شارك الخبر

إبراهيم ناصر*

تُعد الإضطربات الأمنية التي شهدها الصومال في بداية التسعينيات من القرن العشرين، أولى إشارات تراجع الحالة الأمنية بإقليم القرن الأفريقي، وبسبب إنهيار الحكومة المركزية في مقديشو، وانفراط العقدة الأمنية هناك، هُجّر الملايين من الصومالين من وطنهم، بجانب ذلك أصبحت الصومال ملاذاً للتنظيمات المسلحة، فضلاً عن ساحة لتصفية حسابات بين قوى إقليمية متصارعة.

وهنا المقصود بالقوى الإقليمية المتصارعة الجارتين العدوتين إثيوبيا وإرتيريا، إذ تأزمت العلاقات بينهما بسبب ملف حدودي، تسبب في إندلاع حرباً بينهما في العام 1998، حتى وضعت الحرب أوزارها بإتفاق الجزائر في العام 2000. ولكن بسبب الخسائر المادية والبشرية التي تكبدتها كل من أسمرة وأديس أبابا، دفع البلدين إلى خيار بديل لسيناريو الحرب وهو إدامة الصراع من خلال استخدام القوى المتنازعة في الصومال. وفي هذا السياق تُشير بعض التقارير الإستخباراتية إلى دعم أسمرة لحركة الشباب المجاهدين الصومالية، ما أدى إلى فرض الأمم المتحدة عقوبات إقتصادية وسياسية عليها، بينما تؤكد تقارير أخرى دعم أديس أبابا لأطراف مسلحة أخرى، وهذا ما أدى إلى إطالة أمد الأزمة الصومالية.

ومن تداعيات الأزمة الصومالية تهديد القراصنة الصوماليين لأمن مضيق باب المندب، والذي يُعد أهم ممر مائي للتجارية الدولية، وهذا التهديد برر لتواجد قوى عسكرية على السواحل الصومالية بدعوى حماية المضيق، وبذلك فرض حصاراً دولياً على الصومال، ما أدى إلى تأثر الأوضاع الإقتصادية فيه، وبالتالي تأزمت الحالة الإنسانية، وإنتشرت المجاعات والأوبئة.

وبسبب الأزمات الإقتصادية والأمنية والإنسانية التي ضربت الصومال، ضعفت الحكومة المركزية في مقديشو، وتراجعت إمكانية سيطرتها على الأقاليم الطرفية، مما تسببت في تعالي أصوات النزعات الإنفصالية في بعض الأقاليم، إعلان إقليم “صومالي لاند” الحكم الذاتي، ونسجه علاقات خارجية مستقلة عن مقديشو تدعم هذا الطرح.

وبالفعل، المتغيرات الجارية في العلاقات الإثيوبية الإرتيرية والأجواء التقاربية بين الطرفين، ستهم كثيراً في استقرار منطقة القرن الأفريقي بشكل عام، والصومال على وجه الخصوص، ولكن نهاية الخلاف الإثيوبي – الإرتيري لا يعني استتباب الأمن في هذا البلد، لأن هناك صراع بين قوى إقليمية على الساحة بدأ يلوح في الأفق، وهذا الصراع بدوره سيكون له تداعياته على الأوضاع السياسية والإقتصادية في الصومال.

وصراع النفوذ القائم على منطقة القرن الإفريقي، تتمثل أطرافه في المملكة العربية السعودية والإمارات من جانب، وقطر وتركيا وإيران من جانب آخر. ففي الآونة الأخيرة، يلاحظ بأن صراع هذه القوى بدأت تظهر إرهاصاته على الساحة الصومالية بشكل جلي، وحسب التقارير الإخبارية بأن نفوذ قطر في الصومال يتعاظم بصورة مطردة، ويقابله تحركات إماراتية – سعودية للحد منه.

تداعيات الصراع الخليجي على الواقع الصومالي

في البداية، لا بد من تأكيد ذلك بأن دور الرياض وأبو ظبي في التغيرات الجارية بمنطقة القرن الأفريقي مكملاً لبعضه، بحيث نلاحظ إنجاز عملية التقارب الإثيوبي – الإرتيري يجري بتوافق وجهد مشترك للطرفين، وهذا يمكن استخلاصه من خلال الزيارات الراتبة للرئيس أسياس أفورقي لدولة الإمارات، عقب كل زيارته يقوم بها للسعودية والعكس.

وإضافةً إلى ما تقدم، يلاحظ بأن هناك مسعى سعودي للترميم العلاقات بين أسمرة وجيبوتي، بحكم تصدع العلاقة الإماراتية – الجيبوتية، وفي الأيام الماضية وحسب ما رشح في وسائل الإعلام، عقد الرئيس الجيبوتي، اسماعيل قيلي، ونظيره الإريتري، أسياس أفورقي، لقاء بمدينة جدة بدعوة من العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، حضره أيضاً ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، والأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، ووزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد، وهذا ما يؤكد تكامل الدورين السعودي والإماراتي.

وبالتأكيد، إن هدف أبو ظبي والرياض من مساعيهما إلى تحجيم دور القوى الإقليمية المناوئة لهما في المنطقة، وتتصدر هذه القوى دولة قطر، وهذا أيضاً ما نستنتجه من الحملات الإعلامية التي تقوم بها الأجهزة الإعلامية التابعة للرياض وأبو ظبي، وذلك من خلال حملات “التسقيط السياسي” التي تتعرض لها بعض الشخصيات الصومالية النافذة، والمعروفة بقربها لقطر. على سبيل المثال، هناك هجمة إعلامية شرسة يتعرض لها السيد فهد يسن، نائب رئيس جهاز الاستخبارات الوطني في الصومال ومدير مكتب قناة الجزيرة الأسبق في الصومال وشرق أفريقيا.

وتأسيساً على ما تقدم، يمكن القول بأن التصادم الخليجي على الساحة الصومالية، سيكون له تبعياته على الأوضاع الأمنية والإقتصادية والسياسية الصومالية، وبالمجمل سيؤدي هذا التصادم إلى نتائج مشابهة للخلاف الإثيوبي – الإرتيري، وبل أكثر من ذلك، ربما يؤدي إلى إنفصال بعض اقاليمه عنه، بدعم بعض القوى الخليجية إذا ما واصلت القيادة الصومالية اتباع مواقف سياسية مناوئة للمحور السعودي – الإماراتي.

*باحث بمركز أنقرة لدراسة الأزمات والسياسات “أنكاسام”.

المصدر: صحيفة رأي العام السودانية

مصدر الصورة: موقع وطن.


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •