شارك الخبر

في أول خطاب رئيسي له فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، وقف الرئيس الأمريكي الجديد، جو بايدن، معلناً عودة بلاده إلى دور القيادة العالمي، وقصد بذلك إلى إعلان واسع النطاق عن إصلاح مقرر للدبلوماسية الأمريكية وإعادة ضبط النظام الدولي للعودة إلى قواعد ومعايير ما قبل الرئيس السابق دونالد ترامب.

ووعد الرئيس بايدن بعهد جديد بعد تخبط السياسة الخارجية في عهد سلفه، قائلاً في أولى كلماته الدبلوماسية بعد توليه المنصب إن “أمريكا عادت” على الساحة العالمية. فكيف ذلك؟ وما أبرز النقاط التي يجب الوقوف عندها في هذا الخطاب؟

بايدن يحاول تبديد أية شكوك حول “قوة أمريكا”

وفي خطاب ألقاه 4 فبراير/شباط 2021، أعلن الرئيس بايدن وقف الدعم الأمريكي للحملة العسكرية التي تقودها السعودية في اليمن، وتحدث عن اتباع نهج قوي إزاء الصين وروسيا كما حث زعماء ميانمار العسكريين على إيقاف انقلابهم.

وقال الرئيس بايدن “لا بد للقيادة الأمريكية أن تواجه هذه الفترة الجديدة من تزايد النزعة السلطوية، بما في ذلك تنامي مطامح الصين لمنافسة الولايات المتحدة وعزم روسيا على الإضرار بديمقراطيتنا وإفسادها. لا بد لنا أن نواجه الفترة الجديدة.. فترة تسارع التحديات العالمية من الجائحة إلى أزمة المناخ إلى الانتشار النووي.”

وكان الرئيس ترامب قد أغضب زعماء أوروبا وآسيا بالتعريفات الجمركية والخروج من تحالفات عالمية والتهديد بسحب قوات أمريكية، ولم يبذل جهداً يُذكر في التصدي لموجة من التيار السلطوي في بعض الدول.

بعد أن هاجم أنصاره مبنى الكونغرس 6 من يناير/كانون الثاني 2021 احتجاجاً على فوز الرئيس بايدن في الانتخابات، أبدى حلفاء واشنطن الأجانب ومنافسوها على السواء تشككاً في قوة الديمقراطية الأمريكية.

وتقول وكالة “رويتر” إن خطاب بايدن كان بمثابة “محاولة قوية لتبديد تلك الشكوك وإقناع الأمريكيين بأهمية انتهاج خط دولي قوي”، حيث يقول الرئيس الأمريكي إن “الإستثمار في دبلوماسيتنا ليس شيئاً نفعله لأن هذا هو الصواب للعالم وحسب، بل نفعله كي نحيا في سلام وأمان ورخاء، نفعله لأنه يصب في مصلحتنا الذاتية.”

بايدن: “أمريكا عادت”.. كيف ذلك؟

ومع ذلك، يشير تحليل منشور عبر موقع Responsible Statecraft الأمريكي، كتبته كيلي فلاهوس، كبيرة مستشاري معهد كوينسي في واشنطن، إلى أن خطاب الرئيس بايدن الأخير وملاحظاته الموجزة لم تتطرق بالضبط إلى سبل “عودة أمريكا” على مستوى الممارسة العملية على الأرض، فقد اتسمت السنوات الـ 16 التي سبقت الرئيس ترامب بحروب أمريكية في أنحاء مختلفة من العالم وعمليات مكافحة للإرهاب في عديد من البلدان، مع ما نجم عن ذلك من أزمة لاجئين، وانهيار شديد للنفوذ الأمريكي والنظرة العالمية إليه في جميع المجالات.

وقال الرئيس بايدن “نحن بلد يأتي أفعالاً كبرى، الدبلوماسية الأمريكية تنجح في هذا وإدارتنا على أهبة الاستعداد لحمل الشعلة وتولي القيادة من جديد”. لكن في سرديته، كانت الأزمة الكبرى هي في تدمير الرئيس ترامب للديمقراطية في الداخل الأمريكي، وانصرافه عن الحلفاء التقليديين، ما شوَّه سمعة أمريكا بوصفها نموذجاً للديمقراطية في الخارج، بحسب فلاهوس.

ويقول الرئيس الأمريكي إن الدبلوماسية هي السبيل الوحيد لاستعادة هذه المكانة الأمريكية، وفصّل ذلك بالقول إن “الولايات المتحدة بحاجة إلى إعادة بلورة عادة التعاون، والعمل على إعادة بناء عضلات التحالفات الديمقراطية التي انهارت على مدى السنوات القليلة الماضية بفعل الإهمال وإساءة الاستخدام، حسبما أزعم”، مشدداً على أن “الولايات المتحدة عليها استعادة مكانتها القيادية”، وأنه لا داعي للقلق، فـ “أمريكا قد عادت”.

“التحالفات الأمريكية هي أهم بند في رأسمالنا”

كان اختيار الرئيس بايدن لوزارة الخارجية مكاناً لإلقاء أول كلمة دبلوماسية رئيسية دلالة كبيرة على الأهمية التي يوليها للدبلوماسيين، الذين كان يعتبرهم الرئيس ترامب معارضين معظم الوقت.

وقال الرئيس بايدن إن “التحالفات الأمريكية هي أهم بند في رأسمالنا، والقيادة من خلال الدبلوماسية تعني الوقوف جنباً إلى جنب مع حلفائنا وشركائنا الرئيسيين مرة أخرى”، ساعياً في أيامه الأولى من الرئاسة لإصلاح ما وصفه بالضرر الذي لحق بوضع أمريكا في العالم وتراجَع عن سياسات اتبعها سلفه، وهو يعمل على إحياء الاتفاق مع إيران وأعاد عضوية بلاده في “إتفاقية باريس للمناخ” ومنظمة الصحة العالمية.

“أخطر منافسينا”.. رسائل “صارمة” لروسيا والصين

مر الرئيس بايدن سريعاً على عدد، وليس كل، من المخاوف الخارجية الأمريكية الرئيسية، وكيف يمكن للولايات المتحدة التعامل معها من خلال نهجٍ دبلوماسي متجدد ومكثّف.

ففيما يتعلق بالصين التي تطور جيشها وتعمل على زيادة نفوذها حول العالم، ربما كانت أكبر تحد دولي يواجه الرئيس بايدن في مستهل رئاسته، وصفها إياها بأنها “أخطر منافس للولايات المتحدة”. واتخذ الرئيس بايدن نبرة صارمة حيال بكين، قائلاً إن واشنطن لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الانتهاكات الاقتصادية لبكين أو السلوكيات العدوانية الأخرى، لكنها ستكون سعيدة بالحديث والتعاون عندما “يكون من مصلحة أمريكا القيام بذلك”.

وسعى الرئيس ترامب في البداية لبناء علاقة وطيدة مع رئيسها شي جين بينغ، لكن الخلافات حول التجارة وهونغ كونغ وما يصفه الجيش الأمريكي بـ “سلوك بكين العدائي” المزعزع للاستقرار في بحر الصين الجنوبي أحدث شقاقاً.

وأضاف الرئيس الأمريكي “سنتصدى لانتهاكات الصين الاقتصادية وسنواجه عملها القهري الشرس على مواصلة الهجوم على حقوق الإنسان والملكية الفكرية والأحكام العالمية.. لكننا مستعدون للعمل مع بكين عندما يكون هذا في مصلحة أمريكا”.

أما لهجته الأشد قوة، فاحتفظ الرئيس بايدن بها لـروسيا، وتحدى بكلماته الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقال “أوضحت للرئيس بوتين، بأسلوب شديد الاختلاف عن سلفي، أن أيام صمت الولايات المتحدة أمام أعمال روسيا العدائية وتدخلها في انتخاباتنا وهجماتها الإلكترونية وتسميم مواطنيها قد ولت”، مطالباً بالإفراج الفوري عن المعارض أليكسي نافالني من السجن “دون قيد أو شرط”.

على أنه، وبخلاف التلويح بـ “العواقب”، لم يقدم أية توجيهات حول الطريقة التي سيفرض بها تلك المطالب على الرئيس بوتين أو غيره من الزعماء “الإستبداديين”، فلم يكن هناك، على سبيل المثال، حديث عن فرض عقوبات، رغم أنه كان قد أثارها هو ومسؤولوه في تصريحات سابقة لهم.

إنهاء دعم السعودية في حرب اليمن مع “الحفاظ على سيادتها”

ومع ذلك، فإن المسار الذي اتخذه الرئيس بايدن لنقض سياسة سلفه لم يكن غامضاً على نحو تام، فقد أعلن أن واشنطن ستنهي دعمها للعمليات السعودية “الهجومية” في الحرب على اليمن، “ويشمل ذلك جميع مبيعات الأسلحة ذات الصلة”. كما أعلن تعيين مبعوث دبلوماسي، تيموثي ليندركينغ، وهو دبلوماسي محنك يتمتع بخبرة طويلة في شؤون الخليج واليمن، للمساعدة فيما يتعلق بالتفاوض على وقف شامل لإطلاق النار وإنهاء حقيقي للصراع هناك.

غير أن الرئيس الأمريكي أعقب ذلك بتنويه مفاده أن الولايات المتحدة ستستمر في مساعدة السعودية للدفاع عن “سيادتها وسلامة أراضيها وشعبها” من هجمات “القوات المدعومة من إيران في دول مختلفة”.

تتساءل كيلي فلاهوس حول ذلك: “لكن السؤال هنا: هل يشمل ذلك أيضاً حماية السعوديين من الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن؟ ألن يعني ذلك الحفاظ على تدفق مبيعات الأسلحة واستمرار الحرب؟ لم يجب بايدن عن ذلك.”

صمت بايدن حول الإتفاق النووي الإيراني وعدم التطرق لقضايا أخرى

اللافت للنظر أن الرئيس بايدن تخطى ذكر بعض من أعظم تحديات السياسة الخارجية في فترة ولايته المبكرة، فلم يتطرق إلى كيم جونغ أون أو كوريا الشمالية في خطابه قط. والأدهى أنه لم يرد ذكر للحرب الأمريكية المستمرة منذ 20 عاماً في أفغانستان، أو الموعد النهائي المحدد في الأول من مايو/أيار 2021 لسحب القوات الأمريكية المتبقية هناك، والبالغ عددها 2500 جندي. غير أنه قال إنه كلف وزير الدفاع، لويد أوستن، بمراجعة شاملة لهياكل القوات الأمريكية في جميع أنحاء العالم.

أما فيما يتعلق بالاتفاق النووي الإيراني وعودة واشنطن إليه، فقد التزم الرئيس بايدن الصمت حياله، على الرغم من أن “خطة العمل الشاملة المشتركة” ربما تكون أفضل نموذج على التعاون متعدد الجنسيات في العقد الماضي، كما تقول فلاهوس، وكان تخلي الرئيس ترامب عنه العام 2018 أوضح مثال على تجاهل الرئيس السابق للدبلوماسية ومعاييرها في فترة ولايته.

تعزيز القيم الديمقراطية حول العالم

في غضون ذلك، تحدث بايدن عن أن سياسته الخارجية ستعزز “القيم الديمقراطية” في الولايات المتحدة وفي الخارج، ويشمل ذلك “المساواة العرقية وحقوق المثليين ومعالجة مشكلات الاقتصاد المحلي والطبقة الوسطى الأمريكية”. كما قال إنه سيصدر أمراً تنفيذياً يعيد فتح الباب أمام قبول اللاجئين، وأشار إلى دور وزارة الخارجية في التعامل مع قضية التغير المناخي، واصفاً إياها بأنها “تهديد وجودي”، وتعهد بالعمل مع دول أخرى في “قمة المناخ” للضغط من أجل التغيير.

في النهاية، تقول فلاهوس، إن الدبلوماسية لا شك في أنها نهج مفضل على الإكراه المسلح والحرب، وإن أية “عودة ” أمريكية إلى نهج أكثر سلمية، ستكون موضع ترحيب، غير أنه على مدى عقدين من الزمن، كانت السياسة الخارجية للولايات المتحدة لا تنفصم عن نهج التدخل العسكري، وتجاهل هذه الحقيقة، خاصة المتعلقة بآلاف القوات الأمريكية التي ما تزال في الخارج منذ 11 سبتمبر/أيلول 2001، لن يجعلها تختفي. ومن ثم، تشدد فلاهوس على أن تلك القضايا سيتعين التعامل معها إن عاجلاً أو آجلاً، ما لم يكن يريد الإبقاء على الوضع الراهن كما هو، وهو ما صرح الرئيس ترامب بخلافه.

*العنوان الأساسي: “أمريكا عادت لقيادة العالم.. 7 نقاط تشرح لك خطة بايدن للسياسة الخارجية”

المصدر: عربي بوست

مصدر الصور: روسيا اليوم – العربية.

موضوع ذا صلة: الولايات المتحدة وسياسة “المهادنة بالإستفزاز”


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •