شارك الخبر

لا شك بأن الإتفاق الصيني – الإيراني، الذي بات معروفاً بإسم “خطة التعاون الشامل”، يشكل نقطة تحول كبير، ليس فقط على صعيد المنطقة بل تمتد إلى آثاره إلى الإقليم وقسم كبير من دول العالم، لكونه يحتوي على أبعاد جيو – سياسية/إقتصادية/إستراتيجية، لا سيما مع إنخراط طهران في مبادرة “الحزام والطريق” ووقوعها على مسار “طريق الحرير” الجديد.

قبل الدخول في التفاصيل، يجب التنوية إلى أمرين مهمين؛ الأمر الأول، توجد معارضة شديدة سابقة على توقيع الإتفاق. ويعد من أبرز المعارضين الرئيس الإيراني السابق – والمرشح الحالي للرئاسة – محمود أحمدي نجاد حيث إعتبره، يونيو/حزيران 2020، “إتفاقاً سرياً”، مشيراً إلى حق الشعب بالإطلاع على بنوده وإلا عدّ باطلاً، وجاء ذلك في وقت تتخوف فيه بعض القوى السياسية من “هيمنة” إقتصادية صينية على مرافق البلاد الحيوية.(1) من هنا، قال نجاد إن “الأمة الإيرانية لن تعترف بإتفاق سري جديد مدته 25 عاماً بين إيران والصين”.(2)

الأمر الثاني، هناك العديد من التساؤلات في الداخل الإيراني عن مدى إمكانية الوثوق ببكين، خصوصاً وأن الأخيرة لا تزال تحتجز أموالاً إيرانية بسبب العقوبات الأمريكية على طهران (± 20 مليار دولار) داخل المصارف الصينية.

في رد منطقي على ما سبق، قد يكون هذا التساؤل هو حق مشروع؛ ولكن إذا أردنا الغوص أكثر في الموضوع وبطريقة عقلانية، يمكن القول بأن هذه الأموال قد تشكل جزءاً بسيطاً مما قد تجنيه طهران حال تنفيذ الإتفاق، حيث تشير المعلومات إلى أن حجم الأموال الصينية التي تستثمر فيها تقدر ما بين 420 – 450 مليار دولار على مدى 25 عاماً، وهو رقم ضخم جداً خصوصاً وأنه سيُستثمر في قطاعات حيوية ومنتجة قد تدر مليارات أخرى إضافية معها، هذا من جهة أولى.

من جهة ثانية، إن هذه الأموال هي ملك لإيران وبكين تحتجزها ولم تقمْ بمصادرتها، ما يعني أنها ستعود إليها في حالاتان؛ الأولى، إنجاز المفاوضات على وضع جديد بخصوص الملف النووي الإيراني. الثانية، رفع العقوبات الأمريكية.

من جهة ثالثة، قد تكون أضرار إرجاع الأموال إلى إيران أكثر بكثير من حجزها لكلا الطرفين على حد سواء. بالنسبة للصين، تعتبر الولايات المتحدة أهم سوق لتصريف المنتجات الصينية (± 25%)؛ بالتالي، إن أية عملية إستثارة لواشنطن ستكون مضرّة ببكين وبشكل مباشر لا سيما وأن الأخيرة، وإن كانت تخوض حرباً إقتصادية معها إلا أنها لا تريد معاداتها. أما على الجانب الإيراني، قد تكون هذه الأموال مفيدة، لكن ما قد تجنيه من الإتفاق سيكون أكثر بكثير، كما سبق وأشرنا.

بالعودة إلى الإتفاق، قام العديد من الكتّاب والمحللين بالتعليق على بنوده وتحليل مضمونه، ولكن للأسف وقع بعضهم في خطأ كبير كونهم بنوا تحليلاتهم على مسودة سُرّبت سابقاً (بعض المصادر تقول في العام 2016 والبعض الآخر يقول أنها تعدلت العام 2018) في حين أن هناك بعض المتغيرات التي حدثت ولم يتنبهوا إليها، وهو ما سنشير إليه ضمن هذه المقالة البحثية التحليلية. لكن هنا، يجب الذكر بأن هذا الخطأ قد يكون غير متعمّد نظراً إلى أن بنود الإتفاق لا تزال سرية ولم يُعلن عنها حتى اليوم.

من جهتنا، لن نقوم بتحليل كل ما سُرّب لكن الأمر سيقتصر على بعض الجوانب – وذلك بحسب معلومات خاصة حصلنا عليها بالإضافة إلى ما رشح من معلومات منطقية – التي تتناول الشق الجيو – سياسي الذي يتجاوز العلاقة الثنائية البينية، حيث سنحصر قراءتنا ضمن 3 محاور أساسية، وهي النفط والنقل والإستراتيجيا.

1. أبعاد طاقوية

يمكن القول أن أهم البنود تمحورت حول تأمين الطاقة للصين، لا سيما النفط، حيث تم وضع قاعدة ثابتة وهي “إمداد بدون إنقطاع وبسعر أقل من السوق”، وهذا الأمر سيكون مفيداً جداً لإيران كونها ستستطيع كسر العقوبات الأمريكية والحصول على كمية أموال كبيرة من أجل معالجة الإزمة الإقتصادية الخانقة التي تعصف بها.

في التفاصيل، أشارت بعض المصادر سابقاً إلى أن “إمداد الصين بالنفط الخام الإيراني لمدة 25 عاماً، بتخفيض في السعر بلغ 32%، وفترة سماح للسداد تمتد لعامين، على أن تستخدم الحكومة الصينية عائدات النفط الإيراني في الاستثمارات المختلفة بأغلب القطاعات الأخرى. إضافة إلى ذلك، سوف تقوم الصين بتطوير حقول النفط الإيرانية، والمصافي البترولية وغيرها.”

أيضاً، تتعهد الصين “بشراء ما لا يقل عن مليون برميل نفط إيراني يومياً ودفع ثمنه بالعملة الصينية – اليوان – مع السماح لإيران بشراء مستودعات على الأراضي الصينية وفي الموانئ وتخزين النفط والمحروقات وإعادة تصديرها دون دفع أية ضرائب.”(4)

كل ذلك سينسحب، بلا شك، على العمل في قطاع الطاقة بشكل عام، حيث سيستجلب معه دخول الشركات الصينية على خط الإنتاج أيضاً، لا سيما وأن إيران باتت تشكل “مخزناً” للغاز الطبيعي (المرتبة الثالثة بعد روسيا وقطر) وهو ما يجعلها تسير على طريق “الطاقة النظيفة” بشكل كبير.

يأتي هذا الأمر بعد إنسحاب الشركات الأوروبية العاملة في هذا القطاع، على غرار “توتال” الفرنسية و”أيني” الإيطالية و”سيمنز” الألمانية(5)، بسبب العقوبات الأمريكية في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، من جهة، ناهيك عن فقدان الجانب الإيراني الثقة بـ “الشريك” الأوروبي الذي لم يستطع، إذا لم نقل لم يرد، إنقاذه من براثن العقوبات الإقتصادية. وهنا نذكر بالتحديد الآلية التي قامت بعض الدول الأوروبية بوضعها من أجل الإلتفاف على الإجراءات الأمريكية، والمعروفة بـ “إينستكس”، لتنقذ نفسها – قبل إيران – مالياً لا سيما مع تفشي جائحة “كورونا” التي ضربت الأسس الإقتصادية لمعظم دول العالم.

أيضاً، لا يمكن نسيان “التخاذل” الأوروبي، من وجهة نظر طهران، فيما يخص الإتفاق النووي، وعدم وجود مانع من إعادة التفاوض على الملف(6) – وهو ما كشفه موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون – في وقت تم إقراره بقرار من مجلس الأمن رقم 2231/2015.

في استنتاج لما سبق، يمكن القول أن بكين ستدخل أكثر في عمق هذا القطاع إذ أنه من المرجّح دخول أكبر للشركات الصينية، مثل مجموعة سي.أن.پي.سي – CNPC، حيث سيكون ذلك بمثابة تعويض عن خروج الشركات الأجنبية(7)، ويتقاطع ذلك مع ما ذُكرت من معلومات بأن قيمة الإستثمارات ستبلغ بحدود الـ 280 مليار دولار(8) وستشمل تطوير حقول النفط والمصافي البترولية وغيرها.(9)

من هنا، إستغلت بكين خسارة أوروبا – تحديداً – للسوق الإيرانية، ودخلت لـ “ملء الفراغ” لا سيما في هذا القطاع الحيوي؛ وهنا أيضاً، يمكن قياس الأمر على حدث توقيع أكبر إتفاق للتجارة الحرة بين بكين و14 من دول آسيا والمحيط الهادئ، عقب إنسحاب الرئيس ترامب من “اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ”، إذ إستغلت بكين خروج واشنطن لتقوم بتقديم البديل مباشرة، و”تخطف” منطقة حيوية لها على أصعدة عدة. لكن المهم في الموضوع، كان إخراج ندٍّ من أمامها.

وفي تحليل هام، كلنا يعرف أن الهدف الأول للدول هو الإقتصاد – ما لم يكن هناك دافع أمن قومي – الذي على أساسه توضع السياسات والإستراتيجيات. لذا، يبدو واضحاً بأن العقوبات على طهران، العام 2018، لها خلفية إقتصادية – بجانب العامل الإسرائيلي – حيث أن الشركات الأمريكية لم يكن لها حصة في ذاك السوق.

على سبيل المثال وفي 20 سبتمبر/أيلول 2015، وصل وفد إقتصادي فرنسي كبير إلى طهران، أي بعد حوالي شهر من توقيع الإتفاق النووي وهو ما أزعج واشنطن التي سبق وأن صرّح وزير خارجيتها آنذاك، جون كيري، بأنه من المُبكر الحكم على نجاح الإتفاق.(10) سبق ذلك أيضاً إنتقاده لباريس بسبب إرسالها وفداً إقتصادياً قبل توقيع إتفاق الإطار، 2 أبريل/نيسان 2015، حيث قال لنظيره الفرنسي، لوران فابيوس، إن زيارة الوفد التجاري الفرنسي لإيران “ليست مفيدة وتقدم انطباعاً خاطئاً” بأن البلاد سوق مفتوحة لممارسة الأعمال فيها بطريقة عادية.(11)

المراجع:

(1). انعكاسات اتفاقية الشراكة بين إيران والصين على العلاقات النفطية. 29/3/2021. مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة. على الرابط التالي:
https://bit.ly/39szXMw
(2). تفاصيل صفقة إيران “السرية” مع الصين. 27/3/2021. الحرة. على الرابط التالي:
https://arbne.ws/3w9MdLA
(3). تسمح للصين بالتواجد العسكري وحماية البرنامج النووي الإيراني.. تفاصيل الاتفاقية السرية بين بكين وطهران، فهل يمررها البرلمان؟ 17/7/2020. عربي بوست. على الرابط التالي:
https://bit.ly/2PjOyTE
(4). فرزاد قاسمي. 16/7/2020. “الجريدة” تنفرد بنشر بنود الملحق السري لـ “صفقة ربع القرن” بين طهران وبكين. الجريدة. على الرابط التالي:
https://bit.ly/3rKhUYF
(5). في هذا الشأن، أنظر:
أبرز الشركات الأوروبية المتضررة من العقوبات بحق إيران. 5/8/2018. الجزيرة. على الرابط التالي:
https://bit.ly/2PNP2RF
(6). في هذا الشأن، أنظر:
د. علوان أمين الدين. 1/2/2021. إيران.. عودة إلى التفاوض. مركز سيتا. على الرابط التالي:
https://bit.ly/3cEIm1k
(7). انعكاسات اتفاقية الشراكة بين إيران والصين على العلاقات النفطية. مرجع سبق ذكره. على الرابط التالي:
https://bit.ly/39szXMw
(8). اتفاق بين الصين وإيران لـ 25 عاماً.. ما حجم التنازلات؟ 27/3/2021. العربية. على الرابط التالي:
https://bit.ly/2QIP91o
(9). تسمح للصين بالتواجد العسكري وحماية البرنامج النووي الإيراني. مرجع سبق ذكره. على الرابط التالي:
https://bit.ly/2PjOyTE
(10). كيري: من المبكر الحديث عن نجاح المفاوضات النووية مع إيران. 29/6/2015. الحرة. على الرابط التالي:
https://arbne.ws/3foQZiq
(11). زيارة وفد تجاري فرنسي لإيران تزعج واشنطن. 5/2/2014. الجزيرة. على الرابط التالي:
https://bit.ly/3dnNKVD

مصدر الصور: مركز أطلس للدراسات – الشرق.

موضوع ذا صلة: التواجد الصيني في موانئ المتوسط.. بين الإستثمار والصراع (1/2)

علوان أمين الدين

مؤسس ومدير “مركز سيتا” – لبنان


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •