شارك الخبر

الأحجية الأوكرانية

من المنظور الجيوسياسي، لا روسيا أوراسية بدون الركائز الثلاث: أوكرانيا، أذربيجان، أوزبكستان. تقع أوكرانيا حسب الغرب في “حافة” الشرق ونهاية غرب القارة وتقول المصادر التاريخية أن أوكرانيا تعني Borderland أي “أرض الحدود” وعلى مدى 300 عام كانت جزءاً من روسيا القيصرية.

إن طول حدود أوكرانيا 4566 كلم، منها 1576 كلم مع روسيا. وسواحلها تمتد 2782 كلم من البحر الأسود إلى بحر آزوف، يتجاوز عدد سكانها الروس 40% من الـ 52 مليون مواطناً. بالمفهوم الروسي، أوكرانيا دولة شقيقة بالمعيارين العرقي والمذهبي، وهي ركن أساس في القوة السلافية البيزنطية، ويؤكد الروس أن خسارة أوكرانيا ليست خسارة جيو – سياسية فحسب، إنها خسارة لجزء من التاريخ والذاكرة ومكونات الهوية الروسية.

باختصار، حدود أوكرانيا كالتالي: روسيا من الشرق، بيلاروسيا من الشمال، ومن الغرب، بدءاً من الشمال إلى الجنوب بولندا، سلوفاكيا، هنغاريا، رومانيا، مولدافيا.

أما بعد، فلنبدأ من البداية. وفي البداية، ان ثلاثة رؤساء من الجمهوريات الاتحاد السوفياتي، الذين كانوا من ذوي النزعة السلافية التي تطمح بأن تكون جزء لا يتجزأ من أوروبا والغرب معاً، وهم بوريس يلتسن الرئيس الروسي، ليونيد كرافتشوك الرئيس الأوكراني، ستانيسلاف شوشكوفيتش الرئيس البيلاروسي، اجتمع هؤلاء الثلاثة وقرروا تفكيك الاتحاد السوفياتي، 8 ديسمبر/كانون الأول 1991. وفور اتخاذ القرار، بلغوا الرئيس الأميركي بوش الأب آنذاك، الذي هنأهم ورحب بالقرار ووعدهم خيراً. ثم بلغوا الرئيس غورباتشوف، الأمين العام السابع للحزب الشيوعي السوفياتي الذي لم يعترض، وقام بدوره وأعلن حل الاتحاد السوفياتي، 25 ديسمبر/كانون الأول عام 1991 أيضاً.

مرَّت أوكرانيا في مخاض عسير قبل أن تتبلور فيها الأمور. ففي الانتخاب الرابع، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2004 من حياة الاستقلال، تنافس على الرئاسة فيكتور يانوكيفتش المؤيد روسياً. وفيكتور يوتشنكو رئيس البنك المركزي منذ 1993 ومتزوج من أميركية، فاز يانوكيفتش، فتصدت له “الثورة البرتقالية” بدعم أميركي واتهمته بالتزوير والخداع والفساد. هنا لا بد من الإشارة إلى أن يانوكيفتش يأتي من الشرق المنطقة الصناعية في أوكرانيا، بينما يأتي يوتشنكو من الغرب الزراعي. بكلمة الانقسام الايديولوجي والسياسي يسير بموازاة الخط الجغرافي في منتهى الوضوح.

إبان الانتخابات دخل ليخ فاليسا – Lesch Walessa الزعيم البولاندي قائد التضامن، فألقى خطبة عصماء: “أنا عارضت الاتحاد السوفياتي وعارضت الشيوعية وانتصرت وعلى أوكرانيا أن تنتصر كذلك”!!!

وفي نفس البرهة أتى شيكاشتفيلي حاملاً الجنسية الأميركية والجنسية الأوكرانية والمنبوذ في جورجيا ليزيد الطين بلة وينادي بفوز يوتشنكو. الفريق الغربي كان يركز على اقتصاد السوق والحريات العامة وحقوق الإنسان ويتهم الرئيس بوتين بالتدخل والتمويل. أما دراسة الانتخابات فقد أوضحت، “إن تلك الثورة المسالمة قد قامت بها منظمات غير حكومية طالبية، منظمة ومدرّبة على أيدي منظمات غير حكومية على وجه الخصوص لتراقب الانتخابات وتمنع الغش والتزوير والتلاعب بالنتائج مع ملايين الدولارات الأميركية. والنتيجة كانت حرمان يانوكيفتش من الرئاسة بعد لعبه بالدستور والقانون والتجني على روسيا، أقول أن المنتصر كان موسيقى الروك والمسرحيات والطعام المجاني في الاحتفالات.

استمرت هذه الأمور، على نفس المنوال، حتى العام 2013 – 2014 عندما وقع انقلاب على يانوكيفتش في 21 – 22 فبراير/شباط 2014 الذي لجأ إلى موسكو. رد موسكو هذه المرة كان صاخباً. ضم الرئيس بوتين شبه جزيرة القرم إلى الاتحاد الروسي، وبدأت الحرب آنذاك بدون توقف حتى يومنا. مع الفرق الوحيد، وهو أن بوتين قام بضربة استباقية نوعية وأعلن الحرب على الأطلسي عبر البوابة الأوكرانية. في هذا المنعطف، أقدم لائحة بالأحداث الرئيسية التي أفضت إلى الحرب، 24 فبراير/شباط 2022.

أولاً، إن هنتر بايدن – Hunter Biden، ابن نائب الرئيس الأميركي بايدن آنذاك، الذي استلم إدارة شركة الغاز في أوكرانيا بصفة مدير عام غير سياسي. أما وقد أصبح بايدن رئيساً محارباً لأميركا، الرئيس الذي يوجه الحرب مع الغرب بكامله الأوروبي ويسلح مع حلفائه اليهودي الصهيوني زيلينسكي البيدق الغربي وي وفر له المليارات لمؤازرته في حرب نهاية أوروبا الجزيرة الكونية في حربها الرابعة. وقد لا يصدق البعض موضوع المدير العام هنتر وعلاقته مع الرئيس بترو بوروشنكو، كما ورد في انترناشيونال هارلد تربيون – Int. Herald Tribune، 29 ديسمبر/كانون الأول 2015، إذ يقول بايدن، أنه مع الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي – IMF “كانوا على اتصال دائم من أجل ترتيب الأمور بمساعدة أميركية وتحادث مع بوروشنكو لألف ساعة 40 مرة و16 مرة مع رئيس الوزراء أرسني ياتشيوك، ولم يأتِ على ذكر ابنه وأعماله التجارية في أوكرانيا”. وأوجز قائلاً “أنا أتحدث مع الأوكرانيين أكثر مما أتحدث مع زوجتي”!

ثانياً، إن أميركا فرضت إقامة درع صاروخية مضادة للصواريخ على الأراضي الأوروبية في تشيكيا وبولندا، على مقربة من روسيا، 1 أغسطس/آب 2015.

ثالثاً، أما حلف الأطلسي – NATO “المسالم” فقد أجرى مناورات عسكرية في أوكرانيا لنفخ احتمالات الحرب بالدبابات والمدرعات التي كانت فقط على بعد 300 متر من الحدود الروسية، المناورات التي سخر منها بوتين رغم الاستفزاز الذي أحدثته، 29 يوليو/تموز 2015.

إقرأ أيضاً: أوروبا في مأزق.. والسبب الصراع الروسي – الأمريكي

رابعاً، الأحزاب اليمينية المتطرفة بزعامة حزب “سفوبودا” النازي التي كانت تناهض الحكم الذاتي في الإقليم الشرقي، وقانون الأقاليم الذي يحترم الأقليات وتعليم اللغة الروسية.

خامساً، القيادة المركزية الأوكرانية، وخاصة من عهد بيترو بوروشنكو وصولاً إلى زيلينسكي التي كانت تطالب بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي، القيادة التي يفسر سلوكها الطب النفساني بأن كراهيتها المقيتة لروسيا هي من صُنع خلقي فطري – congenital. وهذا التصنيف جاء كرد على مقولة مرض التوحد الذي يعاني منه بوتين، ويخاف منه الغرب، المرض الذي قد يدفع الأخير في حال هزيمة نكراء إلى اللجوء إلى استخدام القنبلة النووية التكتيكية لإنقاذ نفسه وامبراطوريته في آن واحد.

الحلف الأطلسي آلية للهيمنة والعدوان

“الوعي العبودي يهدف الحفاظ على الذات الخانعة، أما التمرد فهو للبحث عن الحرية للعبيد”. بعد هزيمة مخزية للولايات المتحدة في فييتنام، ظهر جيل جديد يتهم السياسيين بخذلان الجيش لأنهم لم يسمحوا له “بقنبلة تُعيد فييتنام إلى العصر الحجري” كما وعد الجنرال وستمورلند – Westmorland. وعندما عُين زبيغينو بريجنسكي مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر (1977 – 1981)، وقف قائلاً: “أنا أول بولندي منذ 30 عام في موقع يستطيع أن يصرع/يلدغ”، ثم راح يتبختر في طرحه واعداً بخلق “فييتنام سوفياتية” للروس في أفغانستان. وهكذا فعل بالحقيقة، إذ تورط بريجنيف بإرسال الجيش إلى أفغانستان لحماية حكومة زعمت إنها شيوعية في أفغانستان.

وعلى ذلك المنوال، تبارز عقائديو المارق الضخم الأميركي – The Rogue Colossus بالاستخفاف، والاحتقار والازدراء بالاتحاد الروسي ووضعوه في خانة فولتا العليا مع قنابل ذرية Upper Volta With Nukes، أي بوركينا فاسو – Burkina Faso بقنابل نووية، بينما كان معظم عقلاء الغرب يعبرون عن مخاوفهم من قيام Resurgent Russia انبعاث ولادة روسيا، والبعض منهم كان يحبذ ضم روسيا إلى الاتحاد الأوروبي عبر أوكرانيا، إذا لم يكن من الممكن إدخال روسيا إلى الحلف الأطلسي. وأخيراً، اقتنع أحد مفكري أميركا الجيو – سياسيين شارل كوبتشان – Kupchan، وتقدم بطرح محرج: “لماذا يجب أن نضم روسيا إلى الحلف الأطلسي؟” وأصر على القول بعد مناقشة مستفيضة بطرح مقولة: “حلف واحد باستراتيجيتين – One Alliance, Two strategies”، وندد بعزل روسيا وإبعادها عن الاتحاد الأوروبي والتعامل معها كمنبوذ استراتيجي واختتم قائلاً: “لا نظام أوروبي عام وفاعل بدون روسيا”.

الحلف الأطلسي – NATO الذي تأسس في 4 أبريل/نيسان 1949 “كقوة دفاعية” ضد الاتحاد السوفياتي، من ذلك الوقت حتى يومنا هذا يُدعى The Hedge, the Hub الحاجز والمحور لمنع تمدد الاتحاد السوفياتي وبعده الاتحاد الروسي. بُني الحلف على أكذوبة تاريخية مفادها: إن الاتحاد السوفياتي دولة إمبريالية توسعية مصممة على احتلال أوروبا الغربية وضمها إلى الاتحاد السوفياتي. لذلك، على أميركا تبني نظرية الاحتواء لمنع التمدد الروسي، وبالتالي سينفجر الاتحاد السوفياتي من الداخل – by implosion، بعد تطويقه في 44 معاهدة مع دول العالم وكان كبير المنظرين لمقولة الاحتواء جورج كنان – Kennan الخبير السوفياتي الأكبر.

لكن عدداً لا بأس به في تلك الفترة، من المؤرخين، اعتبروا إن ذريعة نظرية الاحتواء تهدف لتحويل تحرير أوروبا وجعلها جزءاً من المنظومة الأميركية. ولدحض مقولة الاحتواء، أكد المؤرخون، إن السوفيات لا يمتلكون القوة أو الإرادة لغزو أوروبا الغرربية، علماً أن الأحزاب الشيوعية في فرنسا وإيطاليا كانوا شركاء في السلطة ولم يطرح أي شيوعي أي مشروع للانقلاب على تلك الدول (Foreign Affairs, May-June, 2010) ولم يمض زمن طويل، حتى وقعت أزمة صواريخ كوبا وتسويتها حتى طُرح مقولة الانفراج (Detente). وخلافاً لما توقع المراقبون، قررت أميركا تبني نظرية الأحزمة الثلاثة لتقويض الاتحاد السوفياتي أو على الأقل، زعزعته. وقد تمثلت الأحزمة، أولاً بالحزام الأحمر الصيني، وبدأت في عهد نيكسون كسينجر سياسة المصالحة مع الصين والاعتراف بحقها بالفيتو في مجلس الأمن الدولي، وتحريضها على السوفيات واستغلال الخلافات بين العملاقين الشيوعيين. لكن ما حسم أمر التوجه الصيني غرباً هو الاعتراف بوحدة الصين وحق الصين في ضم تايوان إلى الوطن الأم، الصين.

ثانياً، الحزام الإسلامي الذي نظمه بريجنسكي بالتواطؤ مع الدول الإسلامية وعلى رأسها مصر والسعودية بغية تحرير أفغانستان من الشيوعية، وتالياً إطلاق المارد الإسلامي الذي تجسد أولاً في محمد بن لادن ولاحقاً تحوّل إلى ثورة إسلامية التي جاء منتوجها بالداعشية وغيرها من الحركات الإسلامية.

ثالثاً، الحزام التكنولوجي الذي استهدف روسيا وشرق أوروبا واغرق العالم بمناهج الاستهلاكية وتفاهاتها. لكن الأخطر في الحزام كان اتفاقية هلسنكي Helsinki، 1 أغسطس/آب 1975، والانفتاح على الغرب والتفاعل مع أوروبا والحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان التي أغوت المنظومة الاشتراكية بأحابيلها، وكانت السبب الرئيسي في اندحار الاتحاد السوفياتي وانهياره من الداخل بدون إطلاق رصاصة واحدة!

أما بعد، اتسم الحلف الأطلسي بمزية التوسع، وقد وصل عديد أعضائه إلى 30 عضواً. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ضم إلى عضويته، 12 مارس/آذار 1999، تشيكيا، المجر، بولندا وهذه الدول تقع على حدود أوكرانيا في أوروبا الشرقية. وفي 29 مارس/آذار 2004، ضم استونيا، لاتفيا، ليتوانيا، بلغاريا، رومانيا، سلوفاكيا، سلوفينيا. وهذه الدول كانت إما دول ضمن الاتحاد السوفياتي أو جمهوريات اشتراكية مجاورة. ويقول وسيم قلعجية في كتابه “روسيا الأوراسية”،صفحة 150، إن ذلك الضم “تزامن مع تبني البرلمان الأوكراني في لعبة سياسية خطيرة بعد إعلان ترحيب الأطلسي بالطموحات الأطلسية لكل من أوكرانيا وجورجيا مع التزام قادة الحلف أن يصبح هذان البلدان عضوان في الحلف يوماً ما في القمة المنعقدة في 3 أبريل/نيسان 2008 ، وتبعه منح كامل عضوية الحلف لكلٍ من ألبانيا وكرواتيا في 2 أبريل/نيسان 2009.”

للتذكير، كان من المتوقع تسريح قوات الحلف الأطلسي بعد حل الاتحاد السوفياتي وإلغاء حلف وارسو Warsaw ، العام 1991، بغية الاستفادة من “ربحية السلام”. لكن العكس حدث، وفرضت الولايات المتحدة هيمنتها على العالم.

إن الحرب المندلعة هذه الأيام، هي حول ضم أوكرانيا وجورجيا إلى الحلف الأطلسي، المسألة التي قد تؤدي إلى حرب عالمية ثالثة، إذا لم ترتدع أميركا والاتحاد الأوروبي المنضوي تحت الراية الأميركية، وأرى أن تفادي تلك الحرب، يكمن في نزع سلاح أوكرانيا ومنحها “الحياد” في تسوية بين روسيا الاتحادية وأميركا. أما وقد قيل، أن زيلينسكي هو اليهودي المدافع عن الحرية والديقمراطية في أوكرانيا كما ورد في مجلة تايمز الإسرائيلية – Times of Israel، وإن زيلينسكي هو البطل اليهودي الذي أعطاء اليهود للعالم كما جاء في مجلة أطلنطك – The Atlantic، فإن في ذلك الموقف أمر خطير يدعو عملياً إلى اقتلاع الازدراع الصهيوني في فلسطين من اجل السلام العالمي ومن أجل منع التبجيل بالنازيين والإرهابيين وأدوات الحروب في كل مكان.

10 – خاتمة واستنتاج: من التوجه غرباً إلى التوجه شرقاً

في أيام مراهقتي، قبلها وبعدها، كنت أنا وأترابي نتطلع غرباً كما معظم شباب العالم، إلى الترقي والتغيير والتحديث. أما اليوم، وأنا في شيخوختي، أعلّم أحفادي للتطلع شرقاً من أجل التحديث والتجديد وإنسانية جديدة محورها الشرق الصاعد، حيث سيسود ويتآخى مشروعي أوراسيا والحزام والطريق.

أراني الرئيسين بوتين وشي جين بينغ يخاطبان بايدن وقائلين: أنت لديك الساعة ونحن لدينا الزمن. أنت لديك التكتيك ونحن لدينا الاستراتيجية. أنت لديك الحلف الأطلسي ونحن لدينا شعوب المعمورة التي يجب افتداؤها!
تعقلوا!
إن إمبراطورية الحرية من أجل الحرية محكوم عليها، مثل جميع هياكل الغزو والسيطرة والأستغلال.
آمين.

مصدر الصور: سبوتنيك – إندبندنت عربية.

د. جورج حجار

رئيس منتدى العروبة للدراسات الاشتراكية – لبنان


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •