شارك الخبر

إعداد: مركز سيتا

يشير مسؤولون أتراك إلى أن العملية “نبع السلام” العسكرية في الشمال السوري تهدف إلى إنشاء المنطقة الآمنة، تمتد من نهر الفرات غرباً عند مدينة جرابلس وصولاً إلى منطقة المالكية في أقصى شمال شرقي سوريا عند مثلث الحدود التركية – العراقية، بعمق يتراوح ما بين 30 كلم إلى 40 كلم على امتداد يقدر بنحو 460 كلم. فيما إعتبرت الدولة السورية العملية بأنها غزو لدولة ذات سيادة، وخروج عن ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.

أبعاد تركية

إن إزالة الممر الإرهابي، الذي تحاول القوات الكردية إقامته جنوب البلاد وإحلال السلام في المنطقة، يعد أهم أبعاد العملية العسكرية، بحسب الجانب التركي، إضافة إلى إقامة منطقة الآمنة تضمن عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم. فبعد أيام من حشد تركيا لقواتها قرب الحدود، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان أن “القوّات المسلحة التركية والجيش الوطني السوري باشرا عمليّة نبع السلام في شمال سوريا.: هذا من ناحية.

من ناحية أخرى، تخطط تركيا، مستعينة بجماعات متنوعة من التنظيمات الحليفة لها والمصنفة إرهابية، بمعاركها على الأرض للسيطرة على المنطقة، في وقت قد تتعرض فيه العملية إلى العديد من المعوقات بعد أن أعلن الجيش الأمريكي إغلاقه المجال الجوي السوري أمام الطائرات الحربية التركية وتحذير مسؤولين أمريكيين لتركيا من أية عملية واسعة. فعلى الرغم من معارضة كل من البنتاغون ووزارة الخارجية وغالبية أعضاء الكونغرس، يُدلل الضوء الأخضر الواضح، الذي منحه الرئيس الأمركي دونالد ترامب، لأنقرة، تخل مُذهل عن “قوات سوريا الديمقراطية” – قسد.

فلقد هدد الرئيس أردوغان مراراً بشن عمل عسكري في شمال شرق سوريا بعدما أنشأ الكرد، خلال الحرب على سوريا، منطقة شبه مستقرة تتمتع بحكم ذاتي من الناحية الفعلية، إذ تمثل تجربة الكرد السوريين في “الحكم الديمقراطي الذاتي”، بحسب العديد من المراقبين، تحديا سياسياً وأيديولوجياً يواجه تركيا، يذهب بعيداً من التهديد العسكري.

لذلك، تخشى تركيا من أن المكاسب، التي تم تحقيقها، ستشجع سكانها الكرد على إنشاء ولاية صغيرة تابعة لحزب “العمال الكردستاني” على حدودها؛ كما تعطي نقاط القوة، العسكرية والسياسية والإقليمية التي يتمتع بها الكرد السوريون، أوراق مساومة مهمة ضمن أي حل سياسي سوري يطالبون من خلاله بالإعتراف بحقوقهم، وإلغاء مركزية السلطة، حيث تسعى تركيا إلى منع هذا الأمر.

في هذا السياق، يقول الأستاذ فراس رضوان أوغلو، الكاتب والمحلل السياسي التركي لـ “سيتا” بأن الأبعاد التركية مهمة جداً في هذه العملية، “أولاً، إزالة الخطر من إنشاء كيان إنفصالي. ثانياً، القضاء على أحلام حزب العمال الكردستاني بإنشاء نفوذ، على الأقل، بالرغم من وجوده القوي في الشمال السوري خصوصاً وأن قيادات وعناصر الكرد التي تحمل الجنسية التركية، لا السورية، متواجدة في المنطقة؛ لذلك، هناك سعي تركي لكبح هذا النفوذ. ثالثاً، إعادة ما لا يقل عن مليون نازح سوري إلى تلك المنطقة والتي سبق وأن هجروا منها، ونصفهم من الكرد. رابعاً، ستكون هذه العملية ورقة قوية بيد تركيا في دعم المعارضة السورية خلال المفاوضات القادمة”، موضحاً أن ذلك “لا يعني حدوث تغير كبير لأن الخطوط العريضة قد تم الإتفاق عليها مسبقاً مع روسيا، ومنها إيجاد حل سياسي في سوريا، إن كان لجهة وحدة أراضيها، ونظام الحكم القادم فيها، لا سيما وأن الحكومة في دمشق هي ضلع أساسي فيها الآن، وأعتقد أن هذا الأمر منتهي بالنسبة لتركيا.”

ويضيف أوغلو “خامساً، منعت تركيا أي استغلال إستراتيجي لهذه القوات الإنفصالية الكردية من قبل بعض القوى العظمى، كفرنسا أو الصين، وتحديدا باريس التي كانت تنوي إيجاد نوع من النفوذ القوي في الشمال السوري لأهداف إستراتيجية أخرى من اجل الضغط على تركيا، كمشكلة التنقيب عن النفط في شرق البحر الأبيض المتوسط. سادساً، من الممكن القول إن تركيا تريد إنشاء شريط شمالي بعيداً عن النفوذ الإيراني، كالحال في شمال العراق، وهذا أمر مهم جداً وإستراتيجي. سابعاً وأخيراً، إذا نجحت العملية بشكل كبير، فهذا يعني أن الحكومة التركية الحالية سيكون لها حضور قوي جداً في الانتخابات القادمة، سواء الرئاسية أو المحلية أو البلدية، وهذا أيضاً أمر مهم جداً.”

ماذا عن روسيا؟

لم يتغير الموقف الروسي بشأن النشاط العسكري التركي في سوريا من الناحية العملية. فوفقاً للسلطات الروسية، يجب حل جميع المشاكل من خلال الحوار بين أنقرة ودمشق، وكذلك بين دمشق والكرد، إذ قال ديمتري بيسكوف، الناطق الرسمي بإسم الكرملين “(إننا) نتفهم حق تركيا في الدفاع عن أمنها القومي، دون أن يتعارض ذلك مع وحدة وسيادة الدولة السورية”، حيث لا يمكن لموسكو عرقلة العملية التركية بالقوة لأن ذلك يعني ضرباً لصيغة “أستانا”، التي تشارك فيها روسيا مع تركيا وإيران، وبالتالي ضربة للتسوية السياسية في سوريا خاصة عشية إطلاق عمل اللجنة الدستورية. وبالتالي، لدى موسكو فرصة وحيدة للتأثير على الوضع، بقيام إتفاق بين الكرد ودمشق.

في سياق متصل، يبدو أن اتفاقاً ضمنياً قد جرى بين حكومتي تركيا وروسيا على أن تتولى الأولى كسر النفوذ الكردي في الشمال مستعينة بـ “الجيش السوري الحر”، وربما بتنظيم “داعش” الإرهابي ايضاً، بحسب ما أفادت به وكالة الأنباء الألمانية، ليتم التخلص من الجميع؛ أي من قسد وفصائل الجيش الحر و”داعش” على حد سواء في حرب يشترك فيها الجميع ضد بعضهم البعض، ومن يتبقى منهم يقوم الجيشان التركي والروسي بالقضاء عليه نهائياً أو إيجاد نوع من التسوية السياسية.

من هنا، يقول الأستاذ دينيس كاركادينوف، المتخصص في العلاقات العامة والتعبئة الجماهيرية في الشرق الأوسط وجنوب القوقاز وأمريكا اللاتينية ورئيس تحرير قسم التحقيقات في مجلة “المجتمع العالمي” الروسية، لـ “سيتا” بأن التواجد الأمريكي، قبل الإنسحاب، قد “شكَّل عائقاً أمام العملية التركية التي أُخذ القرار بها في العام 2016؛ بالتالي، لم تستطع أنقرة فرض نفوذها في منطقة الشمال الشرقي السوري. ونتيجة لإتفاق ضمني بين الرئسين الأمريكي، دونالد ترامب، والتركي، أردغان، سحب البيت الأبيض قواته من منطقة روج آفا، في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2019، كضوء أخضر للبدء بالعملية التركية.”

ويشير كاركادينوف إن هدف أنقرة الرئيس من العملية العسكرية “هو بسط سيطرتها على المناطق الكردية، مثل منبج وتل ابيض ورأس العين وعين عيسى والقامشلي؛ وفي نفس الوقت، تزويد المجموعات الإرهابية المجتجزة في إدلب بالعتاد من أجل منع وصول الجيس السوري إلى الحدود معها. ففي 8 أكتوبر/تشرين الأول 2019، جرى إتفاق سوري – روسي على منع سقوط منبج بيد الأتراك لكونها تشكِّل نقطة إستراتيجية. لهذا، بدأ تحرك مشترك إلى تلك المنطقة.”

وعن نتائج تلك العملية، يرى كاركادينوف أنه “من الصعب جداً ان تحقق تركيا أهدافها بسرعة، فالإدانات الدولية التي ستوجه للرئيس أردغان ستكون بمثابة فسحة لإلتقاط الأنفاس خصوصاً وان أنقرة تخشى أي نزاع مع إيران لا سيما فيما يخص التأثير على معبر القائم. من هنا، سيضطر الرئيس أردوغان إلى التفاوض مع كل من بغداد وطهران في هذه النقطة بالذات. والنقطة الأخرى المهمة هي التوافق مع روسيا في هذا الشأن، خصوصاً ان موسكو قد تُوقف العمل بتنفيذ صفقة الطائرات التي تم الإتفاق عليها سابقاً والتي قد تستخدم ضد الكرد، الذين هم بالتالي حلفاء لموسكو. فذلك قد يشيع بأن روسيا تقوم بتصفية الكرد بأداة تركية، ما سيضر بسمعتها ليس فقط في الشرق الأوسط بل في العالم بأسره. هذه العملية قد تؤدي إلى نتائج خطيرة جداً أبرزها قيام الكرد بنوع من التضامن مع داعش، أو على الأقل غض النظر عن نموه من جديد.”

وعن نظرة موسكو إلى هذا التحرك العسكري، يقول كاركادينوف إنها “حذرة جداً. من الجانب الأول، إن التحالف السوري – الروسي سيدفع بموسكو لإتخاذ موقف بجانب دمشق خصوصاً أن أنقرة لم تلتزم بالتفاهمات التي تم إرساؤها بشأن إدلب. ومن الجانب الثاني، إن قيام نوع من التفاهمات بين روسيا وتركيا يقيد موسكو لجهة زيادة الضغط على أنقرة بحيث أن كثرة الضغوط قد تعيد الأخيرة إلى الحضن الأمريكي بالكامل. من هنا، كان الفيتو الأمريكي – الروسي بعدم إدانة أنقرة في جلسة مجلس الأمن، تاريخ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2019. في مقابل ذلك كله، يبدو أن هذه العملية قد كشفت عن تطابق في المواقف ما بين واشنطن وطهران، خصوصاً وان الجهتين عبرتا عن عدم رضائهما عن العملية العسكرية التركية. برأيي، شكَّل هذا الحدث نوعاً من التقارب بين الجانبين.”

مسؤولية من؟!

حملت الحكومة السورية المليشيات الكردية مسؤولية العملية العسكرية التي تشنها تركيا، حيث صرح نائب وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، بأن الميليشيات الكردية سبق و”تبنت أجندة انفصالية منحت تركيا ذريعة لإنتهاك سيادة البلاد”، واصفاً العملية بالغزو. كما أكد المقداد، في الوقت نفسه، إستعداد الجيش السوري لمواجهة كل التحديات، مبيناً أن الدولة السورية “كانت وما زالت حريصة على كل مواطنيها وعلى عودتهم دون قيد أو شرط إلى أرضهم”، متسائلاً “عندما تشكل تركيا تلك المنطقة الآمنة، ما الذي سيحل بسكان هذه المناطق الأصليين وبالبنى التحتية فيها؟”

أخيرا، إن ملف شمال شرق سوريا تحيط به تعقيدات وتجاذبات دولية. فمع دعوة موسكو لإطلاق حوار سوري – كردي ورفض الأخير، وتمسكهم بالمعسكر الأمريكي الذي تخلى عنهم، يبدو بأن هناك حاجة ملحة للقضاء على كل التنظيمات الهجينة تلك خاصة ولأنها قد تطورت على الصعيد العسكري – التسليحي بحيث أنشأت جيوشاً مصغرة وأصبحت تشكل خطراً محدقا على كل دول العالم بمن فيهم الكرد. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، يوجد هدف أمريكي واضح للعيان بإطالة أمد الحرب السورية من خلال قتال المسلمين بعضهم ببعض مع إثارة حفيظة الدول المسلمة عبر خلق فراغ لا متناهي.

إلى جانب مسألة مهمة تتمثل في أنه بعد فشل مشروع فصل سوريا عن العراق، تم الضغط على تركيا، من خلال الورقة الكردية، من أجل إستكمال مخطط واشنطن نحو إيجاد شرق أوسط ليس بجديد فحسب، بل منصاعاً تقوده وتسخره كيفما تشاء. فلهذه العملية أهداف خطيرة النتائج، إذ لن يربح أحد إلا من خرج من المعركة.

مصدر الأخبار: سيتا + وكالات.

مصدر الصور: pinterst.ch – تموز نت – أرشيف سيتا.


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •