى إسرائيل حيث تدس أنفها وتنشر جواسيسها في كل مكان قبل أن تستأنس الحكام العرب. لذلك، لم نعد نسمع عن قضايا تجسس بين إسرائيل والعرب بعد أن كانت أجهزة المخابرات العربية تفخر، صدقاً أم كذباً، ببطولاتها في إحباط محاولات الموساد. وبهذه المناسبة، إن عدد العاملين ضمن جهاز الموساد يقدر بـ 1% من أولئك العاملين في أجهزة المخابرات العربية، لكن قدرته على العمل والتغلغل والتجنيد أصبحت لا حدود لها بعد أن إنفتحت قلوب الحكام العرب، قبل حدودهم لإسرائيل وبعد أن توثقت في بلادهم مقابل ضمان مقاعد السلطة وضبط حركة الشعوب ضدهم.

كذلك، لا يقارن عدد الدبلوماسيين والبعثات الإسرائيلية في الخارج بعدد البعثات العربية ودبلوماسييها، ولكنهم كـ “غثاء السيل” ما دامت نظمهم وحكامهم يشغلونهم بمغامراتهم الشخصية ضد أقرانهم. فالعسكري أو الدبلوماسي الإسرائيلي معد خصيصاً لدعم بلاده ولإفتاء العرب؛ أما العسكري أو الدبلوماسي العربي فينشأ على مبدأ المحافظة على الحاكم ونظامه.

خلال فترة الخمسينات، لا شك أن إسرائيل ركزت على “مصر عبد الناصر”، وتمكنت من الحصول على المعلومات التي مكنتها من وقف برنامج الطائرة الحربية “حلوان” حيث كانت تتعقب الخبراء الألمان، وكذلك العاملين في برنامج مصر النووي، فأحبطت أية برامج تسليح ودفعتها للإرتماء في أحضان الإتحاد السوفيتي، كما يقول رئيس الوزراء الراحل آرييل شارون في مذكراته. في هذه المقالة، سنقدم أمثلة على جسارة إسرائيل وحسابها للمخاطر قبل أن تقع.

الموقف الأول، حين حصلت على معلومات مؤكدة مكنتها من المبادرة إلى ضرب الطيران المصري، العام 1967، في مرابضه إذ حسمت المعركة خلال ساعات. لم يكن عند إسرائيل شك في أن نظام الرئيس المصري الراحل، جمال عبد الناصر، كان يسلط الإعلام لخديعة المصريين بالظافر والقاهر، بينما الحقيقة تعرفها إسرائيل وغير ذلك كثير. فخلال “حرب الإستنزاف” حيث تربصت إسرائيل بحائط الصواريخ بناء على معلومات من جاسوس جندته إحدى المصريات من عملاء الموساد في باريس.

الموقف الثاني، حاربت إسرائيل المشروع النووي للرئيس العراقي الراحل، صدام حسين، بإغتيال الخبراء وأخيراً بضرب المفاعل، في يونيو/ تموز 1981، عندما كان الرئيس صدام يحارب إيران نيابة عن واشنطن والخليج الذي مرت عليه الطائرات الإسرائيلية في مهمتها لضرب مفاعل “أوزيراك”. وفي العراق أيضاً حرضت إسرائيل واشنطن على احتلاله والقضاء عليه كقوة عربية، وتقسيمه وإخراجه من عداد القوة العربية الشاملة كما رتبت لكل دولة عربية بحيث لا يجتمع العرب الا على “الركض” نحوها وبيع فلسطين والدخول في “القرن الإسرائيلي”. أيضاً، إعتمدت إسرائيل على سلاح “الإغتيال” لكل زعماء المقاومة والعاملين في برامج التسليح العربية حتى تحرم العرب من أية مصادر للقوة، في حين تزودت هي بكل أوراقها.

الموقف الثالث، “عملية عنتيبي” التي تمكنت بها من إنقاذ رهائن الطائرة الفرنسية المختطفة، وقاد العملية شقيق نتنياهو الذي قتل فيها. وقد حاولت مصر تكرار نفس العملية في قبرص بعد اغتيال يوسف السباعي في نيقوسيا، ولكنها كانت فضيحة مدوية بالإضافة إلى خسارتها عدداً من خيرة شباب الصاعقة المصرية الذين راحوا ضحية سوء الإدارة السياسية والعسكرية. وقد حضرت الواقعة بنفسي عندما كنت عضواً في السفارة المصرية في آثينا تحت رئاسة واحد ممن كانوا جوهرة الدبلوماسية المصرية هو المرحوم السفير يحيي عبد القادر العام 1978.

الموقف الرابع والأخير، مطاردة المشروع النووي الإيراني بإغتيال خبرائه وحث واشنطن على تعويقه، وكذلك تسليط الخليج عليه ضمن حملة عداء لصالح إسرائيل، حيث انتهى كل ذلك بضرب مفاعل ناتانز حيث فشَّلت قدرات إيران لعدة سنوات قادمة. وتصورت في النهاية لو كانت إثيوبيا هي التي منعت الحياة عن إسرائيل التي تشارك في المؤامرة، من جميع الوجوه، بقصد إفناء مصر بعد تقليم أظافرها، في “كامب ديفيد”، وتمزيق المنطقة العربية، فهي لن ترتاح إسرائيل قبل القضاء على الجيش الذي أذلها، العام 1973، والشعب الذي ساند الجيش بكل قواه في مؤامرة إثيوبيا ضد بقاء مصر. كم تمنيت لو قيِّض الله للعرب أي زعم كزعماء إسرائيل ينتشلهم من هوة الفناء.

*سفير سابق ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

مصدر الصور: سكاي نيوز عربية – ساسه بوست.

موضوع ذا صلة: العائد السياسي لحروب إسرائيل في دفع المشروع الصهيوني


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •