شارك الخبر

حوار: سمر رضوان

لا تزال ترددات قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول القدس تتفاعل بشكل كبير، لا سيما وأنّ إسرائيل تبحث، مع كثير من الدول التي صوّتت ضد القرار في الجمعية العامة (مثل غواتيمالا)، بنقل سفاراتها إلى القدس من أجل إضفاء “الشرعية الواقعية” على قرار الرئيس ترامب. على النقيض من ذلك، تتحرك الكثير من الشعوب والحكومات العربية والإقليمية بشكل مضاد للحفاظ على حق الفلسطينيين الشرعي بالقدس كعاصمة موحّدة للدولة، إضافة إلى حق العودة، وغيرها من الحقوق الأخرى التي سُلبت منه.

لبحثٍ أوسع وأشمل وقراءة لتبعات هذا القرار، تقول ثريا عاصي، الكاتبة السياسية والإعلامية اللبنانية، لمركز “سيتا“، أنه “يخيل إلي أن العالم يريد إغراقنا في الشكليات، فلقد أُعطي الفلسطينيين، خصوصاً بعد التوصل إلى اتفاقية أوسلو 1993، مؤسسات دولة وهمية أو افتراضية، أو بتعبير أدق ما يشبه تجسيم الدولة.”

وترى الكاتبة عاصي أنه “للأمانة نقول إن هذه السيرورة بدأت قبل ذلك برواية عن القرار الوطني المستقل الدولة الفلسطينية سنة 1988. فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي ترطبت حكومته مع الحكومة الإسرائيلية بإتفاقيات وعلاقات في جميع المجالات من ضمنها التعاون العسكري، يحاول “تجسيم” اهتمامه بالقضية الفلسطينية عن طريق نقل السفارة من مكان تحت الاحتلال إلى مكان آخر تحت الاحتلال أيضاً. هنا، يحسن التذكير أن زعماء منظمة التحرير توهموا، وأوهموا الفلسطينيين، بأن النهج الذي يسلكونه سوف يؤدي إلى انسحاب المستعمرين الإسرائيليين من القدس ومن الضفة الغربية. بالطريقة ذاتها، أوهمت القيادة المصرية، المصريين أيضاً، بأن سيناء قد “عادت”، ولكن ها هي الحرب تشتعل فيها من جديد.”

وتشير الكاتبة عاصي إلى أن موقف روسيا، كمثال عند الحديث عن موضوع القدس الشرقية، يدل على أنهم “يدعمون الشرعية الدولية التي تعتبر أن الضفة الغربية، والقدس الشرقية، والجولان السوري أراضٍ محتلة، بالإضافة للإشارة إلى ضرورة احترام اتفاقية أوسلو (التي وقعها الزعماء الفلسطينيون وليس قادة روسيا) بضمانات وهمية من المجتمع الدولي كما اتضح ذلك من المأساة التي عاشها ياسر عرفات في “المصيدة” الإسرائيلية التي نصبت له، إذ ليس مستغرباً أن يكون الإسرائيليون الذين قتلوا إسحق رابين، رئيس وزرائهم، هم الذين قتلوا ياسر عرفات أيضاً. خلاصة القول، إن القدس مدينة فلسطينية محتلة، هذا يعني أننا حيال أوضاع ناتجة عن هذا الاحتلال، وهو ما يتطلب حلاً لقضية الاحتلال. أنا شخصياً، وبكل تواضع، أقول أني لا ألاحظ مسعى حقيقياً لمعالجة هذه القضية المستمرة منذ مائة سنة.”

وبالعودة إلى تصريح الرئيس الأميركي، تقول الإعلامية عاصي “صوّر الموضوع عن طريق الإكثار من استخدام كلمات “يهود” و”أبدية” و”أزلية” على أن هناك منازعة دينية بين الإسلام من جهة واليهودية من جهة ثانية. في هذا المجال، سيقف المجتمع الدولي طبعاً مع اليهودية ضد الإسلام، فنحن لا ننسى أن هذا المجتمع تبرأ، كذباً وخداعاً من جريمة ألمانيا في ظل الحزب النازي الذي حاول تصفية اليهود في أوروبا، أقول كذباً وخداعاً لأن الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، ارتكبوا جرائم مشابهة لجرائم الحزب النازي الألماني ولكن في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية وأستراليا، وهم لا يزالون يرتكبون جرائم مماثلة حتى الآن. أما الإسلام، فلقد توكلت في تشويهه وتحريفه المملكة السعودية ودول الغرب، بواسطة تنظيمات القاعدة وجبهة النصرة وداعش والزرقاوي والبغدادي وهجمات 11 أيلول في نيويورك وغيرها من الأعمال الإرهابية التي وقعت في المدن الأوروبية. إن القضية الفلسطينية ليست قضية دينية وإنما هي قضية استعمار استيطاني عنصري.”

وعن تقسيم القدس إلى شرقية (عربية) وغربية (إسرائيلية)، ترى الكاتبة عاصي أن ذلك “يعيدنا إلى وهم فلسطينين ودولتين. لذا، فالأمر من وجهة نظري لا يعدو كونه مضيعة للوقت أو مناورة إشغال. فلو كان نصف فلسطين أو ثلاثة أرباع مساحتها كافية للمشروع الاستعماري لما وقعت حرب حزيران 1967 من أجل احتلال سيناء والضفة الغربية وهضبة الجولان.”

وتضيف الإعلامية عاصي أنّه “لا يجب أن ننسى أن إسرائيل دولة استعمارية، وليست دولة دينية كما يحاول إظهارها الإسلاميون والإسرائيليون أيضاً، ولا يجب أيضاً أن يغيب عنا، أن إسرائيل تعتبر، على الصعيد الدولي، دولة كبرى من حيث حجم تأثيرها في السياسة الدولية. هذه المعطيات كانت معروفة من الوطنيين العرب منذ أن بدأت معالم المشروع البريطاني في فلسطين بالظهور، أي منذ أن دخلتها قواتهم في نهاية الحرب العالمية الأولى. فلولا بريطانيا لما كانت إسرائيل. ما أود قوله، إن الإسرائيليين المستعمرين لن يقبلوا بالقطع بتقسيم فلسطين، أو تقسيم القدس، او بالتراجع عن الأرض التي استولوا عليها، ولا شك في أن لديهم خطة من أجل ضم أراضٍ أخرى لدولتهم، في سيناء والأردن وسوريا ولبنان. إن التعامي عن هذا كله هو كالاختباء من الصياد بدفن الرأس في الرمل.”

في المقابل، توضح الكاتبة عاصي أنّ هذا كله “لا يعني أن النجاح في تحقيق الخطة الاستعمارية حتمي، ولكن إفشاله يتطلب مقاومة، علماً أن المقاومة لا تكون فقط بالوسائل العسكرية، هذا إذا توفرت مصادر السلاح اللازم للمقاومة، ولكن بأساليب ووسائل متعددة تختلف بحسب المكان والتاريخ وموازين القوى. فمن البديهي، والمفترض، أن مقاومة المستعمر في سنوات 1950 أو 1936، تختلف عن المقاومة في هذا الزمن.”

أما عن مسألة مواجهة السلطة والقوى الفلسطينية لقرار الرئيس الأميركي، تجيب الكاتبة عاصي بالقول “الإجابة صعبة، أو لنقُل إنها معروفة ولكنها صعبة التحقيق أو التطبيق أو المنال. من نافلة القول أن القيادة الفلسطينية، بإعتبارها حركة تحرير وطني، “صودرت” منذ زمن بعيد على يد نُظم الحكم العربية التي تغلغلت في جسم هذه القيادة وأسرتها حتى لا تكون نقيضاً لها وبديلاً عنها في إعادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني إلى مكانها الطبيعي المركزي أي حركة التحرر العربية. نتيجة لما سبق، انضمت منظمة التحرير الفلسطينية إلى هذه النُظم، واعتبرت نفسها نظاماً حكومياً عربياً، وراحت تنتهج سياسة حكومية تجاه الفلسطينيين وتجاه “الشعوب العربية الشقيقة” والشعب اللبناني الشقيق الذي كانت تعيش بين ظهرانيه بوجه خاص.”

من خلال ما تقدّم، تقول الإعلامية عاصي: “يتم تسليط الضوء على المستنقع الذي توجد فيه القضية الفلسطينية في الراهن وعلى الروافد التي صبت فيه، ويعلو النقيق كلما سقط شهيد، في حين أن المسؤولين يبدون كما لو أنهم يستعدون لحزم حقائبهم. فليس بأيديهم حيلة لأنهم شركاء، برأيي، في ترتيب هذه الأوضاع وفرضها من جانب المستعمر، على الفلسطينيين في الضفة والقطاع وفي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وسوريا.”

وحول وضع القوى الفسطينية عموماً، ترى الكاتبة عاصي أن “السلطة الفلسطينية، في الجوهر، هي صنيعة المستعمر، أما القوى الفلسطينية فقد “روضت” فلا يخرج منها، من وقت إلى آخر، إلا شاب أو صبية، يقوم بضرب أو طعن جندي إسرائيلي أو صفعه. لذا أقول، إن السلطة لا تستطيع فعل شيء لمواجهة قرار الرئيس الأميركي لأنها مرتهنة له، ورهنت الفلسطينيين معها، أما القوى الفلسطينية فهي مكبلة أو مسجونة، تخاف المسؤولين الفلسطينيين كما تخاف سلطة الاحتلال.”

أما عن موقف حركة حماس وارتباطاتها الخارجية، تقول الإعلامية عاصي “قد يُسمح ربما لزعماء حماس بأن يتصالحوا مع سلطة الرئيس محمود عباس، سلطة رام الله، ولكن المسألة الرئيسية تتمثل بعدم ربط قطاع غزة وأهله بالضفة الغربية وأهلها. أما العلاقة التي تربط بين حماس وبين حزب الرئيس أردوغان، وقطر، فهذه علاقة لا تحتاج إلى برهان على وجودها، فقلد اتضح ذلك من خلال الحرب على سوريا التي خاضتها حكومة الرئيس أردوغان وحركة حماس ودولة قطر تحت راية الإخوان المسلمين. هذا، في اعتقادي، معطى ثابت. أما مسألة التباينات التي تظهر منذ مدة في مواقف حركة حماس، فمن المحتمل أنها انعكاس للاستدارات والتحولات التي يزعم البعض أنها تجري في السياسات التركية، في سوريا والخليج، اذ يتناهى إلى العالم حدوث تقارب ملموس بين الروس والأتراك والإيرانيين أيضاً، بالإضافة إلى اضطرار تركيا إلى إرسال قوات عسكرية إلى قطر في إطار الأزمة بين قطر من جهة وبين مصر والسعودية من جهة ثانية. إنّ المشكلة، في رأيي، تتمثل بإحياء العلاقة بين حركة حماس، التي توافق على إقامة دولة فلسطينية ضمن حدود 1967 (قلنا إن هذه الدولة وهم وإلهاء) من ناحية، وبين “قوى المقاومة الأخرى التي لا تعترف أصلاً بالكيان الإسرائيلي”، من ناحية أخرى.”

وتشير الكاتبة عاصي، حول مدى إمكانية انتهاج حماس لسياسة خاصة (وموحدة) بها تتوافق مع الكثير من القوى المقاومة في فلسطين، إلى انّ هذه الفرضية “تبرز في الواقع جميع التناقضات التي تجعل القضية الفلسطينية أكثر من قضية، وأن توحيدها في قضية واحدة لا يبدو أنه بالأمر اليسير. هذا بالضد تماماً من القضية الإسرائيلية، فهذه الأخيرة هي من حيث الجوهر قضية واحدة: دولة استعمارية هي جزء مكون في الحاكمية العالمية، يخرج منها عدة فروع: دولة غربية، علمانية، يهودية ..الخ، بينما تقاسمت القضية الفلسطينية منذ البدء، العائلات، ثم نظم الحكم العربية ثم الفصائل الفلسطينية، ثم السلطتان الفلسطينية، ثم تحولت إلى قضية دينية، في موازاة انقباض الأرض التي يقف عليها الفلسطينيون. من هنا، ان المنطق الديني لا يجيز لحركة حماس الموافقة على حل الدولتين، مثلما أنه لا يجيز لقوى المقاومة الأخرى، التي لا تعترف أصلاً بالكيان الإسرائيلي، الاجتماع والتنسيق مع الجهات التي تنسق مع المستعمرين الإسرائيليين وتعترف بدولتهم.”

وتختم الكاتبة عاصي “إن مجمل القول أن الفصائل التي تتعهد القضية الفلسطينية تسلك في غالبيتها، نهجاً يخالف المنطق، فلا شك في أن ذلك أضر كثيراً بهذه القضية، وتسبب بإحداث بلبلة كبيرة في صفوف الناس، نتج عنها غموض في مفهومية الوطن والمجتمع الوطني، بالإضافة إلى انعدام الثقة في جدوى النضال من أجل انتزاع الوطن من المستعمرين ومن المتسلطين الأصليين.”

مصدر الصور: قناة “أن.بي.أن” – جريدة الشروق العالمية – دي دبليو – وكالة القدس للأنباء.


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •