شارك الخبر

أمور كثيرة ترتبت على ثورات الشعوب العربية، العام 2011، بعد أن تضافرت القوى المستفيدة من الأوضاع التي قامت الثورات لتغييرها لقمع هذه الثورات وإلصاق كل التهم بها، بل وصل الأمر إلى مطاردة كل من كان له علاقة بها وزعموا أنها “مؤامرة خارجية”، وراحوا يعتبرون أن الثورة تطبيق لـ “حروب الجيل الرابع”، ولم يفكروا في أسبابها وهي مساوئ الحاكم العربي المخجلة.

لقد كانت هذه الثورات أداة بيد الغرب لتغيير الحاكم الوطني الصالح والمستقل والذي يحرس الوطن حتى ضد الثوار الخونة، ولا يزال موقف الحكّام العرب منها مرتبكاً، حيث أنهم اعتبروها “نكراناً للجميل” الذي اسداه الحاكم العربي لشعبه وبلده، وتعاوناً مع الخارج صديق الحاكم وحليفه. بل أن الحكام العرب فوجؤوا بها بعد أن ظنوا أن الشعوب العربية “ماتت” بمعايير الأمن، والطريف أنها كانت مفاجئة للغرب، والطريف أيضاً أن الشعوب الغربية عبّرت عن اعجابها بشجاعة الشعوب العربية، وكان ذلك مدعاة لمسارعة حكوماتهم إلى مساندة الحكام في تبديد الثورات التحررية؛ ومع ذلك، تردد باستخفاف مسرحية حقوق الإنسان عند العرب، وهي تعلم أن الحاكم العربي لا يمكث ساعة واحدة في السلطة إذا إحترم الدستور وحقوق الإنسان.

والطريف أن من قامت ضدهم الثورة هم على صلة وثيقة بكل من واشنطن وإسرائيل، ولقد اتهموا الثوار بأنهم عملاء لهذه الدول، وأن الأخيرة بذلت الأموال ورتبت لقيام الثورات، فاتضح جلياً الفرق بين معسكرين؛ البلد لمن: هل لشعبها أم للفئة المستفيدة منها والمتحالفة مع أعدائها؟ وكان أولى بالفئة التي تعتبر الشعب في معركة معها – لمجرد أنه يطالب بالتغيير وهي تتمسك بالوضع الراهن الذي يخدم مصالحها – إذا كانت تؤمن بالشعب الذي تتمسح به وتصدر الأحكام بإسمه وصدعنا الرؤساء في خطبهم بعظمته وأنهم في خدمته، أن تزيل أسباب الثورة وأن تنفذ طلباتها وشعاراتها، ولكنها بدلاً من ذلك عمدت إلى قمعها والتوحش في معاقبة الشعب الذي جرؤ على تحديها وخرج عليها، وقررت أن تخمد أنفاسه للأبد.

وقد سبقت ثورة الشعب في مصر إرهاصات وإشارات تجاهلها الرئيس الراحل، محمد حسني مبارك، بشكل مستفز فقال قولته الشهيرة “خليهم يتسلوا” رغم أنه يعلم يقيناً كل أخطائه وخطاياه، وإذا كان قد أفلت من القاضي الذي عينه وحدد له القانون الذي يطبقه بل وأحياناً يملي عليه الحكم الذي يريده الحاكم ولاعلاقة له بأوراق القضية أو التليفق الذي استوجب القضية عليه وأسره وسجنه، فلن يفلت مطلقاً من قاضي السماء وقاضي محكمة التاريخ. ولكل حاكم يظن أنه يستخدم مقدرات البلاد لينتصر على الشعب، فليدرك أنه يرتكب جريمة مركّبة بحق الوطن، والأدهى أنه يوغل في عداء الشعب والانتقام منه ما دام قد انتصر عليه بمعاونة أعداء الشعب، في الداخل والخارج والإقليم.

أيضاً، ترتب على حالة غضب الحاكم وضيقه من أي تجمع أو رأي حر، فقام الحاكم العربي بالتشدد في قمع الرأي الحر وصادر كل شيء لصالحه. والحق أن أكبر إنجاز لـ “ثورة يناير”، من الناحية النظرية، هى حق التظاهر، ولكن الحكم بادر إلى منعه وحظره والمعاقبة على التظاهر وقرر تطبيقات لهذه الحالة.

إقرأ أيضاً: عندما تستخدم السلطة الفن لصالحها

يخشى الحاكم العربى من معارضة الشعب، ويرفض أن يتم الطعن في مثاليته وكأنه ليس بشراً يخطئ ويصيب؛ ولو قامت مظاهرة احتجاجاً على سلوك إسرائيل ضد الفلسطينيين، فإن البعض قد أعلن أن معاهدة السلام مع إسرائيل تلزم الحكومة بمنع الاحتجاج على تصرفات إسرائيل التي تعتبرها واشنطن “معاداة للسامية”، ولا تطيق الحكومة الاتهام بهذه الخطيئة السياسية الباهظة.

أصبح الحاكم العربي، منذ الثورة، لا يسمح برأي أو تجمع سواء كان تعبيراً عن معارضة موقف أو حتى تأييداً لموقف لأنه في القضية الفلسطينية صار صديقاً لإسرائيل، ولا يمكن أن يسمح بنقدها وهو يعلم أن الشعب كله يكرهها، كما أن مثل هذا الموقف يرضى واشنطن وإسرائيل، ولا يضيره أن يخسر الشعب لأن الحاكم العربي يقيم حكمه على أساسين؛ الأساس الأول: أنه قدر مقدور “تؤتى الملك من تشاء”. والأساس الثاني اعتقاده أن الولاء له هو المعيار الوحيد للوطنية، وأنه شخصياً تجسيد للوطن، وهو حارس له، وأن الخارج الذي هو حليف له يتآمر عليه ويذاع هذا الوهم للشعوب العربية ودفعه إلى اعتناق هذه النظرية والنتيجة أن الشارع السياسي العربي قد اختفى، في حين أن هذا الشارع يعتبر أساسياً في الدول الديمقراطية ومشبوه فى الدول العربية.

يحتج الشارع السياسي العربي على تصرفات الحاكم وقد ارتفع إلى مرحلة الألوهية، فلا سبيل إلى معارضته، ثم أنه كان يحتج على إسرائيل؛ فلما تحالفت مع الحاكم العربي فى قمع شعبه، صار حليفاً لها وهي ضامن لبقائه ضد أكبر مهدد لحكمه، وهو الشعب. فاختفى الشارع العربي بسبب هذه التعقيدات والظروف، ولا أظن أن هذه الحالة قابلة للإصلاح الفورى، إنما بالدراسة المتأنية دون اتهام أحد. والغريب أن الغرب رأى في موت الشارع العربي دليلاً على صلاح الحاكم وسلامته، بدليل عدم الاعتراض عليه، وهو يعلم يقيناً أن الشارع مقهور على السكون، وهو ليس سكون الرضا.

في الدول الديمقراطية، تعتبر حرية الرأي والتجمّع حقوقاً طبيعية، والمظاهرات رمزية على التأييد أو المعارضة، وهي لا ترغم صانع القرار بالقوة ولكنها مؤشر يجب أن يلتقطه ويعمل بمقتضاه.

مصدر الصورة: ذي اتلانتيك

د. عبدالله الأشعل

سفير سابق ومساعد وزير الخارجية الأسبق / أستاذ محاضر في القانون الدولي والعلاقات الدولية – مصر


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •