شارك الخبر

في اليوم التالي لاعتقال قوات الاحتلال الأمريكي الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، غادرت العراق للمرة الأخيرة، حيث انتهت تغطيتي الإعلامية كمراسل للفضائية اللبنانية LBC طوال العام 2003 لغزو العراق واحتلاله ومن ثم انطلاق مقاومته.

بعدها ونظراً للتطورات الدولية المستجدة تجاه الجماهيرية الليبية بعد تفكيكها برنامجها لأسلحة الدمار الشامل، والانفتاح الدولي عليها انتقلت إلى العاصمة الليبية طرابلس مراسلاً ومديراً لمكتب الحياة LBC فيها وما حولها من بداية العام 2004 الذي شهد تقاطراً غير مسبوق لكل من توني بلير وجاك شيراك وغيرهارد شرودر وسيليفيو برلسكوني وغيرهم من قادة الدول الأوروبية والعربية والإفريقية وحتى العام 2011 حيث انتهت فيه مفاعيل تفكيك برنامج أسلحة الدمار الشامل مع هبوب رياح الربيع المسمومة، ليكون عدوان الناتو البديل الدولي الجاهز لتدمر أساطيله وبوارجه ليبيا دولة ونظاماً لصالح دول الناتو وثواره ومجاهديه، وبقية القصة معلومة.

خلال الأسابيع الأولى من عملي في طرابلس، بدأت أدلف إلى دواليب الدولة الليبية التي كنت أعرف بعضها من خلال الدور المرجعي الذي لعبته ليبيا خصوصاً مع حركات التحرّر العالمية ومنها أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية وفصائل الثورة الفلسطينية، عبر إطارات وهياكل فكرية وسياسية أسّسها الزعيم الليبي الراحل معمّر القذّافي مثل “مؤتمر الشعب العربي”، و”القيادة القومية للقوات الثورية في الوطن العربي” و”حركة اللجان الثورية” (التي تعتبر المطبخ الذي يرفد أمانات وهيئات الجماهيرية بالقيادات والإطارات الإدارية والمهنية والسياسية المختلفة، وتعتبر بمثابة الحزب الحاكم في جماهيرية تجرّم قوانينها الأحزاب “من تحزّب خان” وتؤكد أن “الحزبية إجهاض للديمقراطية”، ومن ثم “ملتقى الحوار العربي الثوري الديمقراطي” الهادف من وجهة نظر القيادة الليبية لتوحيد الأحزاب العربية المعارضة، كبديل لفكرة توحيد الأحزاب العربية الحاكمة، وأيضاً في محاولة صقل تيارات الأمة العربية الثلاث في بوتقة فكرية سياسية تنظيمية واحدة تضمّ التيار القومي العربي، والتيار الإسلامي، والتيار الماركسي الذي بات يتيماً بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي، وفقدان الماركسيين العرب لمرجعية تؤطر نضالهم في وعاء الأمة العربية حسبما كان ينظّر لها يومها الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي).

في تلك الأسابيع الأولى من العام 2004 وفي سياق تطلعي لمعرفة الآليات التي يدير فيها معمّر القذّافي دواليب دولة “النظام الجماهيري” الجديد والوحيد حول العالم، التقيت أمين “المؤسّسة العامة للإعلام الجماهيري” الدكتور علي المنتصر فرفر، وأجريت معه حواراً متلفزاً حول الإعلام الليبي انطلاقاً من مسؤولياته الرسمية، أعقبه نقاش ودردشة غير متلفزة تضمّنت مقارنة ومقاربة للإعلام الليبي مع الإعلام العربي الرسمي والخاص. لكنّ الدكتور فرفر تمنّى أن ينحصر الكلام حول الإعلام الليبي، عندها تنبّهت أن الرجل يرغب في الاستماع لوجهة نظر “غير معلّبة” وناقدة للإعلام الليبي.

بعد تردّد وصمت أخبرت محدثي بأنّه لا يوجد في ليبيا إعلام بالمعنى المهني للكلمة. وأن مرحلة الانفتاح المستجدة التي خطتها ليبيا بعد حلّ أزمة لوكربي ورفع الحصار بسبب تفكيك برنامج أسلحة وتقاطر رؤساء دول العالم مع أساطيل شركاتهم الطامحة والطامعة في الحصول على عقود في النفط والطاقة والبنية التحتية، وهذا ما تضج به الصحافة الأجنبية، والأولى أن تضجّ به الصحافة الليبية. وتابعت أنتم مصدر الخبر فيما يخص بلدكم، وبإمكانكم أن تقدموا صورة متناسبة مع التحوّلات الجديدة، لا أن يستقي الرأي العام المعلومات عنكم من الإعلام الأجنبي.

كان الدكتور فرفر يدوّن بقلم رصاص ملاحظات وأفكار من الحوار الذي تحوّل متبادلاً وليس بين صحافي ووزير إعلام. ثم سألني (بطريقة اشتممت منها لحظتها وكأنه يريد تثمير وتنضيج أفكار خاصة بالإعلام): “ما مقترحك بالخصوص؟”، ودون أن أعتقد لبرهة أني سأتحول إلى صاحب اقتراحات، أجبته: “إلغاء وزارة الخوف من الإعلام”.

ردّد فرفر العبارة “وزارة الخوف من الإعلام” طالباً المزيد من الشرح حول الفكرة. فأجبته محاولاً التخفيف من صلافة العبارة.. ليس في ليبيا فقط، إنّما كثير من الدول العربية لديها وزارة الخوف من الإعلام. وهي مسألة مرتبطة بحرية التعبير الذي يبدو أنه حكر على الحكومة التي ترتاب من الإعلام ورجاله، وثمّة نظرة غالبة في البلاد العربية ومنها ليبيا أن الصحفي “جاسوس”. ثم ضربت له مثالاً عن مقارنة إنتاج الصحفيين الليبيين في مؤسّساتهم الليبية، مع إنتاج نفس الصحفيين في المؤسّسات الإعلامية الأجنبية التي يعملون بها، وعن ارتباك خطاب وأداء الصحفي في المؤسّسات الرسمية، وطلاقته وبلاغته في المؤسّسات الأجنبية، وغيرها من الأمثلة التي يضيق المجال بذكرها.

وضع فرفر القلم ودفتر الملاحظات على مكتبه واستدار من خلفه ليجلس بجانبي.. وقال ببعض الخفر “إلغاء وزارة الخوف من الاعلام” مقترح جريء وبصراحة فاجأتني به. وتابع، غالبية من نلتقيهم من الإعلاميين العرب يطرحون علينا نماذج لا يشتمّ منها سوى رائحة “البزنس”، وأنت باقتراحك إلغاء أمانة الإعلام تتجرّد عن البزنس وعمولاته.. ثم تكرّرت اللقاءات مع الدكتور فرفر – الذي عيّن العام 2006 سفيراً في فنزويلا وسفيراً غير مقيم في كولومبيا وبوليفيا وسورينام – وانقطع تواصلنا بعدها نحو 15 عاماً جرت خلالها مياه كثيرة.

بداية العام 2020، فاجأني الدكتور فرفر بمكالمة هاتفية، وجرى بيننا كلام كثير استعرضنا فيه وضع العرب بعدما عصفت بهم رياح “الثورات المعلّبة”. وتوقفنا أمام ما أصاب ليبيا ومآلات الوضع فيها، وإمكانية مغادرتها “نهر الدم”. ما استوقفني وأعجبني بالرجل، أنه لا يقيم في الماضي، ولم يتجمّد فيه، بخلاف نظرائه من غالبية مسؤولي ورموز النظام السابق. بل إن الرجل يتطلع الى المستقبل والتعامل مع معطيات الواقع ومحاولة تليين تضاريسها أو تطويعها ما استطاع لذلك سبيلا.

ويُرجح أن مسيرة الدكتور فرفر العلمية والأكاديمية بين جامعة القاهرة وجامعة مينيسوتا الأميركية وانتهاء بجامعة فيينا التي درس فيها الفلسفة، ثم نال فيها الدكتوراه في الإعلام وعلوم الاتصال، أسعفته في التطلع دائماً نحو المستقبل المرتكز على حقائق التاريخ وثوابته العلمية التي عزّزها تدرّجه في مسيرته المهنية كاتباً صحفياً وأستاذاً جامعياً وباحثاً أكاديمياً نشر عديد البحوث والمؤلفات بينها “إفريقيا: قضايا، مشكلات وطموحات” و”أسُس الإعلام في النظام الجماهيري”، و”من أجل مستقبل أفضل لأوروبا والبشرية” و”العقوبات والتنمية” و”رؤية جديدة لعالم أفضل” و”الاعلام العربي: الحقيقي مقابل المثالي” و”اقتصاد الإعلام: منظور متعدّد التخصّصات” و”بعض الجوانب الأساسية للخطاب الإعلامي” و”دور المجتمع المدني في القضاء على أسلحة الدمار الشامل” وغيرها ممّا يضيق المقال بذكره.

بداية العام الحالي (2021)، أبلغني الدكتور فرفر أن لديه بعض الأبحاث والمقالات، ويرغب بنشرها تباعاً بمعرفتي وتدبيري. بسرور بالغ تلقفت بحثه الأول “ليبيا خطوط السياسة والسيادة” الذي تلقفه موقع “قناة العربية” ونشره، 17 ديسمبر/كانون الأول 2020، كما تلقف أيضاً ونشر بتاريخ 29 يوليو/تموز 2021 بحثه الثاني “المواطنة والمشاركة السياسية: الحالة الليبية”، الذي نشره أيضاً “مركز سيتا” في بيروت على حلقتين.

في 4 سبتمبر/أيلول 2021، اكتظّت وسائل التواصل الاجتماعي بخبر مؤسف يتحدث عن تعرّض الدكتور علي فرفر لحادث سير أليم أدى لوفاته بعد أيام عصيبة من المعاناة والألم. وقد لفّ ليبيا وعاصمتها طرابلس مناخاً من الحزن والحداد، كما ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بأقلام طلبته وزملائه وأصدقائه ورفاقه تنعيه وتتحدث عن مآثره وتجمع على أن ليبيا والوطن العربي فقدوا قامة علمية اشتهرت بالحكمة والحصافة وتميّزت بالمنهجية الصافية في أدائه كأكاديمي وأستاذ جامعي وباحث ومفكر، وأيضاً كمسؤول رسمي يمتلك رؤية مستقبلية.

والحقّ أن وفاة الرجل وهو في عزّ عطائه نحو المستقبل، ترك في نفسي أثراً بليغاً ودرساً كبيراً عن قدرة الأقدار وتحكمها بمقادير البشر. والحق أيضاً أني حاولت أن أنعى الأخ والصديق، سيّما وأنّه فوّضني توقيراً وتقديراً بنشر بعض مقالاته وأبحاثه. وعلى مدى أشهر مضت والرجل لا يفارق مخيلتي، وصخب كلماته الهامسة والهادئة تضجّ في عقلي ووجداني.

منذ أيام خلت وردتني رسالة على تطبيق “الواتساب” من رقم لا أعرفه. ثم عرّف المتصل عن نفسه “أنا المنتصر إبن الدكتور علي فرفر”. أهلاً وسهلاً، وترقرقت عيناي بالدموع. وتجمّدت يد المنتصر عن الكتابة. ثم قال إن لوالدي بحثاً أتمنى لو تتمكن من نشره.

هكذا تتناسل الأمور من بعضها. وهنا بدت قناعتي بأنّ د. علي فرفر كان فعلاً رسالة نحو المستقبل، وكذلك فكره. أمّا بحث ما بعد الوفاة “الإعلام والهوية الليبية: محاولة تأصيلية” الذي وصلني من “المنتصر” مدجّجاً بالمراجع والهوامش ومكوّناً من 12 ألف كلمة يتوزعون أربعة محاور وخاتمة استشرافية قيّمة.

في قراءتي لبحث “الإعلام والهوية الليبية: محاولة تأصيلية” استوقفني كلام الدكتور فرفر أن “تحرير ليبيا لن يكتمل إلا بتحرير الهوية الليبية، وبتحرير الليبيين من براثن الجهل والأمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعرفية، وهو ما يتطلب مشروعاً ثقافياً وطنياً شاملاً ذا أبعاد استراتيجية.. فالهوية ثقافة قبل أن تكون انتماءً جغرافياً أو موقفاً عاطفياً أو حالة تاريخية أو شكلاً دستورياً أو قانونياً، وحين تترسّخ مثل هذه الثقافة وتتجسّد سوف تسقط أوراق التوت تلقائياً عن كل الهياكل المهترئة التي تتاجر بالهوية وبالوطن، وتشرق شمس الحقيقة على ليبيا الجديدة، ليبيا القادمة.”

ثم استعدت شريط معرفتي بالدكتور فرفر، وعادت بي الذاكرة إلى لقائنا الأول حول الإعلام الليبي واقتراحي بإلغاء “وزارة الخوف من الإعلام” كما أجبته يومذاك. ووجدت في مساهمة الدكتور فرفر التأصيلية تصحيحاً لمقترحي، وخطوة نحو مستقبل ليبيا الجديدة القادمة..

نشر بالتزامن مع موقع العربية نت.

مصدر الصور: العربي الجديد – العربية نت.

موضوع ذا صلة: الإعلام والهوية الليبية: محاولة تأصيلية(5/1)

علي شندب

مراقب سياسي وإعلامي – لبنان


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •