شارك الخبر

محمد كريم الخاقاني* – مروان محمد الطيارة**

هذه الأيام، تنشط فرنسا في منطقة الشرق الأوسط، ويظهر ذلك النشاط بصورة واضحة جداً في زيارات مسؤوليها لكل من لبنان والعراق. فخلال شهر واحد، أصبحت بيروت محط أنظار الفرنسيين، وعلى رأسهم الرئيس إيمانويل ماكرون الذي زارها بعد يومين حدوث الإنفجار الكبير في المرفأ، ليعود ويزورها مجدداً، 1 سبتمبر/أيلول، في ذكرى مئوية “لبنان الكبير”.

تعد زيارة الرئيس ماكرون إلى العراق أول زيارة رسمية لمسؤول رفيع المستوى للعاصمة بغداد، بعد تشكيل حكومة السيد مصطفى الكاظمي، لبحث عدة قضايا محور الإهتمام المشترك بين البلدين. وتبرز أهمية زيارة كل من لبنان والعراق، طموح فرنسا لإستعادة مكانتها السابقة في الشرق الاوسط والبحر المتوسط؛ فالدور الفرنسي، جاء كرد فعل على ضعف الموقف الأوروبي، سواء في العراق أو لبنان أو في عموم منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

لقد شكل إنفجار مرفأ بيروت بداية التحركات لإستعادة الدور الفرنسي ومن ثم الأوروبي، حيث وتأتي زيارة الرئيس ماكرون، بشكل خاص الى العراق، كدعم لرئيس الوزراء لا سيما بعد زيارته إلى واشنطن ودعم الأخيرة له خصوصاً مع رغبة التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة في تشكيل رادع قوي لإيران في حين ترغب فرنسا بأن يشمل هذا التحالف أيضاً تركيا التي تتوسع في منطقة الشرق الأوسط وتدخلاتها المستمرة عسكرياً في كل من العراق وليبيا.

لقد أوضح الرئيس ماكرون أن هدف الزيارة، بشكل عام، دعم “مسيرة السيادة” بالتعاون مع الأمم المتحدة، إذ تدرك فرنسا ان العراق لن يكون شريكاً ذا فاعلية سواء في إستثماراتها أو في الحد من النفوذ التركي في المنطقة، الذي ينتهك سيادة العراق وذلك عبر تدخل قواتها العسكرية في عمق أراضيه في خرق فاضح لكل القوانين والأعراف الدولية التي تنص على ضرورة إحترام سيادة وإستقلال الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

ومع بروز الفاعلية بالنسبة للسياسة الخارجية في عهد الرئيس ماكرون والذي يرغب بسلوك الطريق نفسه الذي سار عليه أسلافه، كشارل ديغول أو فرانسوا ميتران، بإستعادة فرنسا قوتها الخارجية خصوصاً في مناطق نفوذها السابقة، ولا سيما لبنان. لذلك، يرى الرئيس الفرنسي ضرورة إستعادة هذا الدور في ظل التوسع التركي بالمحيط الخارجي لبلاده، وحتى في شرق البحر المتوسط ، حث تسعى باريس إلى دعم العراق في مواجهة تلك التدخلات التي أصبحت تشكل تهديداً للتوازن الدولي لا سيما مع إستغلال مسألة تراجع الدورالأوروبي حيث ترى فرنسا، في العراق ولبنان، النقطة الأساسية التي تتركز عليها سياستها الرادعة للنفوذ التركي في الشرق الأوسط.

على المقلب الآخر، لا يمكن تفسير زيارة الرئيس ماكرون إلى العراق على إنها تهديدا بالنسبة لإيران، فهي تحتفظ بعلاقات جيدة معها وترغب بالإستمرار في الإتفاق النووي. لذلك، كان الهدف الأساسي للزيارة هو دعم العراق ضد الخروقات التركية للسيادة العراقية، وهو ما ألمح له الرئيس ماكرون من تعبير مسيرة السيادة، فمنذ توليه الحكم، كانت توجهات السياسة الفرنسية تجاه العراق تندرج ضمن إطار محاربة تنظيم “داعش” الإرهابي، حيث تعد فرنسا من أبرز القوات الموجودة في التحالف الدولي لا سيما لجهة تقديم الدعم اللوجستي والعسكري.

ولكن بعد التدخل العسكري التركي المستمر في المنطقة، بدأت السياسة الخارجية الفرنسية تتحول من محاربة “داعش” والإرهاب إلى محاولة إيقاف تلك التدخلات، في ليبيا والعراق بالتحديد، خصوصاً مع اهمية العراق الجيو – سياسية. ما يمكن ملاحظته أيضاً في زيارة الرئيس ماكرون إلى بغداد هو عدم زيارته لأربيل، عاصمة اقليم كردستان، وهذا يشكل تحولاً آخراً في السياسة الخارجية الفرنسية الداعمة للكرد، فهي ترى اليوم ضرورة المحافظة على عراق موحد قوي اذا ما ارادت وقت تركيا، هذا من جانب. ومن جانب آخر، أرادت قطع الطرق على من يريد التحجج بدعمها للكرد فيما لو قام بهذه الزيارة، إذ سبق للرئيس ماكرون قيامه بوساطة لحل الخلافات بين المسؤولين في كل من الإقليم وبغداد على أثر الإستفتاء الذي أصرت على تنظيمه قيادة الإقليم، العام 2017. لذلك، تعرف فرنسا جيداً ما قد يقدمة العراق في إطار رؤيتها لوضع حد للتدخل التركي.

أما الجانب الإقتصادي، فيأتي في قائمة أولويات الرئيس ماكرون من خلال رغبته بالإستثمار في العراق، ودخول شركات بلاده على هذا السوق في مختلف القطاعات، سواء إعمار المدن والبنى التحتية كالمستشفيات والمرافق الحيوية. ومع الدور الفرنسي المهم والمقبول داخل المجتمع العراقي، ستعمل باريس على استغلال ذلك إذ ترغب بالدخول إلى مجال الطاقة والنقل خصوصاً مع احتياج العراق إليها، لتقدم مشروعات متعددة مثل إنشاء محطات نووية للطاقة الكهربائية النظيفة أو خطوط المترو. كما ترغب بالإستثمار في قطاع التسليح وهو ما يتقاطع مع رغبتها في تعزيز قوه العراق الجوية ليشكل رادعاً لتركيا، حالياً أو مستقبلاً. أيضاً، ترى فرنسا في العراق شريكاً مهماً لن يقوم بالضغط عليها وإبتزازها في وقت تحتفظ فيه بعلاقات جيدة مع ايران ودول الخليج والآن العراق ولبنان. لذلك، تعمل على تهيئة الأرضية المناسبة لإضعاف أي تدخل تركي.

بعد الدعم الأمريكي لحكومة الكاظمي، ستستثمر فرنسا ذلك من أجل إقامة علاقات أوسع مع العراق، حيث تسعى إلى إقامة شراكة مع دولة نفطية على اعتبار أن الحصار الإقتصادي أضعف إيران، أحد ابرز حلفائها التقليديين؛ بالتالي، هي تسعى إلى كسب العراق الذي يشكل أهمية قصوى لها، بعد معاناتها من تداعيات أزمة فيروس “كورونا والتراجع الملحوظ في مستوى أدائها الإقتصادي، حيث ترغب في أن تشكل إستثماراتها في العراق “طوق نجاة” مستغلة الموافقة والدعم الأمريكي لحكومة الكاظمي، الذي بلا شك سيستفيد من فرنسا تكنولجياً وعسكرياً سلمياً أيضاً لا سيما بعد تصريح الكاظمي، عقب لقائه بالرئيس الفرنسي، بالعمل على تعزيز الشراكة مع باريس.

من هنا، يمكن القول بان الرئيس ماكرون ترك الباب مفتوحاً لمستوى الدعم، سواء لجهة محابة “داعش” أو التدخلات الخارجية مع إدراكه لخطورة التدخل التركي. فهل ستقوم فرنسا بدور أكبر عراقياً صد أنقرة؟

في المدى المنظور، لن يكون هناك تدخل فرنسي بل سيقتصر على الدعم العسكري والتدريب ومساعدة العراق في مجلس الأمن أو الامم المتحدة خصوصاً بالنسبة لشكاوى العراق ضد تركيا. لكن على المدى البعيد، سيكون هناك تحالف أقوى بين البلدين لا سيما مع توجهات السياسة الخارجية الفرنسية، في عهد الرئيس ماكرون، التي ترغب بدور إقليمي أكبر وأوسع من السابق، وترى في تركيا أها تتوسع في مناطق نفوذ فرنسية تاريخية، لبنان وسوريا والبحر المتوسط.

من هنا، على العراق ان يوازن بين ما يريده من فرنسا وما تريد فرنسا منه، فزيارة الرئيس الفرنسي المحدودة زمنياً، 4 ساعات، لن ترسم ملامح شراكة حقيقة ما لم يكن العراق لديه ما يستطيع عمله فيتعامل معها على أساس المصالح المتبادلة وليس كورقة ضغط على تركيا، وهو ما سيستغله الكاظمي لغرض تقويض التدخل التركي عن طريق باريس بالإضافة إلى تقويض التدخل الإيراني عن طريق الولايات المتحدة؛ بالتالي، يشكل العراق عاملاً ضاغطاً على هذه الدول من خلال حلفائه وليس من خلال قوته الذاتية، وهو امر إلى حد ما قريب من الواقع، فالعراق يعاني حالياً من أزمات سياسية داخلية، ولن يستطيع توحيد جبهته الداخلية من اجل مواجهة أعداء إقليميين، كتركيا وغيرها، بمفرده إلا من خلال دعم دولي.

*أكاديمي وباحث في الشأن السياسي – العراق.

**باحث في الشأن السياسي – العراق.

مصدر الصور: صحيفة عاجل – ميدل إيست أونلاين.

موضوع ذا صلة: مبادرة الشرق الجديد.. مشروع إقتصادي بأهداف سياسية


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •